السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » حصاد الأخبار » نزاعات نيجيريا قبلية وليست دينية

نزاعات نيجيريا قبلية وليست دينية

طالب الشيخ إبراهيم صالح الحسيني – مفتي نيجيريا – بضرورة تواصل العالم العربي بمسلمي أفريقيا لإيجاد تضامن إسلامي في مواجهة الأطماع الغربية· ونفى وجود صراعات دينية بين المسلمين والنصارى في نيجيريا، مؤكداً أن الخلافات بينهم سببها نزاع سياسي وقبلي بعيد عن الدين، مشيراً إلى أن القول بصدام الحضارات هو ادعاء غربي يستهدف إبادة الحضارات من أجل الحضارة الغربية فقط، وأشار إلى أن الجماعات التنصيرية في أفريقيا بدأت تتلاشي·

وأكد أن الخطاب الإسلامي يشوبه كثير من أوجه القصور أهمها: الاختلاف والتشنيع فيما بين المسلمين على أنفسهم لتفرقهم، وأن واجبنا أصبح ترتيب البيت الإسلامي من الداخل·· وكان هذا الحوار:

* هناك هجوم من الغرب على الإسلام ووصفه بالعنف والإرهاب، ماذا يطلب منّا كمسلمين القيام به لمواجهة ذلك؟

– أولاً: علىنا أن نتعامل مع الغرب بلغتهم وبأسلوب تفكيرهم حتى نعطيهم الصورة الصحيحة للإسلام ليقتنعوا بأن هذا الدين لا صلة له بالإرهاب أو التطرف، كما أن الإرهاب ظاهرة سياسية، ويمكن أن تظهر في أي مكان إذا توافرت أسبابه، وأنه ليس قاصراً على المسلمين أو العرب، كما يدَّعي الغرب، بدليل أنه قبل سنوات حدثت مأساة بويانا في أمريكا، وكان القائمون بها نصارى، وما حدث في أوكلاهوما قام به يهودي، وما يجري الآن من عنف في أيرلندا يقوم به نصارى، ثم إن مجرد وجود بضعة أشخاص ينتسبون للأمة العربية والإسلامية اشتركوا في حدث مثل الذي وقع في أمريكا لا يدل على أن الأمة كلها مدانة، فالبريء لا يتحمل ذنب الجاني، ومن جهة أخرى؛ فإنه يجب في هذا الوقت أن يهتم إخواننا في العالم العربي بمسلمي أفريقيا والأقليات الإسلامية بالخارج، لضمان وجود بعد إستراتيجي إسلامي وتضامن إسلامي كبير؛ لأن المسلمين إذا اتحدوا ستكون لهم الكلمة الغالبة في العالم، فهم ليسوا قلة ومعهم من الإمكانات والقدرات ما يمكنهم من فرض إرادتهم وإثبات وجودهم·

* يشاع أن هناك صراعات دينية بين المسلمين والأقلية النصرانية في نيجيريا، فما حقيقة ذلك؟

– ما يشاع غير صحيح؛ البعض يحاول أن يصف النزاع القبلي في نيجيريا، والذي يحدث من وقت لآخر بأنه نزاع ديني ليتدخلوا، ولكن الحقيقة غير ذلك تماماً؛ فالنزاعات تنشأ عادة نتيجة خلافات إقليمية وسياسية، أو بين قبيلة وأخرى، وهذا أمر موجود في كل أنحاء العالم، فلا علاقة له بالدين·

* هناك هجمات ثقافية شرسة على الحضارة الإسلامية، فهل يعني ذلك وجود صدام بين الحضارات؟

– أنا لا أؤمن بصدام الحضارات، وإن كان كل ما يجري في العالم الغربي الآن يدل على أن صدام الحضارات هو المفهوم الصحيح الذي اقتنع به الغرب، ولكني أؤمن بأنه لا ينبغي للإنسان أن يرضي بهذا الصدام؛ لأن الحضارات منذ بدء العالم تتعاون ويكمل بعضها بعضاً·

أما القول بالصدام فإنه يستهدف إبادة حضارات من أجل إبقاء حضارة واحدة، وهي التي تتمتع بقوة السلاح والمال والاقتصاد، وهذا ينطبق فقط – في هذا العصر – على الحضارة الغربية التي وصلت عن طريق ما نهبته من المسلمين وما استعارته من الحضارة الإسلامية إلى ما هي علىه اليوم، حتى أصبحت تنظر إلىنا نظرة دونية، وعلى هذا فأنا لا أؤمن بصدام الحضارات ولكني أخافه؛ لأن الغرب يريده للقضاء على الحضارة الإسلامية التي تهدده – من وجهة نظره·

* ماذا إذاً عن الهجوم على الثقافة الإسلامية بأفريقيا؟ وما الوسائل التي اتخذتموها لمواجهة ذلك؟

– لدينا من الوسائل ما يمكننا من مواجهة أي هجوم على ثقافتنا، وهذه الوسائل ورثناها من أسلافنا، وتعودنا علىها وهي قوية جداً، فالغرب عاش في أفريقيا فترة طويلة، ومع ذلك تغلبت اللغة العربية وانتشرت، على الرغم من أن الإنجليزية والفرنسية مثلاً وجدتا مجالاً للبقاء؛ لأنهم جعلوهما لغتين رسميتين في بلدان أفريقيا·

كما أن الغرب قبل الخروج من تلك البلاد نصَّب قوماً من أتباعه وحلفائه ليكونوا حلفاء له، يحافظون على ثقافته ولغته، ويحققون أهدافه، ولكن الحمد لله مع كل هذه المعوقات؛ فإن المسلمين في أفريقيا يعملون لمواجهة الثقافة الغربية ومساندة الثقافة الإسلامية إلى الدرجة التي احتلت فيها اللغة العربية مكانة عالية، في مواجهة محاولات الغرب لقولبة الثقافة الأفريقية، حتى إن الشباب الذين درسوا في أوروبا وتشبعوا بالثقافة الغربية بدأوا الآن في تعلّم اللغة العربية، ويسهمون في إنشاء المراكز والمؤسسات الإسلامية، وهناك جهود واضحة في مجالات الوعظ والدعوة باللغة العربية وكلها أمور مطمئنة·

* الجماعات التنصيرية منتشرة جداً في أفريقيا وتعاني منها بشكل كبير، فكيف تتعاملون مع هذه الجماعات في نيجيريا؟

– الجماعات التنصيرية بدأت تتلاشي، والواقع يؤكد ذلك بعد أن جاء دعاة من الأزهر والدول العربية والإسلامية يساندوننا على مواجهة هذه الجماعات، ويكفي أن هناك أعداداً كبيرة من النصارى تدخل في الإسلام طواعية، ومنهم زعماء قبائل وقسيسون، ولذلك فإن ما تنشره بعض الجهات الغربية عن انتشار النصرانية وتنصير المسلمين أمر غير صحيح، وقد يكون هذا الأمر محصوراً فقط في المناطق التي فيها أقلية مسلمة مثل دول شرق أفريقيا كموزمبيق ومالاوي، فهذه المناطق الإسلام فيها موجود، لكنه غير منتشر وأتباعه مستضعفون، لهذا السبب يوجد في تلك المناطق حالات يمكن أن تُفَسَّر بأنها تحوُّل من الإسلام إلى النصرانية، وإن كنتُ شخصياً أشك في ذلك، وأعتقد أنه في حدود ضيقة، لكن المغرضين يعطونه حجماً أكبر منه·

أما في غرب أفريقيا فالتنصير لم ينجح مطلقاً، بدليل أن النصارى هم الذين يطالبوننا بالحوار معهم، مما يؤكد أن الإسلام ما زال أقوى في تلك المنطقة من جميع الديانات الأخرى، بالرغم من العوامل التي نرى أنها غير مشجعة على استمرار ذلك، ومنها اعتماد الدول الأفريقية رسمياً على اللغات الأصلية الأوروبية وانسلاخها من اعتبار اللغة العربية لغة رسمية، ولذلك قررنا أن يشارك أبناء المسلمين في تعلم اللغات العربية، وأن يصلوا إلى مراكز الحكم عن طريق الحصول على ثقافات مساوية لأمثالهم ممن درسوا في الغرب، وبذلك نستطيع أن نقطع الطريق على المحاولات التي تهدف إلى التشكيك في قدرات الإسلام والمسلمين على السير في طريق العطاء والحضارة بسلام، خصوصاً أننا نعلم أن الإسلام الآن يُحارب من أجل القضاء علىه وإذابة المسلمين بكل مكان في الثقافات الغربية·

* فضيلة المفتي: ماذا ينقص مسلمو أفريقيا في مواجهة المحاولات الغربية للإيقاع بهم؟

– نحن قطعنا شوطاً كبيراً في تحقيق النصر على تلك المحاولات، وما يعيقنا فقط غياب إخواننا في العالم العربي وعدم مشاركتهم لما تعيشه المناطق الإسلامية بأفريقيا، فنحن نريد تفاعلاً حقيقياً بين المسلمين في أفريقيا وفي العالم العربي من أجل إيجاد بُعد إسلامي يمتد من قلب الجزيرة العربية إلى أفريقيا، والحال التي نعيشها اليوم توجب علىنا ذلك؛ لأن هذا التضامن إذا لم يحدث وانفردت بنا القوى العظمى فإننا سنواجه صعوبات كثيرة لا نقوى علىها بمفردنا·

* يؤكد البعض أن قوة العالم الإسلامي يمكن أن تكمن في الجاليات الإسلامية، فهل تؤمن بذلك؟

– أنا لا أؤمن بهذا، وصحيح أن بالمهجر إخواناً لنا مسلمين، إلا أنهم لا يمثلون القوة للعالم الإسلامي، فقد ذهبت على سبيل المثال إلى بريطانيا ووجدت مجموعة من الباكستانيين لا يصلون مع إخوانهم من الهنود، والسلفيين لا يصلون مع السنيين، إذن فأين هذه القوة التي يمكن أن تكمن في مسلمي المهجر؟ ومع ذلك فهناك طريقة لتفعيل دورهم عن طريق مَدِّ جسور حقيقية بينهم وبين العالم الإسلامي·

* يطالبنا البعض بتجديد الخطاب الديني، فما أوجه القصور التي تحتاج إلى تجديد في هذا الخطاب؟

– توجد أوجه قصور كثيرة أهمها: الاختلافات وجعل الفروع في مكان الأصول، ومنها أيضاً ما يجري بيننا كمسلمين من التشنيع على بعضنا البعض، فالأمر في نجاح خطابنا الإسلامي يعتمد على وحدتنا، فالله تعالي يقول{ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (46) [الأنفال: 46]، ويقول أيضاً: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ } [الأنعام: 159] ، فنحن دخلنا حرباً فيما بيننا، وأصبح الوصف الذي قيل في اليهود: { تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ} (14) [الحشر: 14] ينطبق علىنا الآن؛ لذلك يجب علىنا قبل البدء بخطاب الآخر أن نهتم بأنفسنا، ونرتب بيتنا من الداخل، ونزيل جميع أسباب الفرقة الطائفية والمذهبية، ثم بعد ذلك نتجه بصوت وهدف واحد إلى الآخر حتى نتحاور معه حضارياً وثقافياً من أجل الوصول إلى تعاون حضاري بيننا وبينه·

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*