الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » حصاد الأخبار » اليسار العربي يلهم الحراك السياسي ويمشي على هامشه

اليسار العربي يلهم الحراك السياسي ويمشي على هامشه

يثير الربيع العربي بحراكه السياسي والاجتماعي وثورته الشبابية/الشعبية جملة من المفارقات نكتفي بالوقوف عند اثنتين منها : أولاهما قيم اليسار العربي لا تستثمرها أطره التنظيمية ، ثانيتهما تتمثل في فوز الإسلاميين بالانتخابات التي تقوم على قيم الديمقراطية والحداثة .

فيما يتعلق بالمفارقة الأولى يمكن تناول موضوعها  من مستويين :

1 ـ  تنظيمات اليسار التقدمي/الاشتراكي الذي عرف انحصارا ولم يتفاعل بالقدر المطلوب مع الحراك الاجتماعي الذي فجرته ثورة الشباب؛ بل ظل على هامش الحراك . فاليسار لم يُنظّر  للربيع العربي  ولم يستشرف آفاقه ولم يصغ شعاراته . 

بحيث إن الثورات في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا لم تفجرها النخبة ولا الأحزاب “التقدمية” ، بقدر ما فجرها الشباب خارج الإطارات الحزبية والنقابية . فالأحزاب “التقدمية” قدمت  نفسها للدفاع عن قضايا الجماهير الشعبية ضد الاستبداد والقهر وحملت همومها وآمالها في الحرية والكرامة والمساواة ؛ كما قدمت تضحيات لا تقارن بأي هيئة سياسية أو مدنية من أجل بناء دولة الحقوق وتكافؤ الفرص وكسر أغلال القهر والاستبداد . 

وكان من المفترض أن تكون هذه الأحزاب في مقدمة الحراك الاجتماعي والسياسي تنظيرا وتنظيما ولا تترك تضحيات عقود من الزمن يلفها العقوق أو يعصف بها الإجهاض أو تتحول إلى أصل تجاري  طاوله الخراب بفعل التنازع بين ذوي الحقوق . 

لقد انخرطت تنظيمات اليسار في النضالات اليومية التي تروم رفع التهميش والظلم عن فئات اجتماعية متعددة : عمال ، فلاحين ، طلبة ، نساء ، أطفال ، سكان الأحياء الشعبية ، ضحايا الغلاء وارتفاع الأسعار الخ ؛ انخرطت هذه الأحزاب في الحركات الاحتجاجية وأطرتها دون أن تفلح في ترجمتها إلى رصيد انتخابي أو تلحقها بمحيطها التنظيمي أو المتعاطف يساندها في معاركها الانتخابية كما ساندته في معاركه الاجتماعية . 

وهذه مفارقة تطرح على الأحزاب اليسارية التفكير الجدي في معالجتها ثقافيا .إذ الأمر لا يقتصر على  بلد عربي بعينه ، وإنما يشمل كل البلدان العربية التي إذا ما أجريت فيها انتخابات  حرة ونزيهة فإن الأحزاب الإسلامية ستفوز بأغلبية الأصوات وهي المعروفة بمحافظتها ومناهضتها لقيم وثقافة حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها كونيا .ولعل الأمثلة واضحة من تجربة تونس ومصر والمغرب التي فاز فيها الإسلاميون رغم ترددهم وارتباكهم عند انطلاق الاحتجاجات الشبابية التي جاءت بالربيع العربي . 

2 ـ الفكر اليساري يمكن التمييز فيه بين : أ ــ القيم والمبادئ التي ظلت تميزه عن الفكر الليبرالي أو الفكر المحافظ /”الرجعي” . وأهم ما يميز الفكر اليساري/الاشتراكي “التقدمي” ويحقق له هويته الإيديولوجية تبنيه للقيم التالية ( قيم الحرية ، المساواة ، الكرامة ، الإنصاف ، العدالة الاجتماعية ، المواطنة الخ ) . هذه القيم تشبع بها الشباب خارج الأطر التنظيمية والإيديولوجية لليسار ، تشبع بها كثقافة أشاعها اليسار خلال الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين بعد أن ضحى من أجلها في مواجهة الاستبداد السياسي والقهر الاجتماعي .

ب ــ التأطير والممارسة : ذلك أن الأحزاب اليسارية فشلت في أجرأة القيم والمبادئ التي هي معيار يساريتها واشتراكيتها وترجمتها إلى ممارسة يومية تصبح جزءا من ثقافة وهوية المجتمع . فمن حيث هي أحزاب ، لم تحترم قيمها ولم تحتكم إليها  داخل أطرها التنظيمية ؛ فخلقت زعامات منحتها كاريزما ظلت تعصمها من النقد وتنزهها عن الخطأ . وهي بهذا أسست لتنظيمات شمولية شبيهة بالنظم السياسية التي حاربتها أو  تلك التي  أقامتها . 

وساد داخل التنظيمات اليسارية نقاش عريض وطويل حول مسألة الديمقراطية المركزية أو المركزية الديمقراطية . وجوهر الإشكال يتعلق بمدى قدرة هذه التنظيمات على ضمان حرية أعضائها واستقلاليتهم في اتخاذ القرار دون أن يتحولوا إلى قطيع تنظيمي يوجهه القائد الرمز .  بل إن هذه التنظيمات اليسارية “التقدمية” لم تعرف التداول على القيادة والرئاسة ، وظل الأمين العام على رأس الحزب عقودا إلى أن عصف به الموت أو المرض . 

ومن الزعماء من ورثوا مناصبهم لأولادهم الطبيعيين أو المستنسخين إيديولوجيا . ونفس الممارسة الشمولية طبعت   تجربة الأنظمة “التقدمية”  التي حكمت الشعوب باسم القومية أو الاشتراكية أو هما معا ، فكانت تجربة  مشئومة وأشد بطشا واستبدادا من نظيرتها “الرجعية” . 

هذه التجربة كانت أول من داس على الشعارات “التقدمية” وعصف بالحريات والحقوق .وهاهي الأنظمة التي تحتكر لنفسها “التقدمية” و”الاشتراكية” تمارس أبشع أساليب التقتيل والتنكيل ضد مواطنيها الذين خرجوا للمطالبة بالحرية والديمقراطية والكرامة ؛ وهي نفس القيم التي تدعيها هذه الأنظمة وترفع شعاراتها . 

وما الجرائم التي ارتكبها القذافي  “أمين القومية العربية” ويقترفها نظيره في الإجرام بشار الأسد الذي يرأس حزب البعث العربي الاشتراكي  ودولة “الممانعة” ، سوى دليل قاطع على بؤس التنظيمات/الأنظمة اليسارية/الاشتراكية التي قدمت صورة بشعة عن تجربتها على مدى عقود ولا زالت .

إن الحراك الاجتماعي الذي تعيشه المجتمعات العربية قد أحدث رجة قوية على مستوى الفكر العربي في صيغته اليسارية/الاشتراكية أو صيغته الإسلامية/السلفية . لكن المفارقة التي أحدثها هذا الحراك تجسدت في قدرة التنظيمات الإسلامية والسلفية على الانفتاح على بعض قيم اليسار وإحداث مراجعات  همت مواقفها من الديمقراطية والتعددية والاختلاف والأقليات الدينية والتداول على السلطة والتدبير التشاركي للحكم الخ. بينما التنظيمات اليسارية لم تجرؤ على طرح قناعاتها وممارساتها للنقد والمراجعة رغم الوضع الهامشي الذي أجبرها الحراك الاجتماعي على الانزواء فيه. 

وما يجدر التنبيه إليه هو أن الأحزاب الإسلامية التي تصدرت الانتخابات ، سواء في تونس أو المغرب  أو في مصر ، قدمت برامج انتخابية أكثر انسجاما مع قيم اليسار  ومبادئه في المجال الاجتماعي  ؛ الأمر الذي جعل هذه الأحزاب الإسلامية تصير يسارية في برامجها الانتخابية وحتى البرامج الحكومية . 

فالأحزاب اليسارية تخلت عن نهجها اليساري وفكرها الاشتراكي وباتت حداثية الشعار والمطالب . علما أننا نعيش لحظة ما بعد الحداثة التي من مميزاتها نقد سلبيات الحداثة والدعوة إلى الديمقراطية التشاركية بعدما تبين قصور الديمقراطية البرلمانية التي لا تجسد حكم الشعب وتمكنه من المشاركة في صنع القرار بكل فئاته وقواه السياسية والمدنية . 

أما المفارقة الثانية التي أفرزها الربيع العربي فيجسدها الفوز الكبير والكاسح للتيارات الدينية للانتخابات. وكان من المحتمل أن تحتل الأحزاب اليسارية والاشتراكية صدارة الانتخابات . ولعل حالة مصر تمثل هذه المفارقة بكل أبعادها وتداعياتها ، خصوصا وأن مصر هي قلب العروبة النابض ، عرفت تأسيس أحزاب قومية ويسارية أصيلة  لم يمنحها الناخبون ثقتهم مثلما منحوها للسلفيين الذين لهم مواقف قديمة من الديمقراطية . فهل الربيع العربي أسقط استبدادا ليفتح المجال أمام استبداد آخر؟ 

ما الذي يسمح للشعب بالمراهنة على الأحزاب الدينية في تحقيق مطالبه الاجتماعية؟ هل أولوية الربيع العربي اجتماعية تتعلق بالعيش الكريم ومحاربة الفقر والتهميش والبطالة ، أم الأولوية سياسية تتعلق بالحرية والنزاهة والديمقراطية البرلمانية ؟ أسئلة وغيرها سيتكفل الواقع الذي يتشكل بالإجابة عنها إذا لم تلق الاهتمام اللازم من طرف المعنيين بالحقل السياسي أكاديميين وسياسيين . 

-- خاص بالسكينة:سعيد الكحل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*