الجمعة , 9 ديسمبر 2016

تفكك بوليساريو

تواجه حركة البوليساريو واحدا من أكثر التهديدات خطورة منذ تأسيسها قبل عقود، إذ تشير الكثير من المؤشرات إلى أن الحركة تعيش واقع التفكك والتلاشي بحكم عدد من المعطيات الداخلية والإقليمية.

وقالت مصادر مطلعة في مخيمات تندوف أن قيادة البوليساريو تجد نفسها في مواجهة حالة غير مألوفة مع تزايد حركة الاحتجاجات الشبابية ضدها وتوجه البعض من الشباب للعمل ضمن عصابات التهريب التي تنشط في المنطقة في حين يستقطب تنظيما القاعدة والتوحيد والجهاد في غرب أفريقيا أعدادا متزايدة منهم.

وأرجعت المصادر هذا التردي الكبير في سيطرة الحركة على المخيمات إلى ترهل قيادات الحركة والذين توجه لهم تهم الفساد والمتاجرة بالقضية الصحراوية بالتنسيق مع متنفذين في الجزائر.

وتطالب الحركة، المدعومة من الجزائر ومن نظام القذافي قبل سقوطه، تطالب باستقلال الصحراء المغربية وهو الأمر الذي رفضه المغرب تاريخيا وعرض بديلا عنه حكما ذاتيا موسعا يتم الإعداد له تحت إشراف الأمم المتحدة.

ورغم العشرات من الوساطات والاجتماعات التي رعتها أطراف كثيرة من ضمنها الأمم المتحدة، إلا أن الطرفين لم يتوصلا إلى حل.

ويعيد المراقبون السبب في عدم الخروج بنتيجة من المفاوضات إلى أن الجزائر كانت دائما تقف في طريق إقرار الحكم الذاتي لمنطقة الصحراء تحت السيادة المغربية نتيجة لعوامل داخلية (تقاطع مصالح المؤسسة العسكرية الحاكمة في الجزائر مع قضية الصحراء) وإقليمية (الصراع التقليدي مع المغرب).

لكن ثمة عاملين قلبا معادلة الوضع في المخيمات مما دفع إلى تردي مكانة البوليساريو وقدرتها على السيطرة هناك.

العامل الأول هو تأثيرات الربيع العربي التي تلقفها شباب المخيمات في تندوف ممن ولدوا وعاشوا في عزلة قسرية ترعاها قيادة البوليساريو مدعومة من الجزائر.

فالشباب يلومون قيادة البوليساريو “العجوز” والتي تسيطر على مختلف أوجه الحياة في المخيمات ويتهمونها بانعدام الرؤية المستقبلية والفساد والتربح من معاناتهم.

ويعاني القاطنون في المخيمات من أوضاع إنسانية مزرية تزيدها سياسة التربح التي تمارسها بعض قيادات الحركة من المساعدات الإنسانية التي تقدم من قبل الدول المانحة.

العامل الثاني هو التغيرات الإستراتيجية في المنطقة التي نتجت عن سقوط نظام القذافي مما أدى إلى سيطرة الحركات الإسلامية المتطرفة على مساحات شاسعة من مناطق جنوب الجزائر وشمال مالي مستفيدة من وفرة السلاح ومن الفوضى الأمنية التي خلقتها حالة عدم الاستقرار في منطقة تندوف.

وتستفيد القاعدة وحركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا من الشباب الصحراويين من خلال تجنيدهم في صفوفها وهو ما خلق حالة تهدد سيطرة البوليساريو التقليدية عليهم.

الخلل الأمني في المنطقة ترك المجال أيضا لتنامي حركة التهريب بشكل كبير مما جعل تمويل الجريمة والإرهاب ممكنا ووفر دخلا بديلا للصحراويين ممن بقوا لعقود تحت رحمة ما تقدمه لهم الجزائر عبر البوليساريو.

ومثّل الوضع الجديد قلقا استراتيجيا كبيرا بالنسبة للجزائر التي راهنت دائما على قدرتها في السيطرة على الوضع في المخيمات من خلال البوليساريو.

وكانت حادثة اختطاف ثلاثة من موظفي الإغاثة الأوربيين الخريف الماضي من قبل المنظمات المتطرفة جرس الإنذار للجزائر بأن البوليساريو فقدت السيطرة على المنطقة خصوصا وأن عمليات الاختطاف تمت على بعد خطوات من مقر رئاسة البوليساريو بالرابوني.

ومع نجاح السلطات الإسبانية والإيطالية في التوصل إلى إطلاق سراح موظفي الإغاثة المخطوفين على يد تنظيم التوحيد والجهاد بغرب أفريقيا، فأن التنظيم أدرك أن فرصته كبيرة للعمل في المنطقة لتمويل نفسه من خلال عمليات الخطف في المناطق التي تسيطر عليها بوليساريو وخصوصا للرعايا الأوربيين العاملين في المخيمات.

وأكدت مصادر مطلعة أن 15 عامل إغاثة أوروبي كانوا قد استنجدوا بموظفي البعثة الأممية المينورسو العاملة هناك بهدف إخراجهم من المخيمات بصورة مستعجلة بعد ان تعرضت سلامتهم للخطر مع إطلاق التنظيم لتهديدات ضد كل الأجانب العاملين هناك.

وطلبت البوليساريو، التي تواجه إحراجا مزدوجا أمام الجزائر الراعية الأساس لها وكذلك الجهات المانحة، طلبت من الموظفين البقاء متعهدة بتوفير الحماية لهم ضد أية هجمات أو محاولات لخطفهم من قبل تنظيم التوحيد والجهاد.

لكن تطمينات البوليساريو لم تكن كافية خصوصا وأنها لا تستطيع مواجهة العصابات الإجرامية الناشطة والمتصارعة في المنطقة والتي تقوم بشن حملتها الخاصة بالتوازي مع حملة تنظيم التوحيد والجهاد. وتشهد المنطقة اشتباكات تخلف العديد من الإصابات والضحايا آخرها اشتباك دامي في منطقة امطيرات نتج عنه سقوط عدد من القتلى والجرحى.

ووجهت السلطات الجزائرية ضربة غير متوقعة لسلطة البوليساريو في المنطقة من خلال اتخاذ تدابير أمنية من دون التنسيق مع قيادة الجبهة وتسييرها لدوريات أمنية ونشرها لنقاط تفتيش ومراقبة حول المخيمات وخصوصا مخيمات الحمادة التي صار الناشطون الصحراويون يصفونها بأنها “سجون بسماء مفتوحة.”

وتقول مصادر جزائرية مطلعة أن التدابير الأمنية اتخذت بعد مراجعة شاملة أجرتها السلطات وخلصت أن المخيمات صارت ممرا لعناصر تنظيم التوحيد والجهاد وللعصابات الإجرامية، وأن ضغوطا كبيرة سلطتها الدول الغربية طالبت بضبط هذا الممر الذي يبدأ في مالي ويمر بالمخيمات ويصل إلى ساحل المتوسط مما يهدد أوروبا.

وقال مصدر جزائري لم يشأ ذكر إسمه “عرضت الأجهزة الإستخبارية الغربية على السلطات الجزائرية اسم عدنان أبو وليد الصحراوي الذي انتقل من صفوف البوليساريو ليصبح ناطقا باسم تنظيم التوحيد الجهاد، كدليل على المدى الذي تمكن فيه التنظيم الإرهابي من اختراق الجبهة.”

وزادت الجزائر من ضغوطها على البوليساريو مع تمكن القاعدة وتنظيم التوحيد والجهاد من السيطرة على مدن أزواد بمالي (كيدال وكاو وتومبوكتو) في أبريل الماضي وتأكيد السلطات الجزائرية على أن العشرات من “الجهاديين” قد قدموا من مخيمات تندوف لتعزيز وضع القاعدة والتوحيد والجهاد في شمال مالي.

وتعاني البوليساريو نفسها من وضع داخلي قلق بعد تدهور العلاقات بين قياداتها على خلفية الاتهامات المتبادلة بالرشوة والمحسوبية وسرقة أموال المساعدات.

وجاءت استقالة حاج أحمد بريك الله وزير التعاون في البوليساريو احتجاجا على مخلفات مالية مارسها سلفه سالك بابا حسانة لتضع “رئيس وزراء” البوليساريو عبدالقادر طالب عمر أمام انتقادات واسعة من داخل قيادات البوليساريو نفسها بسبب دعمه للوزير السابق.

وفجر الموقف بين بريك الله وطالب عمر قضية الاختلاسات من أموال المساعدة الفنزويلية البالغة 7 ملايين دولار التي كان ينبغي أن تصرف لصالح مشاريع في المخيمات.

ويتضامن مع بريك الله عدد من المسؤولين الكبار في الجبهة ممن هددوا بالاستقالة احتجاجا على السياسات التي يرعاها رئيس الجبهة محمد عبدالعزيز ويدعم من خلالها “حكومة” عبدالقادر طالب عمر.

وأكدت مصادر مقربة من الجبهة أن وزير التجارة عبيدة الشيخ ووالي أوسرد عبدة هميم من بين أبرز المهددين بالاستقالة إذا لم يتخذ رئيس الجبهة قرارات تحد من صلاحيات “رئيس الوزراء” والمسارعة بفتح تحقيقات في ملفات إساءة استخدام أموال المساعدات واختلاسها.

ولا يتردد بعض الشباب الصحراوي في تحدي سلطة بوليساريو بشكل مباشر على الرغم من مسارعة قوات الأمن للجبهة بالتحرك لقمع الاحتجاجات واعتقال مرتكبيها.

وسجل الناشطون حالة الناشطة الصحراوية مريم بنت الحبيب ولد الحبادي المنحدرة من قبيلة الركيبات السواعد والتي اعتقلتها قوات أمن البوليساريو مؤخرا في مخيم السمارة وأضرمت النار في خيمتها، والتي اتهمت بأنها هتفت أمام القاطنين في المخيم “عاش الملك” في إشارة إلى العاهل المغربي الملك محمد السادس. 

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*