السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » حصاد الأخبار » الحوثيون ودعوى المهدية

الحوثيون ودعوى المهدية

خلال تواجدي لأيام قليلة في صعدة تابعت سير المعارك التي تتحول بشكل تلقائي، فتفقد المتعة التي تنالها في البداية. كانت أهم مشاهداتي في المعارك بين تحالف القبائل والقوى السلفية ضد الحوثي في نوعية الأسلحة المتطورة التي يستخدمها مقارنة بأسلحتهم حيث إنه يستخدم المدفعية الثقيلة والدبابات والرشاشات التي تتوفر لديه ذخيرتها خاصة الدوشكا والـ 23، ومدافع الهاون من مختلف العيارات 120 ملم و85 ملم التي تتساقط بشكل دائم، والبي إم 21، والبي 10، وهي أسلحة تشبه بشكل مطابق للأسلحة التي يستخدمها عناصر تنظيم القاعدة، وهو ما أثار لدي أسئلة حول الجهات الداخلية والخارجية المتورطة في صناعة هاتين القوتين. 

كنت أراجع التقارير وما كتبته وأنا في طريق عودتي للسعودية. ومنها تقارير حول الحركة الحوثية التي ظهرت عام 1991، ونشوء تنظيم “الشباب المؤمن” في بعض مناطق محافظة صعدة (تبعد عن صنعاء 240 كيلومترا شمالاً) كمنتدى للأنشطة الثقافية، بعد أن انشق مؤسسه عن حزب الحق الذي تأسس عام 1990، أي بعيد إعلان الوحدة اليمنية والسماح الدستوري للتعدّدية السياسية والثقافية بإيعاز من بدرالدين بن أميرالدين الحوثي، بهدف جمع علماء المذهب الزيدي في صعدة وغيرها من مناطق اليمن تحت لوائه، وهو المشروع الذي دعم بقوة من الرئيس السابق علي عبدالله صالح، وبالتالي دعم حزب الحق بصفته يمثل المذهب الزيدي، (أطلق عليه سلفيو اليمن من تلاميذ الشيخ مقبل الوادعي لقب الشباب المجرم).

وكان بدرالدين الحوثي من كبار علماء الشيعة، جارودي المذهب، يرفض الترضية على الشيخين أبي بكر وعمر (رضي الله عنهما)، ويهاجم الصحيحين والسنن في كثير من مؤلفاته، ويتهم الإمام البخاري ومسلم بالتقول والكذب على رسول الله إرضاءً للسلاطين، ومنه ورث ابنه حسين هذا المذهب، وسار عليه أنصارهم وأتباعهم، وكان من ضمن المؤسسين أيضاً محمد يحيى سالم عزان (مفكر زيدي)، اختلف مع حسين الحوثي في وقت لاحق وانشق عن التنظيم.

وتفرغ بدرالدين الحوثي وأبناؤه للقيام على تنظيم “الشباب المؤمن”، الذي استمر في ممارسة نشاطه، وتمكن من استقطاب الشباب والقبائل والوجاهات الاجتماعية في صعدة، والمشكلة أن كل ذلك كان يتم برعاية شبه رسمية في حينها.

التوسع 

وبدأ حسين الحوثي وبدعم معلن من المراجع الشيعية بإيران بتوسيع نشاطه خارج منطقة صعدة، ليؤسس مراكز مماثلة لمركزه في عدة محافظات، وظهر تطاوله وتهجمه على علماء الزيدية، وآراء المذهب وكتبه، معتبراً نفسه مصلحاً ومجدداً لعلوم المذهب، مما دفع علماء الزيدية لإصدار بيان نشرته صحيفة “الأمة” الناطقة باسم حزب الحق حذر من ضلالات حسين الحوثي وأتباعه، منكراً أن تمتّ أقواله وأفعاله إلى أهل البيت وإلى المذهب الزيدي بصلة، ومحرّماً الإصغاء إلى تلك البدع والضلالات والتأييد لها أو الرضا بها.

ولم تتوقف أنشطة الحوثي والشباب المؤمن على إقامة المراكز العلمية “المسماة بالحوزات”، والندوات ونشر كتب تروج لفكره، وحرض أتباعه على اقتناء الأسلحة تحسباً لمواجهة الأعداء من “الأميركيين واليهود”، واقتطاع نسبة من الزكاة، وسعى حسين بدرالدين لتوفير دعم كبير لتنظيم الشباب المؤمن، من إيران بالشكل المباشر وغير المباشر، أو الدعم الذي كان ينصب من قصر الرئاسة في حينها.

كان الصعود المتنامي لتنظيم الشباب المؤمن بقيادة الحوثي يتم على حساب الحجم السياسي والشعبي لحزب الحق، الذي خرج عنه حسين الحوثي من قبل، والذي يمثل الطائفة الزيدية، ويرى بعض المراقبين أن رجحان كفة تيار الحوثي تعود إلى استغلاله الدعم الإيراني المخصص لتصدير الثورة إلى اليمن، والذي كان في بداية الأمر دعماً فكرياً أكثر منه مادياً، مما أدى إلى معارك فكرية عدة بين الشباب والشيوخ أصدرت خلالها بيانات التبرؤ من تنظيم الشباب المؤمن.

الخروج على الزيدية

الطائفة الزيدية كانت تشكل أغلب سكان شمال اليمن، التي حكمها الأئمة الزيود لسنوات طويلة، استمرت إلى قيام الثورة ضدهم عام 1962، لكن المذهب الزيدي أيضاً ليس فرقة واحدة وحسب، بل توجد به أربع فرق، أهمها الهادوية، والتي تشكل الأغلبية، وهي كما يصفها بعضهم بأنها “سنة الشيعة”، بحيث لا تقدح في الصحابة، إنما تكتفي بتفضيل الإمام علي على بقية الصحابة، وأيضاً لا يؤمنون بالرجعة ونظرية المهدي، كما لا يحللون المتعة، ولا يستخدمون التقية، والفرقة الأخرى وهي أقرب للشيعة الاثني عشرية منها للزيدية. والثانية هي الجارودية؛ إذ لا يجدون بأساً في التهكم على الشيخين أبي بكر وعمر (رضي الله عنهما) والبخاري ومسلم، وهذه الفرقة هي التي ينتمي إليها والد مؤسس الحوثية بدرالدين الحوثي، الذي يعتبر من أكبر مرجعيات هذه الفرقة، ويرى الكثير من أبناء الزيدية أن حسين الحوثي خرج عن أدبيات وأفكار المذهب الزيدي في أمور كثيرة، مما جعل أفكاره أقرب لمذهب الاثني عشرية منها للزيدي المعتدل الذي يصفه الكثير بأنه أقرب المذاهب إلى مذهب أهل السنة، أما الفرقتان الأخريان فلا وجود لهما باليمن حالياً، وهما السليمانية والصالحية.

وعلى الرغم من أن والد حسين الحوثي كان من أبرز المرجعيات الشيعية للمذهب الزيدي في اليمن فإنه بدا أقرب إلى مذهب الاثني عشرية الإمامية في إيران، خاصة بعد زياراته المتكررة إلى طهران، وهو ما عده البعض خروجاً لحركته عن المذهب الشيعي الزيدي الذي يتبعه نحو ‏30 % من سكان اليمن‏.‏

الدور الإيراني

وفي نهاية حرب عام 1994 سافر بدرالدين الحوثي وابنه حسين إلى إيران، التي اختاراها بحكم التقارب الفكري، على الرغم من بعض الاختلافات في قضايا أساسية، الأمر الذي يرجع إليه انتشار بعض الأفكار الغريبة بين أتباع الحوثي، وظهور حسين اليماني الممهد للمهدي، الذي ساهم في تجميع الشباب حول حسين الحوثي، ثم رجع حسين الحوثي وهو مشحون بتلك الأفكار إلى اليمن، في حين مكث والده هناك إلى عام 2002، وبدأ حسين في إيفاد الطلاب من اليمن إلى إيران بحجة الدراسة، ولم تكن إيران التي كانت تحوم حول اليمن لنشر مذهبها فيه منذ اندلاع الثورة سنة 1979 والمسماة بالإسلامية لتفوت هذه الفرصة الذهبية، ولذا فقد سهلت لهم الوصول إليها بكل السبل، وراحت تستقبل بحفاوة العشرات من الموفدين نحوها ليس من أجل العلم، وإنما لتقوم بصياغتهم صياغة جديدة.

الحوثي والخميني

نشر مركز الجزيرة العربية للدراسات ملفاً مكتوباً كان يوزعه الحوثي هو وأتباعه على الناس تحت مسمى “لا عذر للجميع أمام الله” حيث يقول الحوثي في الصفحة 3: “كانت إيران مليئة بالحوزات العلمية ومليئة بالعلماء تحرك واحد منهم (يقصد الخميني) عندما ثار وقال في مظاهرات الحرم المكي (في صفحة 14)، الإمام الخميني الذي عرف الحج بمعناه وجه الإيرانيين إلى أن يرفعوا شعار البراءة من أميركا، البراءة من المشركين، البراءة من إسرائيل، فالإمام الخميني عندما أمرهم أن يرفعوا البراءة من المشركين في الحج، كانت بداية تحول الحج ليصبح بالصبغة الإسلامية”.

وقال في ملزمة: “الصرخة في وجه المستكبرين (في الصفحة 2) الكيان الصهيوني المعتدي المحتل الغدة السرطانية التي شبهها الإمام الخميني -رحمة الله عليه- بأنها غدة سرطانية في جسم الأمة يجب أن تُستأصل”. 

وتذكر وكالة “قدس برس” أن التقرير الأمني يتهم الحوثي بتوزيع كتاب بعنوان “عصر الظهور” وهو كتاب شيعي لمؤلفه علي الكوراني العاملي الذي أشار في مقدمة طبعته السابعة مطلع العام الهجري 1424هـ إلى أنه بعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران؛ ارتفع مؤشر الاهتمام بعقيدة المهدي المنتظر في شعوب العالم الإسلامي بالسؤال عنه، والحديث حوله، والقراءة والتأليف، بل وفي غير المسلمين أيضاً.

ويخصص الكتاب محوراً خاصاً عن اليمن تحت عنوان اليمن ودورها في عصر الظهور، يؤكد فيه ورود أحاديث متعددة عن أهل البيت تؤكد حتمية حدوث ما يصفه الكتاب، بثورة اليمن الإسلامية الممهدة للمهدي عليه السلام وأنها أهدى الرايات في عصر الظهور على الإطلاق، أما قائدها المعروف في الروايات التي أوردها الكتاب باسم اليماني، فتذكر رواية أن “اسمه حسن أو حسين من ذرية زيد بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه”.

ويستشهد الكتاب ببعض الروايات التي تؤكد أن اليماني يخرج من قرية يُقال لها كرعة وهي قرية في منطقة بني خَوْلان قرب صعدة، ثم يثير الكاتب تساؤلاً عن السبب في أن ثورة اليماني ورايته أهدى من ثورة الإيرانيين ورايتهم فيقول: المرجح أن يكون السبب الأساسي في أن ثورة اليماني أهدى أنها تحظى بشرف التوجيه المباشر من الإمام المهدي عليه السلام، وتكون جزءاً مباشراً من خطة حركته، وأنّ اليماني يتشرف بلقائه ويأخذ توجيهه منه، ويؤيد ذلك (بحسب الكتاب) أن أحاديث ثورة اليمانيين تركز على مدح شخص اليماني قائد الثورة، وأنه يهدي إلى الحق، ويدعو إلى صاحبكم، ولا يحل لمسلم أن يلتوي عليه، فمن فعل ذلك فهو إلى النار.

المهدي المنتظر

فيما تناول تقرير أن جهازا أمنيا ضبط مع أحد أنصار الحوثي ويُدعى فارس مسفر سالم من أهالي ساقين بصعدة، وثيقة مبايعة للحوثي باعتباره الإمام والمهدي المنتظر جاء فيها: أُشهد الله على أن سيدي حسين بدرالدين هو حجة الله في أرضه في هذا الزمان، وأُشهد الله على أن أبايعه على السمع والطاعة والتسليم، وأنا مقر بولايته وإني سلم لمن سالمه، وحرب لمن حاربه، وهو المهدي المنتظر القائم الذي يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما مُلئت ظلماً وجوراً، أبان لنا طريق النجاة، وأوضح كتاب الله على أوضح بيان، فنسأل الله أن يحشرنا في زمرته”.

الخروج المسلح

وهي مرحلة التنظيم المسلّح العلني للشباب المؤمن، أو ما بات يُعرف بجماعة الحوثي، وتبدأ منذ الشهر السادس من عام 2004، حيث تحوّل التنظيم إلى الميلشيات العسكرية ذات البُعد الأيديولوجي وقد خاض خمسة حروب مع الجيش اليمني، على مدى يزيد قليلاً عن أربعة أعوام، بدءاً من 2004 وحتى 2008، وإن تخللت كل حرب وأختها استراحة محارب، على الرغم من الإعلان الرسمي من الجانبين الالتزام بإيقاف الحرب، مع ملاحظة أن المبادرة عادة ما تبدأ من قيادة الجيش اليمني، حيناً، أو من الرئيس اليمني شخصياً حيناً آخر، وحتى بعد أن قُتل حسين الحوثي المؤسس للجماعة إلاّ أنها لا تزال قوية بقيادة أخيه الأصغر عبد الملك الحوثي وقادة ميدانيين آخرين.

ويلفت النظر أن الحرب الخامسة قد توسّع نطاق عملياتها، إذ لم تنحصر في مناطق صعدة، كما حدث في الحروب الأربع السابقة، بل تفجّرت في بعض المناطق ذات الولاء التقليدي للزيدية الهادوية، بسبب المراكز العلمية التي أنشئت في سنوات سابقة، في إطار نشاط جماعة الشباب المؤمن، ومنها مديرية بني حشيش إحدى أقرب مديريات محافظة صنعاء، حيث قامت بعض عناصر الحوثي بفتح جبهة جديدة هنالك، استنزفت الجيش اليمني كثيراً، ومع ما أعلنه الجيش لاحقاً من القضاء التام عليها، تلك التي لا تجد لها مُناخاً أفضل من مُناخ الأزمات وصناعة الفتن، حيث يثري فيها تجّار الحروب، وتعلو أسهم ذوي المزايدات.

ويتضح من صمود الحوثيين إلى الآن أنهم تسلحوا سرًّا بشكل جيد، واستعدوا لأسوأ الاحتمالات والمواجهات، وتدربوا على استخدام كل أنواع الأسلحة المتطورة، التي جعلتهم يصمدون طيلة هذه السنوات الماضية، خاصة أن اليمن بلد مفتوح يتم بيع الأسلحة فيه كبيع أية سلعة أخرى، إضافة إلى تصنيعه محلياً، كما أنهم يستعينون بالأفارقة وخاصة القادمين من الصومال كعناصر قتالية تخدمهم وتقاتل معهم كمرتزقة، وزرع الحوثي في نفوس أتباعه، أنهم قوم لا يفرّون من المعركة، ويستقبلون الموت بصدر رحب، اعتقاداً منهم بالوعد (المقدّس) والنصر الأكيد وهو ما أثبتت الأيام غير صدقه ليصبح الفرار من المعركة من تكتيكاتهم الدائمة.

الحرب السادسة 

دخلت الحكومة اليمنية الحرب السادسة مع الحركة في شهر أغسطس عام 2009 بسبب الخروقات والاعتداءات التي قام بها أنصار الحوثي ضد قوات الجيش وأبناء صعدة، وأعلن وزير الإعلام في الحكومة اليمنية حسن اللوزي يوم الثلاثاء 25 أغسطس أن اتفاقية الدوحة المبرمة بين الحوثيين والحكومة اليمنية بشأن الوضع في صعدة انتهت، وذلك بسبب إرادة تخريبية لقادة العصابات الحوثية، وخلال هذه الحرب اكتشف الجيش ستة مخازن للأسلحة المملوكة للحوثيين وبعض الأسلحة المصنوعة في إيران، وتشمل المدافع الرشاشة والصواريخ قصيرة المدى والذخائر، وتم القبض على سفن إيرانية في السواحل اليمنية محملة بالأسلحة والذخيرة كانت في طريقها إلى الحوثيين، لكن عنصرين جديدين دخلا المعركة: الدعم الليبي من القذافي ليوسع الحوثي معاركه باتجاه السعودية وهو ما تحول إلى نقمة عليه كادت أن تقضي عليه تماماً إلا أن توجيهات الرئيس صالح أدت لتوقيف عمليات الجيش قبل القضاء على الحوثي الذي مثل الدجاجة التي تبيض ذهباً

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*