الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » حصاد الأخبار » المجمع الفقهي السعودي

المجمع الفقهي السعودي

أهمية المجمع

في البداية تحدّث الشيخ «المنيع» عن أهمية إنشاء مجمع الفقه السعودي، وقال:»إن ما اتجه إليه خادم الحرمين الشريفين لم يكن من مكان خال، وإنما كان شعوراً منه -حفظه الله- بضرورة أن يكون هناك مركز علمي شرعي له تميزه، ومرونة فقهية محققة لمسلك رسولنا صلى الله عليه وسلم، حينما ذكرت عائشة رضي الله عنها (أنه ما خير بين أمرين إلاّ اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً)»، بينما رأى «د.السند» أن قرار خادم الحرمين الشريفين بإنشاء مجمع فقهي سعودي، جاء تحقيقاً لتطلعات وآمال مجموعة الفقهاء في المملكة بأن يكون هناك مظلة رسمية مدعومة من الدولة تتناول القضايا المعاصرة أياً كان نوعها..اقتصادية أو طبية أو تقنية أو حتى ما يتعلق بالعلاقات الدولية وغيرها مما يحتاجه الناس، مشيراً إلى حاجة الفقهاء إلى مظلة، ومكان، وتجمع دوري يلتقون فيه، ويكون هو مصدر للدراسات المتخصصة المتعمقة في مجال القضايا الفقهية المعاصرة.

حاجة فعلية

وتساءل الشيخ «المنيع» -بناءً على حديث «د.السند» من أن المجمع مظلة رسمية-، وقال: لماذا لدينا هيئة كبار علماء، ولدينا مجمع الفقه الدولي ومقره وأمانته في المملكة، كذلك مجمع الفقه التابع لرابطة العالم الإسلامي، فهل نحن بحاجة إلى هذا المجمع الرابع؟.

وأجاب:»ننظر أن هذا المجمع هو سعودي مائة بالمائة، ويلاحظ فيه ترتيبه وتنظيمه المستقبلي على أساس أن كل أعضائه سعوديون، بينما لو نظرنا إلى المجمع التابع لمنظمة الدول الإسلامية لوجدناه مجمعاً دولياً إسلامياً، كما أن مجمع رابطة العالم الإسلامي نجده مجمعاً دولياً لكنه شعبي، وهيئة كبار العلماء تنظر في المسائل التي تحتاجها الأمة، أما مجمع الفقه السعودي فقد أراد له الملك المفدى -حفظه الله- أن يجمع العلماء من كل تخصص (الفقه، الاقتصاد، الفلك، الهندسة،…) ويتدارسون القضايا والنوازل المعاصرة، وتتلاقح أفكارهم، ويستفيد كل علم من الآخر؛ بحثاً عن الحق، وتسديد الرأي به.

وأشار «د.الخثلان» في مداخلته على حديث الشيخ «المنيع» إلى أن هذا المجمع لا يتعارض مع المجامع الموجودة والقائمة حالياً، فهو يأتي مكملاً لجهودها ولا يتعارض معها.

الحكم والتصور

وأضاف «د.السند» إلى المزايا التي ذكرها الشيخ «المنيع» أبعاداً أخرى وهي أن المجمع الفقهي السعودي سيلبي قضية مهمة جداً وهي التقاء الفقهاء وكذلك أهل الاختصاص من كل فن، وهذا كما يقول العلماء (الحكم عن الشيء فرع عن تصوره)، فالأصل هو التصور وليس الحكم، والحكم على الشيء فرع عن تصوره، إذاً التصور هو الأصل والحكم فرع، وإذا اختل الأصل اختل الفرع، وبالتالي أكثر ما تكون الأخطاء في الآراء الفقهية المعاصرة من باب التصور الخطأ، وإذا كان هناك دقة في التصور، فالغالب أنه يسهل على الفقيه العالم إصدار وتنزيل الحكم على هذه الواقعة، لكن الاشكال في التصور، متسائلاً: من أين تأتي قوة التصور؟، وأجاب: قوة التصور تأتي من التقاء أهل الاختصاص، وكم من المسائل المعاصرة كنّا نقرأها عبر الكتب والبحوث، ثم إذا التقينا بأهل الاختصاص تجلّت كثيراً وأثّرت على الحكم.

وأشار إلى أن الفقيه بحاجة إلى تصور المسائل المعاصرة من أهلها، وكم من المسائل ينتقد فيها أهل الاختصاص بعض العلماء من الفقهاء على فهمهم لبعض الصور، ولو فهمها على الوجه الصحيح فلن يتنافى الحكم مع الصورة.

اجتهاد جماعي

وأكد «د.الخثلان» على أن المجامع الفقهية هي صورة من صور الاجتهاد الجماعي في الوقت الحاضر، والاجتهاد الجماعي كان موجوداً منذ وقت الصحابة، ومن زمن الخلفاء الراشدين، حيث كانوا إذا نزلت نازلة جمعوا لها أكابر فقهاء الصحابة واستشاروهم، منها على سبيل المثال جمع عمر -رضي الله عنه- لأكابر فقهاء الصحابة حينما وقع الطاعون بأرض الشام، وغير ذلك من الوقائع، مشيراً إلى أن الاجتهاد الجماعي أقرب للتوفيق من الفردي؛ لأنه اجتمع للفقهاء ويتباحثون ويصدرون في الغالب عن رأي يكون موفقاً وهو أقرب إلى حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

واتفق «د.السند» مع «د.الخثلان» في هذا الجانب التاريخي المهم، وقال:»الناظر في الفقه الإسلامي يعلم أهمية مسألة الاجتهاد الجماعي بالذات، والبعد عن الآراء الفردية في المسائل العامة، وكلما كان الرأي جماعياً كان أقرب للصواب؛ فإذاً الحاجة كبيرة إلى وجود المجامع الفقهية -التي هي نوع من أنواع الاجتهاد الجماعي-».

فقهي سعودي!

وعاد «د.الخثلان» لبيان سبب التسمية، وقال:»المجمع الفقهي السعودي وإن كان قد مُيز بأنه سعودي، لكنه يبحث في جميع المسائل والقضايا والنوازل التي تحتاج إليها الأمة، ويحتاج إليها المجتمع السعودي على وجه الخصوص».

بينما يرى «د.السند» أن المجامع الفقهية تقع في مفهوم الاجتهاد الجماعي، والاجتهاد الجماعي قد يكون في منطقة محددة ومكان معين، ولا يتضرر بالتسمية؛ فهناك في العصور الأولى للإسلام علماء المدينة، وعلماء الشام، مؤكداً على أن أثر هذا المجمع كبير ليس على المملكة فقط، وإنما على العالم الإسلامي كله فيما تحتاجه الأقليات من دراسات علمية متأصلة ومتعمقة، وهذه هي المنهجية الصحيحة في دراسة القضايا المعاصرة، والمنهجية العلمية الدقيقة في التصدي للمسائل الفقهية أن يكون ذلك بالتباحث والتدارس، وتطارح الآراء ووجهات النظر بعيداً عن الفتاوى الشخصية.

آمال وتطلعات

وعن المؤمل من المجمع الفقهي السعودي في ظل المغريات والمتغيرات في المجتمع، قال الشيخ «ابن نوح» حقيقة يأتي هذا المجمع الفقهي السعودي والذي أمر به وبدراسة إنشائه خادم الحرمين الشريفين حفظه الله، يأتي في وقت وفي مناخ هو أحوج ما يكون فيه إلى مثل هذه المبادرات الشجاعة والأفكار الطموحة والمشاريع التطويرية والتي تصب في نهاية المطاف إلى الرقي والتأصيل والاهتمام بالأوساط والمؤسسات الشرعية والهموم الفقهية والحلول العلمية، وإذا أردنا بيان أهمية مثل هذا المجمع الفقهي السعودي فإن أهمية هذا المجمع بهذه الصفة وهذه الكيفية الأولية وبالنظر إلى ظروف إنشائه والأمر به، فإن هذه الأهمية تتضح وتتمحور من عدة جوانب:

الجانب الأول: هو مكانة المملكة في العالم الإسلامي ومرجعيتها الشرعية وثقلها العلمي، تلك المرجعية الشرعية والثقل العلمي واللذان تبوءا هذه المكانة بفضل الله ثم بالإرث الحضاري والعلمي والفقهي والخبرات المتراكمة والتجارب الثرية عبر التاريخ العريق بهذه الدولة المملكة، وعبر أدوارها التاريخية منذ تأسيسها على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وبمنهج شرعي سلفي يجمع بين الأصالة والمرونة والمعاصرة، ومهما تحدث المتحدثون ونظر المنظرون فيبقى للمملكة ومنهجها الشرعي المكانة الباسقة والثقل الروحي في أوساط العالم الإسلامي، ويبقى لعلمائها وطلبة العلم فيها مكانتهم العلمية والشرعية والثقة في تأصيلهم الشرعي والعلمي والمنهجي، وهذا الأمر عرفه القاصي والداني وشهد به العدو قبل الصديق، ولمسناه وعرفه الجميع من خلال مؤشرات كثيرة سواءً في وسائل الإعلام المختلفة أو عبر الزيارات التي يقوم بها العلماء وطلبة العلم من هذه البلاد المباركة نجد في هذه الزيارات أن المملكة لها ثقلها الشرعي المعروف.

الجانب الثاني: أن إنشاء المجمع الفقه السعودي جاء في سياق اهتمام ولاة الأمر في المملكة بالأوساط الشرعية والعلمية والفقهية ومؤسساتها، وإنشاء هذه المجامع المتخصصة هو ثمرة لمثل هذا الاهتمام المبارك وهذا أمر لا يستغرب؛ فهذه البلاد ومنذ تأسيسها على يد الإمام محمد بن سعود -رحمه الله- وبتكاتف وتعاون من الشيخ محمد عبد الوهاب «رحمه الله» ومروراً بأدوارها المختلفة ووصولاً بتأسيس الملك عبدالعزيز -رحمه الله- للدولة السعودية الحديثة وامتداد ذلك العطاء من أبنائه البررة ووصولاً إلى هذا العهد الزاهر في نموذجٍ فريدٍ للدولة المدنية الحديثة بمنهج رباني سلفي منطلق من كتاب الله وسنة نبيه وبمنهج سلفي قائم على التأصيل والمرونة والوسطية والمعاصرة، أقول منذ ذلك التأسيس والاهتمام بالأوساط والمؤسسات الشرعية والعلمية والدعوية وبالمنهج الشرعي التي قامت عليه البلاد يعتبر من أهم أوليات ولاة الأمر عبر أدوار الدولة السعودية كلها.

الجانب الثالث: أن هذا المجمع جاء في سياق اهتمام بالغ من خادم الحرمين الشريفين بالمؤسسات الشرعية والأمر الملكي الخاص بالمجمع الفقهي السعودي يأتي من ضمن حُزمة من الإجراءات والتطوير والدعم المادي والمعنوي، والذي أمر به ويرعاه خادم الحرمين الشريفين لكثير من المؤسسات الشرعية والدعوية والعلمية في بلادنا، فبعد القرارات والأوامر المتعلقة بالدعم المادي والمعنوي لكثير من المؤسسات الشرعية والدعوية وعلى رأسها مرفق القضاء والخطوات التطويرية المتعلقة به وبعد جملة من القرارات والتي حفظت لعلمائنا مكانتهم وقدرهم الشرعي والعلمي وحفظت لمقام الفتوى قدرها وأهميتها وبعد جملة من القرارات والتي جاءت لترتقي بهيئة كبار العلماء بالمملكة وتحفظ لها مكانتها المرموقة والتاريخية من ضخ دماء وأسماء جديدة لها مكانتها العلمية والشرعية في هذه الهيئة المباركة حتى أضحت هيئة كبار العلماء تجمع بين الأصالة والمكانة العلمية والتاريخ العريق لأعضائها وبمشاركة جملة من الفقهاء وطلبة العلم المعتبرين ومن الجيل الثاني، وتبوأت بذلك هيئة كبار العلماء المكانة الرفيعة في المملكة وفي العالم الإسلامي فأصبحت بذلك الثقل العلمي والشرعي منارةً من منارات بلادنا العلمية والشرعية والتي لها تأثيرها الواضح والبين في أوساط المسلمين كافة.

الجانب الرابع: من الجوانب المهمة والتي تبين أهمية هذا المجمع ذلك الانفجار المعلوماتي غير المسبوق والذي يعيشه مجتمعنا والمجتمعات بعامة فقد انفطرت السماء وانشقت الأرض بسيل هادر من المعلوماتية وبأنواع من العلوم والمعارف والمعطيات وأصبحت المعلومات بشتى صورها المعرفية يتم تناقلها بأساليب وصور غير مسبوقة ومن هذه المعلومات المتناقلة المعلومات والمسائل الشرعية والفقهية والبحوث المتنوعة والمؤتمرات والمصادر والمراجع فأصبح هناك حراك معلوماتي غير مسبوق وقد يكون في هذا الحراك ما هو غث وما هو سمين؛ مما يبين أهمية وجود مثل هذه المجامع المتخصصة وأهمية التوسع في إنشائها وتمويلها لكي يكون هناك استفادة وتمحيص لهذا الحراك المعلوماتي الفقهي والاستفادة منه.

الجانب الخامس: إن هناك حراكاً ثقافياً وعلمياً غير مسبوق في أوساط مجتمعنا السعودي يرتكز على المنطلقات والأسس الشرعية والأخلاقية والأدبية لبلادنا برعاية من خادم الحرمين الشريفين من ذلك الانفتاح في التعليم العالي، كماً وكيفاً ووضع البرامج والخطط للارتقاء برسالته ومن ذلك برامج الابتعاث وتطوير التعليم العام وغير ذلك من المؤشرات والبرامج والمشاريع العلمية والثقافية والرسمية والتي تأتي في سياق تلبية احتياجات المجتمع وبنائه الثقافي والعلمي والحضاري، والمأمول من مجمع الفقه السعودي ومن خلال ما بينا من جوانب أهميته أن يحقق جملة من القضايا منها:

أن يحقق هذا المجمع تطلعات ولاة الأمر -حفظهم الله- وعلى رأسهم خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين في تحقيق اللحمة الوطنية بين أبناء هذا الوطن بتقديم ومناقشة القضايا الشرعية والاجتماعية والأمنية من منظور علمي وفقهي وتبادل الخبرات في النظريات العلمية والبحثية؛ مما يسهم في التواصل بين أبناء الوطن الواحد ممثلين في المتخصصين علمياً وفقهياً، ثم إنه من المأمول أن يحقق هذا المجمع تطلعات ولي الأمر في إشاعة ثقافة الحوار وتبادل الخبرات بين المتخصصين علمياً وفقهياً من أبناء وطننا؛ مما سيؤدي حتماً إلى المزيد من إشاعة الألفة والمودة وإزالة الوحشة بين بعض المتخصصين والمنتسبين للأوساط العلمية والفقهية، ثم أننا نأمل ونتطلع أن يكون هذا المجمع إذا فُعل التفعيل الأمثل من الجهات المعنية والتي أشار إليها الأمر الملكي الكريم، نأمل أن يكون منطلقاً للتجديد الفقهي، وأعني بالتجديد ذلك التجديد والذي ينطلق ويرتكز على قواعد الشريعة الإسلامية ونصوصها وعلى الإرث الحضاري والعلمي والفقهي المميز لهذه الأمة برؤية تأصيلية مرنة وواقعية وثابتة تراعي مقاصد الشريعة وقواعدها وصلاحها لكل زمان ومكان وبرؤية تجديدية شجاعة وطموحة لبيان عظمة الشريعة ومنهجها التكاملي والشمولي وبرؤية تتجاوز بعض الأخطاء التاريخية في تناول الفقه ومسائله من التعصب والجمود وعدم العمق والتقليد المذموم وتأسيس هذا المجمع نأمل أن يكون مدعاة لهذه الحراك المنضبط والتجديد الإيجابي والذي سيعيد اكتشاف جزء من جوانب تراثنا الحضاري والعلمي والفقهي من جديد. ثم إنه من خلال الإطلاع على الأمر الملكي الكريم وما أشار إليه فإن المؤمل أن يكون هذا المجمع هيئة علمية فقهية يُحيى فيها فقه الخلاف وآدابه وثمرته وفوائده وضوابطه وتأصيله الشرعي والعلمي وممارسته الممارسة العلمية الصحيحة والمثمرة، ولعل من الممارسات والمؤمل أن تفعيل هذا الفقه- أعني فقه الخلاف- هو تأصيل هامش الحرية الإيجابية المنضبطة في الطرح والمناقشة والعرض ، والبعض قد يتخوف من هامش الحرية أو السجالات العلمية الفقهية وطرح بعض الآراء في المجمع وأنا أقول إن هذا التخوف غير متوجه لأن هامش الحرية عندما يكون في مثل هذا المجمع وأمام المختصين وعندما يؤصل تأصيلاً علمياً فإنه سينتج عن أمران:

الأول: تحرير المسائل وبيان الأدلة والمقارنة بين الأقوال الفقهية والترجيح بينها مما سيؤدي إلى ترجيح أقوى واستدلال أحكم يبين الراجح ووجه ترجيحه والمرجوح ووجه ضعفه، والأمر الثاني: أن هذا الهامش من الحرية سيؤدي وسيكون من وسائل ضبط الفتوى العامة لأن المرجوح والشاذ الضعيف يتضح نتيجةً لتلك النقاشات والحوارات الجادة والبحوث العلمية المتينة في المجمع وبالتالي يعرف ضعفه ويطَّرح وبهذا يُقدم هذا النهج دعماً علمياً وبحثياً لمؤسسة الفتوى الرسمية في المملكة وهي هيئة كبار العلماء واللجنة الدائمة للافتاء المنبثقة منها.

تلافي السلبيات

ودعا «د.الخثلان» اللجنة المخولة بوضع تصور إنشاء المجمع إلى تلافي السلبيات الموجودة في المجامع الفقهية، ومن أهمها قلّة الموارد المالية، فمثلاً دورات المجامع الفقهية لا تنعقد إلاّ كل سنتين أو ثلاث سنوات مرة واحدة، وأحياناً تكون أكثر من ثلاث سنوات، والبحوث المقدمة التي تعرض عليها غير محكمة في الغالب، ولهذا لا تكاد تخلو دورة من دورات هذه المجامع من موضوعات يؤجل البت فيها، وأحياناً يكون التأجيل للموضوع الواحد لأكثر من دورة، ولذلك نؤمل في المجمع الفقهي السعودي كثيراً في تلافي أوجه القصور لدى تلك المؤسسات العلمية، خاصة أنه يجد الدعم الكبير من لدن خادم الحرمين الشريفين -حفظه الله- الذي لا يتوانى في دعم أي مشروع فيه نفع للإسلام والمسلمين.

وزاد «د.السند» على حديث «د.الخثلان» من أن المهام الأساسية للمجمع ليس فقط إصدار القرارات، وإنما التعبير عن واقع التعاملات بين الناس، سواء في المسائل الشرعية، أو التعاملات الالكترونية أو الطبية، داعياً إلى الاعتناء بالجوانب المعاصرة في الالتقاء ما بين الفقهاء والناس الذين يستفيدون من القرارات والمشروعات العلمية، مثل المواقع الالكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي وغيرهما.

د.الخثلان: لا يتعارض مع «المجامع» الموجودة ومكمل لجهودها العلمية

نقلة نوعية

وعاد «د.الخثلان» مرة أخرى لتذكير (اللجنة) بأهمية أن يضم المجمع أبرز الفقهاء المعروفين بتمكنهم العلمي، وأن يجد إدارة متميزة تقود دفة هذا المجمع، وأن ينعقد في كل شهرين أو ثلاثة أشهر مرة على الأقل؛ لكثرة القضايا والنوازل والمسائل المشكلة، وحتى يحقق الهدف منه كما نص عليه قرار خادم الحرمين الشريفين، وهو أن يكون رافداً ومعيناً ومكملاً لأعضاء هيئة كبار العلماء، وأيضاً نأمل أن يكون له الحضور الإعلامي، وموقع على «النت»، وتنشر قراراته ليس باللغة العربية فحسب، بل بجميع اللغات الحية التي يتكلم بها المسلمون، كذلك نأمل أن يكون هذا المجمع مرجعاً يتجه إليه الشركات والمؤسسات والهيئات والأفراد لطرح مالديهم من نوازل ومن قضايا مشكلة، وأن يكون هذا المجمع نقلة نوعية في تاريخ الفقه المعاصر.

تجديد مطلوب

وفي جانب آخر، قال الشيخ «المنيع» نحن في حاجة ماسة إلى التجديد؛ لكن يجب أن يكون مرتبطاً ومقيداً بمجموعة أمور، أهمها ألاّ يكون مناقضة لنص شرعي صريح من كتاب الله وسنة رسوله، وألاّ يكون هناك مناقضة لمقصد شرعي، وألا يكون هناك مناقضة لمصلحة شرعية أو لوجود مضرة، داعياً إلى مراجعة آراء وأقوال أسلافنا ممن كانت أمورهم الحياتية متغيرة، أو أن الحياة تغيّرت الآن عما كانوا عليه، ومع ذلك -رحمهم الله- كانوا مجتهدين، ويقول واحد منهم قبل 800 سنة:(ولو أن حاجاً طار في سماء عرفة يوم عرفة لكان ذلك له وقوفاً)، وجاء آخر وقال: (ولو أن كاغدة بيعت بألف درهم لكان الحكم عليها كذا وكذا).

وجهة نظر

وعلّق «د.الخثلان» على حديث الشيخ «المنيع» من أن التجديد يجب أن يكون أساساً منضبطا بالضوابط الشرعية، وهو في الحقيقة -أي التجديد- مطلب من أجل تجليته للناس، ورد الأمور إلى ما كانت عليه في عصر صدر الإسلام، مشيراً إلى أن الفقه الإسلامي في العصور الأولى كان مزدهراً، ويتسم بالوضوح مع البساطة والسهولة واليسر ورفع الحرج عن المكلفين، وإذا كان يقصد بالتجديد هذه المعاني فهذا أمر مهم.

وقال:»من معاني التجديد استيعاب قضايا ونوازل العصر ومستجداته، ووضعها في القالب الذي يتفق مع الأصول والقواعد الشرعية ولا يتعارض معها؛ لأن هذه الشريعة أتت لرفع الحرج عن المكلفين، وكلما كان فيه مصلحة للناس فالشريعة تدعو إليه، وكل ما كان فيه ضرر للناس فإن الشريعة تمنع منه، وهذا الفقة المقاصدي يحتاج إلى نوع من الإبراز».

د.الدوسري: قرارات وفتاوى «المجمع» تخدم المجتمع ومؤسساته المختلفة

وأشار إلى أنه ليس راضياً عن التصوير الذي عُرض في بعض المجامع الفقهية حول بعض القضايا مثل القضايا الطبية، حيث يأتي بعض الأطباء -الذين نقدر جهدهم- ويصورون القضية من منظور خاص، ويفترض أن لا يقتصر المجمع على هؤلاء الأطباء، بل يستكتب المراكز الطبية والعلمية المتقدمة ومن عدة مدارس كالمدرسة الأمريكية أو البريطانية أو اليابانية حتى يتصور المسألة تماماً من جميع جوانبها، وهكذا إذا كانت القضية اقتصادية أو فلكية، وهذا الأمر يستدعي وجود هيئات استشارية متخصصة ومتفرغة، وأيضاً تستعين بالمراكز العلمية المتقدمة التي تفيد المجتمع في إعطاء التصور الصحيح والدقيق لتلك القضايا والنوازل.

نحتاج إلى سرعة التطبيق ورسم العلاقة مع «هيئة كبار العلماء» تحديد «معايير التصور» قبل إنزال الأحكام والاعتناء بالمشروعات البحثية والتواصل الالكتروني

قبول الفتوى

وأكد «د.الدوسري» على أن الرأي حينما يصدر من هذه المجامع بعد دراسة وتمحيص ليس كما لو صدر فتوى أحادية أو رأي أحادي.

وقال:»نحن نرى حينما يكون هناك فتوى من هيئة كبار العلماء؛ نجد أن هذه الفتوى لها القبول والاعتبار لدى العامة والخاصة، فما بالك إن كان هذا الرأي يصدر من مجمع فقهي سعودي يجمع بين الكفاءات وبين جميع التخصصات»، مشيراً إلى أن أن الناس ستكون -إن شاء الله- بهذه الفتوى وهذه الآراء حفية، وأيضاً هذه الفتاوى من هذا المجمع ستخدم المجتمع والمؤسسات المختلفة.

وأكد الشيخ «ابن نوح» أن البعد السعودي في المجمع له تأثيره من عدة جوانب، منها: ما ذكرته من تحقيق اللحمة الوطنية والتقارب بين أطياف المنتسبين للأوساط الشرعية والفقهية، وكذلك إعطاء القضايا الفقهية المتعلقة بالوطن وبأنظمة المملكة مزيد من الحرية والبحث والشفافية كونها قضايا فقهية متعلقة بالداخل ولا تخوف هنا من التحرز من اختلاف ثقافات الشعوب والبلدان لأن المجمع مجمعٌ فقهيٌ سعوديٌ ثم أن لديّ تعليقان مختصران حول ما طرح: الأول: فيما يتعلق بما طرحته من مصطلح التجديد الفقهي؛ فإن لدى البعض من الفضلاء تخوف من مصطلح التجديد الفقهي، وعندما أقول التجديد الفقهي فإني ذكرت بعضاً من أوصافه في -حديثي السابق- وعندما يكون هذا المصطلح منطلقاً من التعامل مع إرثنا الحضاري الكبير هذا الإرث الضخم الحضاري والعلمي والفقهي وهذا التراث العريض والذي قدمه علماء الأمة عبر العصور، فعندما يتم التعامل معه للأخذ به للانطلاق منه والتجديد من خلال الطرح والاستنباط والعرض والتأصيل وعندما يفهم التجديد الفقهي كما بينا فإنه لا حاجة بعد ذلك لأن نردفه بأنواع من القيود والأوصاف والاشتراطات المبالغ فيها، والتي تخرج التجديد الفقهي الإيجابي عن مقصده وهدفه الأسمى وهو الاستفادة من إرثنا الحضاري والفقهي والشرعي ووضعه مرتكزاً لتجديد إيجابي يبين شمولية الشريعة وصلاحها لكل زمان ومكان -كما بينا سابقاً-، ولأن المتأمل في عرض القضايا الفقهية ودراستها أنها تتجاذبها عدة اتجاهات ما بين غلو ومبالغة في التكييف وإرجاع كل مسألة معاصرة إلى كلام الفقهاء وتحميل كلامهم ما لا يحتمل وبين الانفلات وعدم الالتفات إلى إرثنا الحضاري والفقهي العظيم والذي سطره الفقهاء والعلماء عبر العصور بدعوى المعاصرة، والحق والعدل هو التكامل والوسط مع الرجوع لنصوص الشرع والتعامل معها من مختصين والاستفادة من ذلك الإرث الحضاري بنفس تتوق للتجديد مع الاخلاص في العمل.

والتعليق الثاني: تعليقاً على ما طرحه معالي شيخنا العلامة الشيخ عبدالله من التخوف من الازدواجية أو التداخل بين هيئة كبار العلماء والمجمع الفقه السعودي؛ فأني أقول إنه لا مبرر لمثل ذلك التخوف وذلك أن الأمر الملكي الكريم كان واضحاً وجلياً في التأسيس والتأصيل والبيان لمكانة هيئة كبار العلماء وعلاقتها بالمجمع، وذلك أن هيئة كبار العلماء ذُكرت في الأمر الملكي الكريم ثلاث مرات ونُصَّ على ثلاثة أمور متعلقة بها، وهي:»تحت إشراف هيئة كبار العلماء»، «في أفق المبادئ العلمية والأسس المنهجية لهيئة كبار العلماء»، «ويخفف العبء عن أعمال هيئة كبار العلماء»؛ مما يبين أن هيئة كبار العلماء هي المرجعية الأصيلة والتاريخية للقضايا الشرعية في المملكة العربية السعودية، وأن المجمع الفقهي السعودي ينبغي أن ينظر إليه نظرة تكاملية وأنه داعم رئيسي منتظر لهيئة كبار العلماء تستمد منه البحوث القيمة والقرارات العلمية الرصينة والتي تساهم في دور هيئة كبار العلماء التاريخي العريق والعظيم في هذه الدولة المباركة.

ابن نوح: يشيع ثقافة الحوار في المجتمع ويؤصل ل «هامش الحرية» المعتدل

اللجنة تأخرت والعذر مجهول!

تساءل «د. عبدالله الدوسري» عن أسباب تأخر الجهات المعنية (وزارة العدل، وزارة الشؤون الإسلامية، هيئة الخبراء) بوضع تصور عن مجمع الفقه السعودي، رغم أن القرار صدر في ربيع الآخر عام 1432ه، ومحدد بفترة زمنية معينة لا تجاوز الخمسة أشهر، والآن مضت فترة طويلة ولا نعلم ماذا حدث بشأن هذا القرار؟.

وقال: «أعتقد أن الموضوع يدرس بسرية من هذه الجهات لكنها تتحفظ عليه، ولكن أخشى أن يكون الموضوع لا يزال يدرس من دون حراك فاعل، أو إنجاز في مراحله النهائية»، مشيراً إلى أن هذه الجهات مطلوب منها – لأهمية المجمع وحساسيته – أن يأخذ حقه الوافي من النقاش، وتبادل الآراء عن طريق الجامعات ومراكز البحوث، وعقد ورش عمل مع متخصصين؛ لإعداد التنظيم الإداري والمالي وحدود الإشراف والمهام والبنية التحتية للمجمع، إلى جانب اختيار الكفاءات.

وأضاف:»الأمر لا يزال غامضاً، وتحديداً في الجانب التنظيمي وعدم تداخله مع جهات أخرى، إلى جانب أن بعض الجهات لا يزال لها رأي، وربما وجهات نظر لم تأخذ حقها من النقاش والطرح وتبادل الآراء حولها»، متمنياً أن يرى المجمع النور قريباً لأهميته، ومسؤولياته في هذا الوقت.

«المجمع» تطوير لعمل هيئة كبار العلماء

أبدى الشيخ «عبدالله المنيع» تخوفه من أن يكون هناك ازدواجية بين هيئة كبار العلماء وبين المجمع الفقهي السعودي، وتحديداً فيما يتعلق بالإشراف وإصدار الفتوى، نافياً أن يكون هناك ازدواجية ما بين المجمع واللجنة الدائمة للإفتاء، على اعتبار أن اللجنة هي جهة فتوى رسمية دائمة وليست مرتبطة بالبحث الدقيق للقضايا والنوازل المعاصرة.

وقال:»أتمنى أن يكون المجمع تطويراً لهيئة كبار العلماء، بمعنى أن تكون الهيئة أشبه بمجلس شورى، وينضم إليها مجموعة كبيرة لا تقل عن70 أو 80 أو حتى 100 شخصية من مختلف التخصصات، سواء في الهندسة أو الفلك أو الطب أو الاقتصاد، وغيرها، دون قصر ذلك على علماء الشريعة».

واتفق «د.عبدالله الدوسري» مع طرح وصراحة الشيخ «المنيع» بأهمية تطوير هيئة كبار العلماء، وأن يكون المجمع في واقعه تطوير لعمل الهيئة، إلى جانب تفريغ وتكوين لجان متخصصة في المجمع.

وقال:»إن تنظيم المجمع وفق رؤية تطوير هيئة كبار العلماء هو -بإذن الله- عين الصواب؛ لأن المجامع الفقهية الأخرى ليس فيها لجان متخصصة، بينما لو كان مجمع الفقه السعودي قائماً على مستشارين متفرغين كما هو الحال بالنسبة لمجلس الشورى، سواء كانوا اقتصاديين أو أطباء أو غيرهم؛ فإن هؤلاء سيعطون كل جهدهم، وستكون هناك إنتاجية في العمل، ودراسات وأبحاث مستفيضة لقضايا العصر».

ورأى «د.السند» وجهة نظر أخرى من أن الهيئة والمجمع الفقهي يتكاملان، وأن الرؤية التي طرحها الشيخ «عبدالله المنيع» هي رؤية سليمة وسديدة، ولكن عين الصواب أن يكون هناك تكامل بين الهيئة والمجمع الفقهي، مشيراً إلى أن الربط الإشرافي الذي نص عليه القرار يعزّز هذا البعد، بحيث لا تكون الهيئة في جهة والمجمع في جهة أخرى، متأملاً أن يكون مجمع الفقه السعودي هو (مطبخ هيئة كبار العلماء) -إن صح التعبير-، فهو الذي يمد الهيئة بالأعضاء، وهو ما نص عليه القرار، فإذاً لن تكون هناك ازدواجية إذا كان التصور الذي سيقدّم هو الربط بين الهيئة والمجمع. وقال:»نحن نشهد من خلال قرارات مجمع الفقة الإسلامي، وأيضاً المشروعات العلمية لهم أن هناك تكاملاً وليس هناك ازدواجية، بل هناك توافق ومرجعية».

نص الأمر الملكي

رغبةً منا في إنشاء: «مجمع فقهي»، ليكون مُلتقى علمياً تُناقَشُ فيه القضايا والمسائل الفقهية، تحت إشراف هيئة كبار العُلماء، بحيث يتم من خلاله استقطاب العديد من كفاءاتنا الشرعية المؤهلة، وإتاحة الفرصة لهم لتقديم أطروحاتهم العلمية ومناقشتها، وإبداء الرأي حيالها، بقرارات علمية رصينة، تراعي ثوابتنا الشرعية، في أفق المبادئ العلمية، والأسس المنهجية لهيئة كبار العُلماء، بما يتيح مستقبلاً اختيار المُبَرِّزين من بينهم لمناصب علمية أعلى، ويخفف العبء على أعمال هيئة كبار العُلماء لتتفرغ لمهامها بالتصدي للمسائل والقضايا الكبار، وكذا تخفيف العبء على أعمال اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والافتاء لتتفرغ لمهامها بالنظر في الفروع الفقهية المتعلقة بأسئلة المستفتين.

أمرنا بما هو آت:

أولاً: تقوم وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، ووزارة العدل، وهيئة الخبراء بمجلس الوزراء بإعداد دراسة بشأن إنشاء مجمع فقهي يُسمى: (المجمع الفقهي السعودي)، واقتراح تنظيمه على ضوء ما أشير إليه أعلاه، وما يستجد من نظر واستطلاع، بشكل عاجل لا يتجاوز خمسة أشهر.

ثانياً: يبلغ أمرنا هذا للجهات المختصة لاعتماده وتنفيذه.

عبدالله بن عبدالعزيز

13/4/1432هـ

مقترحات وتوصيات

* الشيخ عبدالله المنيع:

بحث الخطوات التي سُلكت في سبيل إيجاد أو ظهور النور لعدد من المجامع الفقهية الإسلامية، والإفادة منها تنظيماً وإشرافاً، مع سرعة تقديم التصور الذي وجه به خادم الحرمين الشريفين لمجمع الفقه السعودي، ومطالبة اللجنة الموكل إليها إعداد التصور مراعاة العلاقة بين هيئة كبار العلماء والمجمع.

* د. عبدالرحمن السند:

أن لا تقتصر مهام المجمع على إصدار القرارات، وإنما الاعتناء ب “معيرة المعايير الشرعية”، والتنظيمات الشرعية، والاعتناء بالمشروعات البحثية، والموسوعات العلمية، وأن يكون ذلك من صلب مهام المجمع، إلى جانب اعتنائه باستقصاء كافة قواعد العلماء على وجه التحديد، وتخصص كل فقيه وعالم حتى يكون لدينا قاعدة بيانات مهمة يستعان بها عند النوازل، كذلك الاعتناء بالتكامل مع المجامع الفقهية الشهيرة مثل المجمع الفقهي الإسلامي الدولي، والمجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي.

* د. سعد الخثلان:

قصر مهام وأعمال المجمع على مناقشة قضايا ونوازل العصر، وفق معايير علمية وشرعية محددة ومعتبرة، وأن يكون الإعداد قوياً ومحكماً، وأن يختار لهذا المجمع طلاب علم أكفاء أقوياء ينهضون به، ويكون له أثر كبير ليس في المملكة فحسب، بل للمسلمين عموماً، وأيضاً أن يؤسس هذا المجمع على حسن الإفادة من وسائل التقنية، وأن يكون له موقع يستفاد منه على شبكة الانترنت بجميع اللغات، مع ضرورة وجود موسوعة فقهية تخاطب المسلمين بجميع اللغات لتعم الفائدة أنحاء العالم الإسلامي.

* د. عبدالله الدوسري:

حينما نتأمل القرار الكريم نجد أنه نص على أن تقوم وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد ووزارة العدل وهيئة الخبراء بمجلس الوزراء بإعداد دراسة؛ بشأن إنشاء مجمع يسمى المجمع الفقهي السعودي، وهنا كأن الأمر الكريم لم يجزم بإنشاء وإنما هو إعداد دراسة، وهذه الجزئية تجعلنا في هذه الندوة نشد من أزر هذه الجهات المعنية بأن تمضي، كما ندعو إلى التسريع في إصدار هذا التنظيم، وأن يكون العمل فيه يسير بشكل جدي حتى لا تأتي بعض العوائق وتكون السبب في عدم خروجه أو ظهوره على النور، كذلك ينبغي على الجهات المعنية أن توسّع دائرة المشاركين، وهذا الاتساع في المشاركة – بإذن الله – سيؤتي ثماراً وأفكاراً سواء كانوا من الجامعات أو أصحاب الاختصاصات في مختلف المجالات.

* عبدالعزيز بن نوح:

بما أن الأمر الملكي الكريم نص على دراسة إنشاء مجمع فقهي سعودي فلا بد أن يكون هناك آلية لاستطلاع آراء المختصين من طلبة العلم والمهتمين بالأوساط الفقهية والعلمية والاستفادة من اطروحاتهم في التأسيس، إلى جانب الحرص على أن يكون من أهداف المجمع الارتقاء بالطرح الفقهي وأن يكون المجمع منطلقاً للتجديد الفقهي الإيجابي سواء على مستوى الطرح أو التأصيل أو الدراسة أو العرض وأن يوضع هذا الأمر في الاعتبار عند وضع الآليات والأنظمة واللوائح، وأن يكون المجمع مراعياً للتنوع العلمي والفقهي للمنتسبين للأوساط الشرعية والفقهية.

مداخلة

رؤية معتدلة ومنهج راسخ

يعتبر المجمع الفقهي السعودي إضافة علمية ذات طابع مؤسسي، جاء ملبياً لكثرة الوقائع والنوازل المستجدة، ولا سيما في السنوات الأخيرة، حيث قضى أمر إنشائه بأن يكون مُلتقى علمياً تُناقَشُ فيه القضايا والمسائل الفقهية، في أفق المبادئ العلمية، والأسس المنهجية لهيئة كبار العُلماء.

ومن أهدافه كما جاء في الأمر الكريم تخفيف العبء على أعمال هيئة كبار العُلماء لتتفرغ لمهامها بالتصدي للمسائل والقضايا الكبار، وكذلك تخفيف العبء على اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء لتتفرغ للفروع الفقهية.

وقد جاءت فكرة المجمع متجانسة مع منهجنا السَّلفي المُعتدل، حيث التنوع والسعة العلمية في الطرح والنقاش، وعدم مصادرة الآراء والاجتهادات ما دامت في سياقها المقبول، ولو كانت المصادرة والرأي الواحد سمة في المنهج السوي لما زخرت المكتبة الإسلامية بمجلدات علمية تصل في بعض كتبها الفقهية المقارنة إلى عشرين مجلداً للكتاب الواحد، على هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذي أجاز تعدد الآراء في فهم النص، وهذا المنهج المبارك يضاف لمفاهيم السعة والشمول في الشريعة، مؤسساً ومبرهناً في آنٍ لعالميتها وصلاحها وإصلاحها على امتداد الزمان والمكان، ومن رام غير ذلك حجَّر واسعاً وأساء لنفسه قبل أن يسئ لغيره.

وقد توجهت الإرادة الكريمة لخادم الحرمين الشريفين -حفظه الله- لأن تكون هذه الرحابة والسعة العلمية (المنضبطة بضوابط الشرع) ذات طابع مؤسسي يحمي بعون الله سياجَ هذه الضَّوابط من التجاوز عليها، والإساءة إليها، لتكون بهذه الضمانات والاحتياطات أقدر -إن شاء الله- على المزيد من لم شمل الطرح العلمي والحد من شتاته المنهجي؛ فنحن وغيرنا نشهد بعض الأطروحات المخالفة للقواعد والضوابط العلمية سواء في البحث والدراسة أو المسار والمنهج.

ولا يخفى أن هذه الضمانة من أهم الأسس لمواصلة بناء بيئتنا العلمية – بعمل مؤسسي مضاف – قادر على التصدي للنوازل، وعلى إثبات حضوره الفقهي بأدوات الحضور في المادة والأفق والمنهج، على غرار الحضور المتميز لمؤسساتنا الشرعية وفي طليعتها وسُدَّتها هيئة كبار العلماء.

كما لا يخفى أيضاً بأن وجود هذا المجمع أصبح ملحاً في الآونة الأخيرة، فالمملكة ببُعدها الإسلامي ورسوخها العلمي في سياق كوكبة علمائها وتزايد أعدادهم بحمد الله أحوج ما تكون لتمتين بناء قاعدتها العلمية وتنوعها؛ وفق اختصاصات محددة لكل مؤسسة من مؤسساتها العلمية، والأهم أن يسلك الجميع منهجاً واحداً في الأسس والأصول التي قامت عليها الدولة وفق رؤيتها الإسلامية الوسطية المعتدلة بعيداً عن طرفي: «الإفراط والتفريط».

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*