الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » حصاد الأخبار » اللحيدان : أنصاف العلماء وراء موجة التطرف

اللحيدان : أنصاف العلماء وراء موجة التطرف

أوضح الدكتور عبد الله بن فهد اللحيدان وكيل وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد للشؤون الإسلامية في السعودية، أن المسلمين في حاجة ماسة للتعرف على ثقافة التسامح، ومن ثم إشاعته للخروج من دائرة التطرف الضيقة، والتي بدأت تنحسر مؤخرا في العالم الإسلامي بعد الجهود التي بذلها علماؤه.

وقال الدكتور اللحيدان إنه من النقاط التي يدخل من خلالها المتنطعون في الدين ويعاكسون بها طبيعته السمحة، هي باب الجهاد، فيقولون إن المسلمين لا بد لهم أن يجاهدوا الكفار، مبينا أن ذلك يخالف مبادئ الإسلام، حيث إنه لا إكراه في الدين، مشيرا إلى أن الرسول – صلى الله عليه وسلم – رفض أن يجبر أحد سكان المدينة أحد أبنائه على الدخول في الإسلام قسرا.

جاء ذلك في إحدى فعاليات «مجالس العنود» بمركز الأميرة العنود الحضاري التابع لـ«مؤسسة الأميرة العنود الخيرية» في الرياض، مبينا أن الرسول – صلى الله عليه وسلم – دعا للتسامح، وقال: «هلك المتنطعون. هلك المتنطعون. هلك المتنطعون»، مبينا أن المقصود بهم المتشددون في أمور كثيرة في حياة وشؤون المسلمين، مشيرا إلى أن الإسلام نهى عن مقاتلة الناس وإجبارهم على الدخول فيه.

وقال: «يقال في العلاقات الدولية في الإسلام إن هناك دار حرب ودار سلام، وفي ذلك ظلم لما أورده الفقهاء المسلمون الأوائل سابقا، فهم قالوا هناك دار حرب ودار سلام ودار عهد، وهي الدار التي تدخل في عهد مع المسلمين، ولا تمنع انتشار الإسلام، بمعنى أنه لا يجوز مقاتلة هذه الدول إلا إذا اعتدت»، مشيرا إلى أن السلام هو الحالة الطبيعية بينما الحرب استثناء. وبعد السلام، فإن العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين تحتكم لمبدأ المساواة، فلا فرق بين أسود وأبيض وبين عربي وأعجمي وبين آسيوي وأفريقي، موضحا أن المبدأ الثالث لاحتكام هذه العلاقة هو الحرية، مشيرا إلى أن الله – سبحانه وتعالى – قال: «لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها».

وأضاف أن عبارة «لا إكراه في الدين» تعني أن العقيدة تؤخذ بحرية وليس بالإجبار لتكون عن محض إرادة حرة، مبينا أنه لم يعرف عن المسلمين على مدى تاريخهم أنهم أجبروا أحدا على الدخول في الإسلام، بل حتى أهل الكتاب الذين عاشوا في حماية المسلمين بعد ما فتحوا الشام وفارس ومصر وشمال أفريقيا وجدوا فيها أتباع ديانات أخرى.

وزاد الدكتور اللحيدان أن النصارى واليهود كانوا موجودين في الجزيرة العربية، وكان الرسول – صلى الله عليه وسلم – يتعامل معهم، وعرف اليهود والنصارى كيف يتعامل معهم المسلمون كأهل كتاب ولهم حقوق وعليهم واجبات ولهم حرية العبادة في كنائسهم ومعابدهم، وكذلك الحال في تعاملهم مع المجوس عندما تم فتح بلاد فارس. ونبه إلى أنه عندما وقعت حرب بين المسلمين واليهود، أخذ بعض المسلمين التوراة من اليهود فإذا بالرسول – صلى الله عليه وسلم – يأمر بردها إليهم، حيث كان – صلى الله عليه وسلم – يعامل اليهود في المدينة بكل روح إنسانية وبكل رقي ويزور مرضاهم، مشيرا إلى أن صبيا يهوديا كان يقوم على خدمة الرسول – صلى الله عليه وسلم – ولنا أن نتساءل: لماذا قبل الرسول – صلى الله عليه وسلم – أن يخدمه صبي يهودي، مع أن كل أبناء المدينة وكل أسرها تتمنى أن يخدم أبناؤهم الرسول – صلى الله عليه وسلم؟ وهذا يعني في رأيه قمة التسامح بأن يقبل – صلى الله عليه وسلم – أن يقوم يهودي على خدمته – صلى الله عليه وسلم – ويرى ويسمع ما يدور في مجلسه، مبينا أنه عندما افتقد الرسول – صلى الله عليه وسلم – هذا الصبي، عرف أنه مريض فذهب لزيارته في بيته في حي اليهود بالمدينة، وعرف أن به مرضا شديدا وأن هذا الصبي سيتوفى، فأخذ يطلب منه أن يؤمن بالله الواحد الأحد ويؤمن بالإسلام كي ينجو من النار، فترجاه أن يردد أنه «لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله» – صلى الله عليه وسلم – حتى ينقذه من النار، مشيرا إلى أن الصبي طالع أباه فأباح له، وقال له «أطع أبا القاسم»، فنطق الصبي بالشهادة، فخرج الرسول – صلى الله عليه وسلم – وهو فرح بذلك. ولفت إلى حادثة أخرى، وهي أنه مرت جنازة، فوقف الرسول – صلى الله عليه وسلم – ووقف الصحابة، فقال له بعض الصحابة إنها جنازة يهودي، يعني لا تقرب، فقال الرسول – صلى الله عليه وسلم: «أليست نفسا؟!»، فكانت نظرته إنسانية بحتة توافقا مع قوله تعالى: «ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر».

وأشار الدكتور اللحيدان إلى أنه من المبادئ المهمة في التعامل مع غير المسلمين، الوفاء بالعقود والمواثيق، فالرسول – صلى الله عليه وسلم – كان قد أوفى بكل العقود والمواثيق التي دخل فيها، وكذلك المسلمون الذين وقعوا المعاهدات والعقود على اختلاف حقبهم من زمن الرسول – صلى الله عليه وسلم – والصحابة والتابعين حتى اليوم، وإن كانت فيها جوانب أو بنود ظالمة. وليس أدل على ذلك من صلح الحديبية والذي قبله الرسول – صلى الله عليه وسلم – على الرغم من أن بعض الصحابة كانوا غير راضين عنه، وذلك لأنه اشتمل على معايير مزدوجة.

وقال: «التسامح يعني غض الطرف عن المخطئ وتجاوزه، حتى تتعايش معه، وهذا المنحى يذكرني بنهاية عصر النهضة في أوروبا وبداية العصور الحديثة في نحو القرن السادس عشر الميلادي، حيث نشأت العديد من الفرق، والتي انشقت عن الكنيسة الكاثوليكية وسمت نفسها الفرق البروتستانتية في ألمانيا وسويسرا وغيرهما من البلدان، وحتى في بلدان الكاثوليك كما في فرنسا وغيرها، فأصبح بعد ذلك ما يسمى بالصراع على العقيدة، في ما يعرف بالحروب الدينية في أوروبا، والتي استمرت لمدة 30 عاما من بداية القرن السابع عشر الميلادي حتى 1648». واستمرت الحروب الدينية بين هذه الفرق، والتي أصبحت كل منها له مفهومه المعين للعقيدة المسيحية، فأصبحت تتقاتل على خلفية الاختلاف العقدي في ما بينها، فهذه الحروب الدينية لم تنته في أوروبا إلا عندما ظهر مفهوم التسامح، حيث إن كلا منهم يحتفظ بعقيدته ويتجاوز الاختلاف العقدي بينه وبين الآخر، فأصبح التسامح يقود إلى السلام في القرن الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين بين الطوائف الدينية، انتهى بقبول التعددية وحرية الرأي.

أما التطرف عند اللحيدان، فهو عكس التسامح، إذ إنه في رأيه، لا يقبل الاختلاف ولا يتجاوز خطأ الآخر، بمعنى أنه ليس مستعدا للتعايش والتعاون مع الآخر، مبينا أن كل الديانات تعاني من التطرف بما في ذلك الدين الإسلامي، في إشارة إلى ما حدث في زمن عثمان بن عفان – رضي الله عنه – وعلي بن أبي طالب – رضي الله عنه – مشيرا إلى أن المتطرفين يطرحون شعارات إسلامية صحيحة، ولكنهم يفسرونها تفسيرا خاطئا.

وعزا التطرف إلى عدة أسباب اقتصادية تعود إلى عدم نجاح خطط التنمية في بعض البلاد الإسلامية ووجود البطالة، بجانب أسباب أخرى اجتماعية وتعليمية قد تشوش العقيدة في المدارس، أو نسبة إلى نقص في الدين، حيث يكون هناك فراغ ينتهزه أنصاف العلماء ويصبون من أفكارهم غير العلمية ما يملأون به هذا الفراغ، مشيرا إلى أن هذه الفرق الخارجة ليس لديها علماء متمكنون، بل لديهم أنصاف علماء يتسببون في المشكلات التي يعاني منها المسلم وغير المسلم من قبل المتطرف.

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*