السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » حصاد الأخبار » القرآن وخطابه العالمي

القرآن وخطابه العالمي

لو ما أنزلَ اللهُ حجةً على خلقهِ في بيان:»عالميّة القرآن» إلا قوله تعالى: «إن هو إلا ذكرٌ للعالمين» لكفتهم بيانَاً للحُجّةِ وإقامةً لها، ومَن كانَ له أدنَى حظٍّ مِن التدبرِ أدرك ذلك دونَ مِريةٍ أو ارتيابٍ. وعَلِمَ إذ ذاكَ -وبخاصةٍ مَن كان مِن أهل القرآن- عِظَمَ تقصيرهِ في تأديةِ ما حُمّلَ إياه مِن مَهمّةِ التبليغ وفقَ مقتضياتِ: «عالميّة» القرآن.

وإنّه لأمرٌ يُمكِنُ الوقوفَ على شيءٍ مِن بيانِهِ، وذلك بما انتَظَمَتْهُ الآيةُ نفسُها حيث ُتوظيفُهَا ُدِلالةِ:

• الحَصرِ في :»إن هو إلا..» وبه تكونُ :»العالميةُ» نصّاً بيّناً وليس محض استقراءٍ في المفهومِ.

وإذن..فإنْ هو إلا :»القرآن» وحده لا شريكَ لهُ باعتبارِه:»الحجّة البالغة» إن في الحكمِ أو في الأمر.

• ومفردةِ:»ذكر» وهي لفظٌ يَشي باستيعاب كلِّ المُتلقّين ممن بَلَغهُم الخطاب ُ بِبيانِهِ، وذلك بالوصفِ الرسالي الذي عليه كلُّ آياتِ: «الذكرِ الحكيم» من حيثُ تذكيرُهُ بِدَالّهِ الأولِ في شأنِ عالميّةِ بلاغِه وفْقَ منهجيّته المقاصديّة في التوحيد والتحرير عبادةً وقِيمَاً وأخلاقاً.

•والصِّيغةِ الاستغراقيةِ:»للعالمين» جمعُ عَالَمٍ، وهو: الخلقُ كلّه وكلُّ صنفٍ منه، وإيثارُ صيغةِ الجمعِ هَا هُنَا إنّما هو: لبيانِ الشمولِ ابتغاءَ الاستيعابِ للخلقِ كلِّهِ.

ذاكَ ما كانَ من شأنِ آيةٍ واحدةٍ وحسب في تناولِ استيفاء مناطاتِ عالميّة: «الخطاب القرآني»؛ فكيفَ هي إذن مآلاتُ التّدبرِ للوعي بعالميّة هذا الخطابِ، والقرآنُ مملوء كلّهُ بمثلِ هذه الآياتِ:

– »تباركَ الذي نزّلَ الفرقانَ على عبدِهِ ليكونَ للعالمينَ نذيراً»

– »وما أرسلناكَ إلاّ رحمةً للعالمين»

– »إنّا أنزلنا إليكَ الكتابَ بالحقِّ لتحكمَ بين الناسِ بما أراكَ اللهُ ولا تكن للخائنينَ خصيمَا»

– » ولقد صرّفنا للناسِ في هذا القرآنِ من كلّ مثلٍ فأبى أكثرُ الناسِ إلا كفوراً»

– » ولقد ضربنا للناسِ في هذا القرآن من كلّ مثل لعلّهم يتذكّرون»

– » إنّا أنزلنا عليك الكتابَ للناس بالحقِّ فمن اهتدى فلنفسِهِ ومَن ضلَّ فإنما يضلُّ عليها وما أنتَ عليهم بوكيلٍ»

والآياتُ في هذا السّياقِ هي أكثرُ مِن أن تُحصَى سيّان ما كانَ منها مُطابقةً أو تَضمّنَاً أو التِزَمَاً في الدّلالةِ على توكيدِ عالميّة القرآنِ.

ولا ريبَ أنّكَ أبصرتَ جيداً فيما تلونَها قبلاً من الآياتِ مِن أنّ: «الإنسان» ينتظِمها كلّها بوصفِهِ: القاسم المشترك فيها بحسبان تلكَ: «العالمية» في الخطاب القرآني تستهدفهُ -بإنسانيّتِه- ابتغاءَ تحريرهِ بحيثُ لا يبقى عليه سلطانٌ إلا سلطانَ واحد وهو سلطانُ الله تعالى:»مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ. وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ»

وما جاءَ في الآية مِن اقترانٍ فيما بين «الربانية» والعبودية للبشر في الآية لفتٌ هو الآخرُ إلى أنّ من مخرجاتِ «الربّانية»: تحريرُ الإنسان من العبودية للبشر ومنحهِ تالياً قيمتي:*العدل: «وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل» وانظر آيات العدلِ في القرآنِ وهي كثيرة.

و*المساواة: «يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة» وانظر آيات المساواة في القرآن وهي كثيرة.

في حين يأتي: «التكريمُ» وهي الصبغةُ التي أرادها الله تعالى لبني آدم بعامة: «ولقد كرمنا بني آدم…»

وعلى أيّ حالٍ؛ فإنّ الغالبَ مِن النداءات المصدرةِ إلى الناسِ في القرآن وقوامها ثمانية عشر نداءً ذات خطابات مثقلةٍ بحمولةٍ: «عالميّة» تتفقُ وما عليه طبيعةُ: «الرسالة الخاتمة» من حيثُ دعوةُ الناسِ للتوحيدِ الخالصِ والتّحرر المحض (المقالة لا تستوعب إيراد الآيات فانظرها في المصحف)

وعليهِ فلا جَرمَ أنّ عالميّةَ: «الرسالة» وختمَ النبوةِ بمحمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم -صاحبِ الرِّسالةِ- يقتضي بداهةً: «عالميّةَ القرآنِ» كما أنّ هذه الأخيرةَ مِن شأنِها أن تستلزمَ :»عالميّةَ الرسالةِ» طردّاً إذ كلاهما يُنتِجُ الآخر ما جعلَ: «الخطابَ» عالَميّاً برسالةٍ محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلّم وذلك بما أُنزِلَ عليهِ مِن الكتابِ بالحقِّ: «ليحكمَ بين النّاسِ» كلِّ الناسِ بما أراه الله.

وفي صحيحِ مسلمٍ قال صلى الله عليه وآله وسلم:»والذي نفس محمدٍ بيدهِ لا يسمعُ بي أحدٌ مِن هذه الأمةِ يهوديُّ أو نصرانيٌّ ثم يموتُ ولم يُؤمن بالذي أُرسلتُ بهِ إلا كانَ مِن أصحابِ النّارِ».

وفي صحيحِ البُخاريُّ يقول صلى الله عليه وآله وسلم: «أعطيتُ خمساً لم يُعطهنَّ أحدٌ قبلي…. وكانَ النبيُّ يبعثُ إلى قومِهِ خاصةً وبُعثتُ إلى الناسِ عامة».

وقالَ المُسَدّدُ الطاهرُ بن عاشور عن آيةِ: «وما أرسلناكَ إلا رحمةً للعالمين» ما يلي: (صِيغت بأبلغِ نظمٍ إذ اشتملت هذه الآيةُ -على وجَازِةِ ألفاظِهَا- على مدحِ الرسولِ صلى الله عليه وآله وسلم ومدحِ مُرسلِهِ تعالى ومدحِ رسالتِهِ بأن كانت مظهر رحمة الله تعالى للناس كافة وبأنَها رحمة الله تعالى بخلقِهِ.

فهي تشتملُ على أربعةٍ وعشرين حرفاً بدون حرفٍ عطفٍ الذي عُطفت به ذكر فيها الرسول ومرسله -تعالى- والمرسل إليهم وخصوصية الحصر وتنكير «رحمة» للتعظيم…»

وتبعَاً لشأنِ ختمِ النبوةِ بمحمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم يُمكِنُ القولَ: إنّ آياتِ الختمِ بنبينا محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم في القرآنِ هي الأخرى إنما جاءت في منظومةِ التوكيدِ على :»عالميةِ القرآنِ» وخطابِه وهو ما نقرأه في سياق هذه الآيات بنسقٍ -موضوعيٍّ- قرائيٍّ واحد:

• »ما كان محمدٌ أبا أحدٍ مِن رجالكم ولكن رسول اللهِ وخاتمَ النبيين وكانَ الله بكلِّ شيءٍ عليماً»

– »قل يا أيّها الناسُ إني رسولُ الله إليكم جميعاً»

– »وأوحي إلىَّ هذا القرآن لأنذرِكم به ومن بلغ».

– »تباركَ الذي نزّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً»

إنها الرسالةُ الشاملةُ التي لا تعرفُ عصراً يحدّ بزمنٍ ..، ولا جِنساً يدركُ بعرقٍ ..، ولا جغرافيّة أرضٍ تحاطُ بمناراتٍ وحدود.

إنّه: «القرآن المجيد» وبحكم عالميّة خِطابهِ المناطِ بالرسالةِ الخاتمةِ وحده القادرُ على استيعابِ كل الأنساق الحضاريّة وليسَ من سواهُ مَن يتوافر على الأهليّة في سبيلِ تقويم تلك الأنساقِ الحضاريّةِ وتصويبها ابتغاء الرّقي بها.

بيدَ أنّ ثمّة سؤالاً يتحشرجُ -في الحلقوم- لا بد من طرحه بختمِ هذه المقالةِ:

نحنُ -أمّة الإجابةِ- هل وعينَا فقهياتِ هذه: «العالميّة» للقرآنِ وخطابهِ؟! فضلاً أن نكونَ على مستوىَ مَن يضطلع بتبليغهِ؟! وأينَ هي الجهودُ التي تليقُ بمثل هذا التكليف؟!

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*