السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » حصاد الأخبار » احتجاجات المسلمين في بنغلاديش

احتجاجات المسلمين في بنغلاديش

بات المشهد في ميدان شاهباج، الذي يعتبر أكثر المناطق ازدحاما في مدينة دكا عاصمة بنغلاديش، مألوفا، حيث يحتشد آلاف من الشباب والشابات الذين يتظاهرون منذ فبراير (شباط) الماضي، مطالبين بمحاكمة مرتكبي جرائم حرب وقعت في الاستقلال، ربما يذكر هذا المشهد بالثورات الأخيرة أمام النصب التذكاري «بوابة الهند» في نيودلهي، أو بميدان التحرير، مهد الثورة المصرية.

وفي ميادين أخرى، يحتشد إسلاميون غاضبون يطالبون بوقف هذه المحاكمات التي يقولون إنها سياسية وتستهدف قياداتهم، فقادوا إضرابات عامة شلت أرجاء البلاد، منذ أيام، حيث أغلقت المدارس والمتاجر والمكاتب أبوابها، بينما قُتل 3 محتجين في أسوأ أعمال عنف تشهدها البلاد منذ مطلع السبعينات. وارتفع عدد القتلى في الاحتجاجات إلى 80، منذ 21 يناير (كانون الثاني).

واندلعت الاشتباكات في أنحاء البلد الفقير بعد الحكم بالإعدام على دلوار حسين سيدي نائب زعيم الجماعة الإسلامية، الذي يعد من أهم وجوه المعارضة، وأدين بارتكاب جرائم حرب خلال حرب الاستقلال في 1971. وأدين المتهم السبعيني بثماني تهم من بينها القتل والاغتصاب وإجبار هندوس على اعتناق الإسلام أثناء الحرب الدامية في 1971 بين بنغلادش وباكستان، التي كانت دكا تتبعها تحت مسمى «باكستان الشرقية».

وشكلت المحكمة كذلك من دون أي مشاركة أو إشراف للأمم المتحدة عليها، وهي متهمة بأنها صنيعة السلطة لدوافع سياسية، لا سيما أن أغلبية المحاكمين ينتمون إلى المعارضة، ومن جهتها، تؤكد الحكومة أن هذه المحاكمات ضرورية من أجل طي صفحة حرب الاستقلال.

وأدت المحاكمات، التي شملت، أيضا، أكثر من 10 من زعماء الجماعة الإسلامية وحزب بنغلاديش القومي المعارض إلى فتح جروح قديمة، وقسمت البلاد، حيث تتهم المعارضة الحكومة بمطاردتها. وتنفي الحكومة التي تقول إن حرب 1971 أدت إلى مقتل 3 ملايين شخص.

وتتهم الحكومة زعماء الجماعة الإسلامية بأنهم كانوا جزءا من ميليشيات موالية لباكستان ارتكبت معظم الفظائع خلال الحرب. وتشير تقديرات مستقلة إلى أن الحرب أسفرت عن مقتل ما بين 300 و500 ألف شخص.

وفي المقابل، يطالب متظاهرون في جانب آخر، بإعدام من شاركوا في ارتكاب جرائم حرب خلال معركة بنغلاديش الدامية للاستقلال عن باكستان، التي يعود تاريخها إلى أكثر من 4 عقود مضت، وأضف إلى ذلك، تحاول حركة التظاهر السلمية في دولة بنغلاديش، رابع دولة من حيث عدد السكان المسلمين في العالم، تحقيق شيء ملحوظ، وهو فرض حظر على الأحزاب الأصولية المتطرفة.

وفي هذا السياق، وُلد جيل جديد من المتظاهرين، بعد خوض بنغلاديش معركة مضطربة للحصول على استقلالها عام 1971، لينشأوا على سماع قصص النضال، ولكن هذه القصص باتت أمرا واقعا الآن يساهم فيها الشباب بدورهم، عبر العمل على تنفيذ خطة لم يتم تنفيذها منذ 42 عاما، وهي جعل بنغلاديش «دولة علمانية».

كان أسلوب هؤلاء الشباب في التظاهر من احتشاد الآلاف منهم في كل شبر من ميدان دكا المركزي لتتعالي صيحاتهم في الأنحاء: «فاشي تشاي، فاشي تشاي (نطالب بإعدام مرتكبي جرائم الحرب)».

وقال أحد المتظاهرين يسمى حسن شهريار: «رغم أن هناك كثيرين مثلي ولدوا عندما اندلعت الحرب، فإننا ما زلنا نشعر بالخوف لعدم مساءلة المتهمين بارتكاب جرائم حرب أثناء النضال من أجل الاستقلال».

وتجدر الإشارة إلى أنه اندلعت أول احتجاجات ببنغلاديش على مدى العقدين الماضيين بعد صدور حكم المحكمة الجنائية الدولية بالسجن المؤبد لمدة 15 عاما على عبد القادر ملا، مساعد الأمين العام لحزب الجماعة الإسلامية، أحد المتهمين بارتكاب جرائم الحرب، الذي تظاهر أعضاء حزبه في الشوارع، وقاموا بتفجير قنابل محلية الصنع، والاشتباك مع قوات الشرطة احتجاجا على إدانته.

ولكن سرعان ما تدفق آلاف المتظاهرين على التقاطع الرئيسي في العاصمة دكا على خلفية استيائهم من هذا الحكم المخفف، وغضبهم الشديد بعد نشر صور المتهم ملا وتباشير السرور تعلو وجهه أمام الصحافيين، فضلا عن إشارته بعلامة النصر بإصبعيه أثناء مغادرة المحكمة.

أغضب الحكم عددا كبيرا من البنغال، الذين شعروا بأن التهم الموجهة إلى ملا كانت «دامغة»، وأنه كان ينبغي أن ينال عقوبة الإعدام. في تلك الليلة كان الطالب الجامعي محمد عادل في طريقه إلى ميدان شاهباج جنبا إلى جنب مع آلاف المتظاهرين المطالبين بتطبيق عقوبة الإعدام على المتهم ملا.

وتؤكد روشان، صديقة محمد، طالبة جامعية انضمت إلى الاحتجاج: «كنا على استعداد لقتال قوى الشر التي ارتكبت مذابح عام 1971 حتى النهاية»، وما زال المتظاهرون داخل وخارج ميدان شاهباج يرددوا الهتافات دون كلل، بعد مضي 4 أسابيع، وردا على ذلك، وصلت الاحتجاجات إلى وسائل الإعلام الاجتماعية في بنغلاديش لتنقل موجة الغضب الشعبية العارمة.

ويتوقع البنغال الحكم على المتهم ملا بالإعدام، لكونه العقل المدبر وراء العشرات من المذابح، وبفضل المشاركات الإلكترونية على مواقع التواصل الاجتماعي، تقاطر الآلاف للمشاركة في الاحتجاجات في تقاطع شاهباج، الذي سمي بروجنمو تشتار، أو منصة الجيل الجديد.

وسرعان ما تفاقم الغضب الشعبي عندما عُثر على أحد المتظاهرين البارزين المدون أحمد رجب حيدر (26 عاما)، الذي كان يكتب في مدونات إلكترونية منتقدا الجماعة الإسلامية، مذبوحا أمام منزله، ولم يمضِ وقت طويل حتى نزل الآلاف للتظاهر في ميدان شاهباغ للتنفيس عن غضبهم الشديد تجاه كل من حادثة القتل، والحكم والأنشطة التي ترتكبها الجماعة، وتنذر الجرائم التي ترتكبها الجماعة الإسلامية باندلاع «حرب أهلية»، في ظل تحذير الحكومة باتخاذ إجراءات صارمة حال وقوع أي أعمال عنف.

وأطلق المتظاهرون حملة توقيعات جماعية تعهدوا خلالها بمواصلة الضغط من أجل تحقيق مطالبهم، وتحديد الـ26 من مارس (آذار)، يوم الاستقلال، موعدا نهائيا لحظر حزب الجماعة الإسلامية وتأميم أصوله. ولقد أدانت المحكمة الجنائية الدولية (محكمة محلية وأطلق عليها دولية) في 27 فبراير (شباط)، متهما آخر، وهو ديلوار حسين سيدي بارتكاب جرائم حرب، وحكمت عليه بالإعدام.

ونظمت الجماعة الإسلامية احتجاجا مضادا، في ظل اتهام معظم قياداتهم السياسية، زاعمة أنه يجري استهداف قيادتهم بشكل غير عادل، وقد اشترك أعضاء الجماعة في اشتباكات مع الشرطة في العاصمة دكا وأماكن أخرى في البلاد، وتعتبر الجماعة الحليف الرئيسي الذي يحتاج إليه الحزب الوطني البنغلاديشي في الانتخابات البرلمانية المقبلة، حزب المعارضة الرئيسي. على الرغم من القيود المفروضة على الإسلاميين وقت الاستقلال، فقد تمكنوا من توسيع نفوذهم في الـ40 عاما الماضية، ومنذ ذلك الوقت، لقي أكثر من 50 شخصا حتفهم في اشتباكات عنيفة.

تشهد بنغلاديش حالة من العنف والفوضى منذ نشأتها، ولا تزال تعيش في اضطرابات متواصلة. في عام 1971، كانت بنغلاديش جزءا من جمهورية باكستان، حيث كان اسمها «باكستان الشرقية» لكون بنغلاديش إقليما يقع في أقصى الشرق من جمهورية باكستان، ثم خاضت باكستان الشرقية حرب التحرير ضد باكستان الغربية في عام 1971، لمدة 9 أشهر، وفي نهاية المطاف أصبحت جمهورية بنغلاديش الشعبية دولة حرة ومستقلة.

إن قلق متظاهري ميدان شاهباغ تعود جذوره إلى المخاض المؤلم لجمهورية بنغلاديش في 16 ديسمبر (كانون الأول) عام 1971، عقب استسلام الجيش الباكستاني المهزوم، لكن هذا الجيش لم يستسلم إلا بعد أن قام بقتل ما يقرب من 3 ملايين شخص، واغتصاب أكثر من ربع مليون امرأة فضلا عن إجباره 10 ملايين آخرين على الفرار إلى الهند.

كانت بنغلاديش قد أقرت عام 1973 قانونا يقضي بمحاكمة مجرمي الحرب، ولم يكد يمضي عامان على صدور ذلك القانون حتى تم اغتيال الأب المؤسس لبنغلاديش شيخ موجيبور رحمان في انقلاب دموي، وقام الحكام العسكريون بتقنين وضع حزب الجماعة الإسلامية، وأجروا تعديلا في الدستور لتغيير السياسة العلمانية في بنغلاديش.

بعد عودة حزب رابطة عوامي إلى الحكم بانتصار كاسح في الانتخابات البرلمانية التي جرت في ديسمبر (كانون الأول) 2008، حاز الثقة لبدء محاكمات جرائم الحرب. عقدت محكمتا جرائم الحرب في الفترة بين عامي 2010 و2012، وأدين خلالها حتى الآن 11 شخصا، من بينهم 8 في حزب الجماعة الإسلامية.

أطلعت المحاكمات الشباب البنغلاديشي، الذي لم يشهد حقبة السبعينات، على الانتهاكات المروعة التي ارتكبت خلال حقبة ما قبل الاستقلال، ويعزى الانتصار الكاسح الذي حققه حزب رابطة عوامي إلى الدعم الهائل الذي لقيه من الناخبين الذين يشاركون للمرة الأولى، والذين جذبتهم الوعود بمحاكمة مجرمي الحرب.

ويقول سليم ساماد، وهو أحد كبار الخبراء السياسيين في المنطقة لـ«الشرق الأوسط»: «رغم هزيمتهم الجيش الباكستاني، لم يتمكن مقاتلو الحرية من القضاء على الجماعة الإسلامية، قوة الإسلام السياسي والإرث المرير لإسلام آباد. لكن النمور المتحدية في حركة شاهباغ تمكنوا من ذلك».

وقد منح الاقتصاد القوي، الذي عززه حجم حوالات النقد الأجنبي من المغتربين (14.2 مليار دولار في عام 2012، بزيادة بلغت 16.3 في المائة عن نظيرتها في عام 2011)، ونجاح صناعة الملابس والتقدم الضخم في كثير من القطاعات الاجتماعية، بنغلاديش الثقة في الظهور كدولة ناجحة في هذا القرن.

ويبدي الجيل المقبل عزيمة على أن لا يتراجع عن هذا النجاح الاقتصادي. ويقول الكاتب موسى صديق: «ينبغي علينا أن ندفن ميراث دولة فاشلة مثل باكستان في بلدنا، إلى غير رجعة»، وكرر الشباب الأفكار ذاتها، فيقول طالب الهندسة محمد نعيم: «اتخذ آباؤنا القرار الصائب بالانفصال عن باكستان. والآن ينبغي علينا أن ننتهي من الأصول ونطور بنغلاديش إلى دولة ليبرالية حديثة».

ويقول جهانغير، طالب آخر: «الشعب البنغالي علماني بطبعه، فنساؤنا يعملن، ونحن نحب الموسيقى والرقص، ونحب الآداب واللغة.. لم نكن نود على الإطلاق أن نكون دولة أصولية». بيد أن الدولة لم تتمكن حتى الآن من التعامل مع ماضيها وتاريخها والتفسيرات المتناقضة، وهو ما أصاب سياساتها الحالية بالخلل. فمن ناحية، تعد هذه معركة واضحة بين الآيديولوجيات الدينية والعلمانية في تلك البلاد. لكن من ناحية أخرى، ينظر إلى المحاكمات باعتبارها جانبا من منافسة مريرة وطويلة بين رئيسة الوزراء الشيخة حسينة (حزب رابطة عوامي الحاكم) وزعيمة حزب المعارضة الرئيس، الحزب الوطني البنغلاديشي، رئيسة الوزراء السابقة الشيخة خالدة ضياء، المتحالفة مع حزب الجماعة الإسلامية، الذي يواجه غالبية قادته اتهامات أمام المحكمة. وقد تناوبت كل من حسينة وخالدة منصب رئيس وزراء بنغلاديش منذ عام 1991، وعداءاتهم الدائمة قد أكسبتهم لقب «صراع البيجوم».

ويتوقع أن تتواجه السيدتان مرة أخرى في الانتخابات المقبلة. كان حزب رابطة عوامي قد صعد إلى السلطة عام 2008 على خلفية وعود بمحاكمة المدانين في الجرائم التي ارتكبت عام 1971، منذ ذلك الحين، حاولت الحكومة التعجيل في إصدار أحكام قضائية بسرعة أقل ما توصف به أنها محمومة.

الجماعة الإسلامية التي عارضت حرب بنغلاديش للاستقلال، ووصفت ضياء المحكمة بأنها ذات دوافع سياسية. وإضافة إلى إثارة منظمات حقوق الإنسان العالمية تساؤلات بشأن سلوك المحكمة، فقد تقدم قضاة أحد المحاكم باستقالته من منصبه في ديسمبر (كانون الأول) على خلفية تقارير بشأن محادثاته غير اللائقة مع محامٍ بشأن اللجنة.

ولمواجهة أي اتهامات بأن المظاهرات نظمتها حكومة حسينة، تم منع السياسيين من الظهور على الساحة. ويقول أمينول إسلام، موظف مصرفي يبلغ من العمر 30 عاما في موقع التظاهر: «هذا تاريخ. إنه تاريخ جديد يُكتب. هذا أمر لا يصدق، إنه معركتنا، وهذه حرب أخرى، ليست بالبنادق لكن بضرورة غير مشروطة لتقديم المسؤولين عن قتل شعبنا وإهانة أمهاتنا وأخواتنا». ويقول إنجان روي، المذيع التلفزيوني الشهير إن الحركة اكتسبت الزخم بمرور الأيام، في الوقت الذي احتفظت فيه بشخصيتها غير السياسية».

وأضاف روي: «روح النضال من أجل الحرية كانت نائمة خلال العقود السابقة، ولذا قررنا أن نوقظها الآن. نحن لم نأتِ إلى هنا لاحتلال السلطة وترديد شعارات الإخوان المسلمين والوحدة، نحن هنا كمراقب لضمان التزام الحكومة بوعودها الانتخابية بإنزال عقوبات رادعة بحق مجرمي الحرب».

وحتى إن تمكنت الحكومة من الوفاء بمطالب المتظاهرين، فستظل الأسئلة قائمة، على الرغم من إشارة الشيخة حسينة إلى أنها تدعم الحظر على الجماعة الإسلامية، لأنها لا تملك الحق في أن تكون جزءا من العملية السياسية في بنغلاديش الحرة.

وبغض النظر عما سيحدث في الأسابيع القليلة المقبلة، يرى المراقبون أن ما أنجزته حركة شاهبانغ حتى الآن يعتبر مميزا إلى حد بعيد، ووسط كل هذه المظاهرات، يقوم الرئيس الهندي، براناب موخرجي، ذو الأصول البنغالية بزيارة لمدة 3 أيام إلى بنغلاديش.

* بنغلاديش.. أرقام وخلفيات

* تشهد بنغلاديش حالة من العنف والفوضى منذ نشأتها، ولا تزال تعيش في اضطرابات متواصلة.

* في عام 1971، كانت بنغلاديش جزءا من جمهورية باكستان، حيث كان اسمها «باكستان الشرقية» لكون بنغلاديش إقليما يقع في أقصى الشرق من جمهورية باكستان.

* خاضت باكستان الشرقية حرب التحرير ضد باكستان الغربية في عام 1971 لمدة 9 أشهر، وفي نهاية المطاف أصبحت جمهورية بنغلاديش الشعبية دولة حرة ومستقلة.

* قلق متظاهري ميدان شاهباغ تعود جذوره إلى المخاض المؤلم لجمهورية بنغلادش في 16 ديسمبر (كانون الأول) عام 1971 عقب استسلام الجيش الباكستاني، لكن هذا الجيش لم يستسلم قبل أن قام بقتل ما يقرب من 3 ملايين شخص حسب الحكومة، واغتصاب أكثر من ربع مليون امرأة، فضلا عن إجباره 10 ملايين آخرين على الفرار إلى الهند.

* الجماعة الإسلامية ترى أن محاكمة زعمائها بجرائم حرب هي مؤامرة حكومية.. فقادت المظاهرات الغاضبة.

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*