الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » حصاد الأخبار » تنظيم الكهوف .. القاعدة

تنظيم الكهوف .. القاعدة

حاول كتاب المسبار “القاعدة بعد بن لادن” وهو الثالث والستون (مارس 2012)، الإجابة عن بعض هذه الأسئلة، بتوقعات واحتمالات، وهو الصادر من سلسلة الكتب التي يصدر مركز المسبار للدراسات والبحوث. شارك في هذا الكتاب مجموعة من الباحثين والأكاديميين العرب والأجانب.

يعلم الجميع أنه لولا الحادي عشر من سبتمبر 2001، وسقوط ناطحات السحاب، وضرب الأهداف داخل الولايات المتحدة، ما أقدمت الأخيرة على التقدم لإسقاط نظام طالبان الذي كان حامياً لتنظيم القاعدة وبن لادن شخصياً، وكان يتحرك بحرية إلى حد ما، لكن القدوم على تلك العملية، وقبلها عمليات تفجير سفارات، والتهديد بتفجير مواقع استراتيجية أخرى، صارت قضية الإرهاب قضية دولية، لا تخص دولة دون أخرى، إنما العالم كافة هو هدف هذا التنظيم الإرهابي.

اعتبر الباحث جان – بييرو فييليو، أستاذ دراسات الشرق الأوسط في جامعة العلوم الفرنسية، أن الجدل في أرجاء المعمورة حالما ترددت أنباء مقتل بن لادن في مدينة أبوت أباد الباكستانية، احتدم حول أهمية نهاية مؤسس، في أن يكون نهاية للتنظيم، وتشتت خلاياه، وكشف الأسرار التي لا بد تركها بن لادن في مكان مقتله.

لكن آخرين، حسب الباحث المذكور، اعتبروا النبأ حادثة عابرة لا شأن لها في تقرير مستقبل التنظيم، وإن كانت حادثة مهمة في أطول حرب شنتها الولايات المتحدة والغرب ضد الإرهاب الدولي. بينما يرى البعض الآخر أن مقتل بن لادن يمثل ضربة استراتيجية لتنظيم القاعدة وفروعها الحركية. فكلا الفريقين يتبعان، إلى حد ما، نظريتي مارك سجمان “بلا قيادة” و”تابعو القيادة” لبروس هوفمان الصادرتين في العام 2008.

فما تسرب من الوثائق التي عثر عليها في مخبأ بن لادن، إلى إثبات أنه ما يزال القائد المؤثر في للتنظيم، الذي تأسست في أغسطس(آب) 1988. وحظيت خططه المختلفة التي كان يتصورها لموعد الذكرى العاشرة لهجوم 11/9 على تغطية إعلامية واسعة. كما كشفت عن دوره الشخصي في مخططات سابقة. برزت بهذا الشأن بشكل خاص علاقته مع المسؤولين عن تفجيرات لندن في يوليو(تموز) 2005. فابن لادن على حد قول هوفمان، أو نظريته “لعب دوراً فاعلاً في جميع تفاصيل عمليات تنظيم القاعدة: بدءا من التخطيط إلى الاستهداف، ومن إنشاء الشبكات إلى الدعاية المضللة”.

وأشار فيليو، في البحث الذي تولت هند السديري ترجمته إلى العربية إلى: أنه كلما ظهر بن لادن كقائد غير متنازع عليه في شبكة هرمية، بدا مقتله- منطقياً – كنوع من التدمير لتنظيم القاعدة وفروعها الحركية. ولكن قد تبرهن قضية التسلسل القيادي، أياً كانت أهميته من وجهة النظر المضادة للإرهاب، على أنها أقل تأثيراً على المدى الطويل من سيطرة بن لادن ومكانته التي كانت مزيجا فريداً من الكاريزما الشخصية والعالمية. وقد تكون الحاجة لصفة الكارزما (الشخصية القيادية المؤثرة)هي أكبر عقبة تواجه أيمن الظواهري أو أي جهادي بارز آخر متطلعا ليحل محل بن لادن. وبالتالي فإن هذا المقال لن يركز على النتائج العملية لمقتل ابن لادن، ولكن على التأثير بعيد المدى لغيابه.

لأهمية بن لادن في تنظيم القاعدة أنه لم يرد أن يشاركه أحد في القرارات الحاسمة في أمر التنظيم، وإذا كانت هناك مشاركة فهي مشاركة رمزيه لا أكثر، هذا ما يفسره عدم اهتمامه بتعيين علني لنائب له أو بديل عنه. ويمكن أن يكون مثل هذا العبء مربكا لأي شخص حتى لو كان لشخص متآمر ومستفز ومحنك مثل أيمن الظواهري. فقد كانت الأنظار متوجهة إلى تولي الأخير مهام قيادة التنظيم بعد غياب بن لادن.

لكنه، حسب فيليو، ظل بعيدا عن الأضواء ولم يظهر سوى مرتين تقريبا في شهر واحد على قناة القاعدة الإعلامية “السحاب”، وهو عنوان قتالي يهدف إلى الوصول إلى عامة المسلمين وإلى المجاهدين المتشددين أيضاً، وتستخدم القناة اللغة العربية الفصحى. كما حاول جاهداً في ربيع 2008 أن يتحدث مع المتعاطفين مع الجهاد، وأن يرد على بعض المعارضين لـ”القاعدة”. وربما لم يكن محسوماً حتى هذه اللحظة أمر زعامة الظواهري للتنظيم، مع صدور بيانات نسبت إلى “القاعدة” تؤكد ذلك. فابن لادن كان يعرف مدى الخطر المحدق به، فلمذا لم يُعين، أو يكتب وصية في هذا المجال، كي تعلن بعد قتله الذي كان مرتقباً؟!

في بحثه “بعد بن لادن.. وقت للتفكير” يثير المحامي الأميركي جورج لا سمار، جملة من الأسئلة حول محاربة الإرهاب، وكيف يُحافظ في ظل هذا القانون على حقوق الإنسان، وهو أحد المبادئ الأساسية في الولايات المتحدة الأميركية، وماذا عن القبول بالمحاكم العسكرية وباعتقال المشتبه بهم من المدنيين عن طريقها. يذكر المحامي الأميركي ذلك من باب القلق في تجاوز حدود الثوابت الأميركية في قضية حقوق الإنسان، مع أن محاربة الإرهاب بالقانون قد لا تسلم من مثل هكذا تجاوزات. وينتهي إلى أن موت بن لادن لا يعني موت القاعدة ـ ذلك أن عشر سنوات وعدة مليارات من الدولارات في الولايات المتحدة وحلفائها ما تزال محتجزة جراء الخطر المحدق والتهديد الماثل الذي تمثله “القاعدة”، والذي ما يزال حاضراً، إعلامياً في الأقل. إن بطاقة تقرير الذكرى السنوية العاشرة: حالة توصيات لجنة الحادي عشر من سبتمبر تقدم تقييما مثيرا للانتباه عن نجاح الولايات المتحدة في الحرب ضد الإرهاب العابر للدول.

أضاف المحامي معلقا على نهاية بن لادن: “يظل تنظيم القاعدة يمثل تهديداً ليس للولايات المتحدة فحسب، وإنما أيضاً لحلفائها، كما يتضح من واقع تقرير الأوضاع والتوجهات للإرهاب في دول الاتحاد الأوروبي، وهو التقرير الذي صدر مؤخراً ويعلن كيف أنه “بعد عشر سنوات من هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، ما يزال الإرهاب يمثل تهديدا خطيرا لدول الاتحاد الأوروبي ومواطنيها”. ووفقاً لإدارة شرطة الاتحاد الأوروبي (يوروبول)، عانت تسع دول في أوروبا من الهجمات الإرهابية في العام 2010 وحده، وذلك بما مقداره 249 حالة إرهابية في أوروبا، في حين أن عدد الأفراد الذين ألقي القبض عليهم للإعداد لهجمات إرهابية ارتفع إلى ما إجماليه 611 فرداً”.

في مستهل بحثها تؤكد علياء إبراهيمي، الباحثة في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية وجامعة أكسفود، وجود “القاعدة” ومحاولتها الإعلان عن قوتها بعد مقتل زعيمها بن لادن، عبر قصة حدثت في الصومال بعد خمسة شهور مرت على نكبة التنظيم بزعيمه. قالت: “في شهر أكتوبر(تشرين الأول) 2011 وقف رجل أبيض اللون يلف وشاحا حول وجهه في وسط معسكر في ضواحي مقديشيو، مملوء بالمتضورين جوعاً، وكان محاطا بمسلحين مقنعين يرتدون صدريات نظيفة بيضاء مثل عمال الإغاثة، وقد أعلن متحدثا بلهجة أميركية بحتة عن التبرعات بالحبوب والحليب المجفف والبلح. وأضاف معلنا أن المعونة مرسلة من قبل أيمن الظواهري والإخوان في تنظيم القاعدة. وكانت الأكياس مزودة بملصقات مكتوب عليها حملة “القاعدة” نيابة عن الشهيد بن لادن. فكانت المعونات الخيرية لهؤلاء المستغيثين قد تأثرت بالقحط. إن الحدث يثير التساؤل: عما آل إليه تنظيم القاعدة بالضبط في هذه الأيام”. فهو مثلما تقدم إثبات وجود لا أكثر، فما الذي تعنيه إغاثة “القاعدة” للشعب الصومالي مع أزمة التنظيم الخانقة، سوى في مطاردتها أو أزمتها في التمويل المالي! سوى الفائدة الإعلامية التي تجنى منه؟!

إن التساؤل يطرح نفسه عن هدف “القاعدة” في الدفاع عن المسلمين، مع أن أغلب القتلى، حتى في الأهداف التي نفذها التنظيم بالولايات المتحدة، والبلدان الأوروبية، هم مِن المسلمين، بل ومن المتدينين، يضاف إلى ذلك أن الحادي عشر من سبتمبر2001 كان وراء التفكير بشكل جدي لغزو العراق، وقبله كان سبباً مباشراً لغزو أفغانستان وإسقاط نظام طلبان، ناهيك عن مصالح البلاد الإسلامية التي تعطلت بسبب سلوك هذا التنظيم، وما تعقد من أمور السفر والعمل للمسلمين في البلدان الأوروبية وأميركا.

في بحثها “ما آل إليه تنظيم القاعدة” كتبت براهيمي تقول: “تعتمد آراء بن لادن الشرعية والأخلاقية والسياسية كافة على منطق أن “القاعدة” تدافع عن المسلمين، وقد انفجرت مصداقية هذا الادعاء مع تفجير عشرات منفذي العمليات الانتحارية، الذين تم إرسالهم إلى المراكز المدنية بنية مباشرة لارتكاب المذابح في حق عشرات الأبرياء (المسلمين). وعلاوة على ذلك وكما ذكرت في مكان آخر فلم تكن أي من مزاعم بن لادن التي تسقط المبدأ الإسلامي بشأن حصانة غير المحاربين(المدنيين) صالحة للتطبيق عندما تم استهداف المسلمين والمدنيين”.

من جانبه يُقدم الباحث ناصر الربيعي قراءة لوضع “القاعدة” باليمن، بعد أن اختيرت أن تكون المكان البديل عن أفغانستان وباكستان، وعلى وجه الخصوص بعد مقتل بن لادن، وكشف الكهوف التي أوى إليها تنظيم القاعدة، وأتى على نكبة القاعدة بشخصيات مهمة في التنظيم، من حجم أنور العولقي، اليمني الأميركي الجنسية، الذي قد لا يقل عن رموزها الكبار مثل بن لادن وأيمن الظواهري، فمقتله أضعف كثيراً وجود التنظيم باليمن، وأفشل مخططات أن تكون جبال اليمن وكهوفها بديلاً عن جبال باكستان مثلاً. قال الربيعي: “لا مراء البتة في أن موت العولقي، يعد بمثابة انتكاسة كبرى لـ”لقاعدة” في شبه الجزيرة العربية، ذلك أنه ما من أحد، على الأقل على مستوى تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، يستطيع أن يحل محله عطفا على ما كان يتمتع به من قدرات عالية في الوعظ والدعوة إلى الجهاد ضد العدو البعيد. ومع هذا على الرغم من موت العولقي، وقبله أسامة بن لادن ومصطفى أبو اليزيد، فإن الرغبة في مهاجمة الولايات المتحدة ما تزال قائمة؛ وقد تكون حاليا أقوى من أي وقت مضى، لا سيما وأنه تغذيها فكرة الانتقام عندما تحين الفرصة وتتهيأ”.

قدم كتاب المسبار “القاعدة بعد بن لادن” محاولة لقراءة مستقبل هذا التنظيم بعد مقتل زعيمه، وهو صاحب المال والكلمة الفاصلة في قراراته، وتوسع الكتاب في عدة بحوث، فمن غير التي أتينا عليها جاء بحث مانويل ألمانو، ورافائيل بانتوكيسي، وراشمي سينغ المحاضرة في مركز الارهاب والعنف السياسي، وستيج هانس، واختتم الكتاب بعرض لكتاب الأكاديمي فواز جرجيس “شروق وأُفول القاعدة”.

ما زال تنظيم القاعدة، ظاهرا من خلال ما يُعلن داخل العِراق وأماكن أخرى، مِن عمليات مسلحة وتفجيرات، لكن يصعب التأكيد هل أن الإعلان عن مثل هذه العمليات هو لإثبات الوجود أو أن هناك هدفا مرجوا آخر كتسلم “القاعدة” السلطة في مكان ما، واخراج الدولة الإسلامية من عالم الانترنت إلى الأرض؟! فهل حقيقة أن لدى هذا التنظيم ذراعاً ما زالت تطول؟!

الكتاب بمجمله قدم احتمالات، ففي شأن التنظيمات الكهفية، إن صحت العبارة، يصعب التأكيد، إنما قد يكتفى بتأويل للأحداث واحتمالات حسب المعطيات، التي تظهرها الحوادث، وما يخرج من الإعلام الالكتروني الذي تبثه “القاعدة” نفسها، أو باسمها من بيانات وآراء بين حين وآخر!

الكتاب: “القاعدة بعد بن لادن”

مجموعة باحثين

مركز المسبار للدراسات والبحوث – دبي 2012 

———-

نقلاً عن المجلة  

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*