السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » حصاد الأخبار » مفتي لبنان في حوار حول الأزمة الفكرية

مفتي لبنان في حوار حول الأزمة الفكرية

نحن مع السوريين.. والسلاح بات في أيدي الجميع.

حزب الله لم يدخل دار الفتوى منذ أحداث آيار 2008 إلا مرتين.

المملكة أحرص على اللبنانيين من أنفسهم وهي صمام الأمان لنا.

النزاعات المذهبية الأخيرة سببها الخلاف على سلاح المقاومة.

«ميقاتي» رجل علم وخُلُق.. وأحترم السنيورة لكن أرفض تقويض صلاحياتي.

لا أختلف مع جمهور «المستقبل» ولكن مسؤوليه يعدونني خصماً لهم.

وصف مفتي لبنان، الشيخ محمد رشيد قباني، المملكة العربية السعودية بأنها «أحرص على اللبنانيين من أنفسهم»، وعدها صمام الأمان في لبنان، وقال إنها كانت ولم تزل حاضنة اللبنانيين الأولى.

ورأى مفتي لبنان، في حوارٍ خاص أجرته معه «الشرق»، أن الانقسام اللبناني في غالبه يرجع إلى الأزمة السورية، وتوقع أن يشتدّ، ولفت إلى أن «السلاح في أيدي الجميع والكل متحفز في مواجهة الآخر سياسياً»، معلناً تأييده للشعب السوري.

وأكد المفتي أنه لا يختلف مع جمهور تيار المستقبل، وإنما مع مسؤولي التيار؛ لأنهم يعدونه خصماً إذا اختلف معهم، حسب قوله، مذكِّراً برفضه طلب «المستقبل» إصدار بيان يطالب رئيس الوزراء السابق، نجيب ميقاتي، بإعادة النظر في تكليفه بتشكيل الحكومة «فغضبوا مني وشّهروا بي»، وإلى نص الحوار:

كيف تنظر إلى الخلافات ذات الطابعين المذهبي والسياسي في لبنان؟ لماذا طَفَت على السطح خلال السنوات الماضية؟

– الخلافات السياسية في بلد كلبنان يقوم على التنوع الطائفي والمذهبي في دستوره، تتحول إلى حالات طائفية أو مذهبية لدى الجمهور بحسب مضمون التَّوَجُّه السياسي المُختَلَف عليه في البلاد، والتوَجُّه المقابل له هنا أو هناك، ومَدَى التأييد العام أو الخاص لَهُ بينَ الطوائف والمذاهب؛ وتأخُذُ الخلافات السياسية اليوم طابعاً طائفياً من جهة ومذهبياً من جهة أُخرى بحسب أطراف الخلاف وكثرَتهِم أو قلَّتهم في هذه الطائفة أو تلك، وهذا المذهَب أو ذاك، وطَفَت هذه النزاعات على السطح خلال السنوات الماضية بسبب الخلاف حول المقاومة وسلاحها ودورها، وحصر السلاح بيد الدولة.

ما هي الخلفيات في خلافكم مع تيار المستقبل؟

– الخلاف مع مسؤولي «المستقبل» وليسَ معَ جمهور التيار، لأنه لا خلاف سياسياً لي مع سياسة تيار المستقبل، الخلاف مع مسؤوليه بسبب طريقة تعاطيهم معي، فأنت إذا لم توافقهم فيما يطلبونه منك في مسائل سياسية معينة تتطلب موقفاً من مفتي الجمهورية، أو أنكَ إذا اتخذتَ قراراً يتعلق بتعيين أو تكليف موظف، أو بإعفاء مكلَّف من مهام معيَّنة، يعدونكَ خَصماً لهم ويكيدونَ لك ويُشَهِّرونَ بِك، وهذا ما حصل لي معهم، وأقول إن علاقتي بهم كانت جيدة طوال 23 عاماً منذ تولَّى الرئيس الشهيد رفيق الحريري رئاسة مجلس الوزراء في أوائل التسعينات من القرن الماضي.

ولكن ما هي أسباب هذا الخلاف؟

– الذي حدَث هما سببان، جعلَاهم ينقلبون عليّ، السَّبب الأول: عندما كُلِّفَ رئيس الجمهورية الرئيس نجيب ميقاتي بتشكيل الحكومة بناءً على الاستشارات النيابية، اتصل بي أحد سياسيي المستقبل واقترح عليَّ عقد اجتماع في دار الفتوى يحضره أعضاء المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى ورؤساء الحكومات السابقون والوزراء والنواب السنَّة، لإصدار وثيقة تُسمَّى وثيقة الثوابت الإسلامية ليلتزم بثوابتها كل من يتولى رئاسة الحكومة في لبنان، فوافقت وإذا بأحد بنود الوثيقة ينص على ما يلي: «يطالب المجتمعون في دار الفتوى الرئيس نجيب ميقاتي بإعادة النظر بتكليفه بتشكيل الحكومة»، وهذا طلب صريح باسم المسلمين في لبنان من الرئيس ميقاتي بالاعتذار وعدم قبول التكليف بتشكيل الحكومة؛ فاعترضتُ على هذا البند، حيث إن مفتي الجمهورية وهو: «الرئيس الديني للمسلمينَ في لبنان» لا يجوز أن يكون طرفاً في صراعٍ سياسيّ بين السياسيين المسلمين وخاصةً السُنَّة، حيث يتعطَّلُ دَورُهُ ويصبح في دائرة الصراع معَ طرفٍ في مواجهة طرفٍ آخَر، هذا البند هوَ بيتُ القصيد في الثوابت، وقررتُ عدم حضور الاجتماع ورئاسته إذا لم يُحذَف هذا النَصّ، فقَبِل مسؤول المستقبل حينئذٍ بتعديل النَصّ، وطارَ «بيت القصيد» منَ الثوابت الإسلامية، فَغَضِبَ مني مَسئولو المستقبل، وحقدوا وكَرِهوني وشَهَّروا بي كَذِباً فقالوا وأشاعوا ونشروا أن مفتي الجمهورية أصبحَ في جهة سياسية معيَّنة وصار في المقلب الآخَر، وهذا كَذبٌ صُراح، وأخذوا يعارضون قراراتي في تعيين أو تكليف أو إعفاء هذا الشيخ أو ذاك في هذا المنصب الإداري أو الديني وهو من صلاحياتي، وبدأت الحربُ الإعلامية في الصحف التي تلوذُ بهم تنشر الكذب والافتراء وتُشَوِّش صورتي بين الناس على طريقة القاعدة الميكافيللية «الغاية تبرر الوسيلة»، والناسُ في غالبهم عادةً يصدقون ما يسمعون أو يقرأون دونَ تبيان.

السَبَبُ الثاني للخلاف: هو معارضة مفتي الجمهورية لمشروع تعديل المرسوم رقم 18/1955 الذي «يُنَظِّم الشئون الدينية والوقفية للمسلمين السُنَّة في لبنان»، حيثُ لَا إصلاح في هذا المشروع، بل تقليص وتقزيم صلاحيات مفتي الجمهورية في 19 موضعاً.

ومن هذه التعديلات على سبيل المثال: ينص القانون رقم 18/1955 المذكور على أنَّ: «مفتي الجمهورية اللبنانية هوَ الرئيس الديني للمسلمين»، وفي مشروع الإصلاح الجديد يصبح النَصّ كما يلي: «مفتي الجمهورية اللبنانية هو الرئيس الديني للمسلمينَ السُنَّة»؛ وهذا النص يقلص مرجعية مفتي الجمهورية العامة، ويفتح الباب لطائفة إسلامية غير السُنة لتطالب بمفتٍ للجمهورية لطائفتها، وآثار هذا التعديل السلبية على المسلمين السُنة كثيرةٌ جداً.

ومن هذه التعديلات الخطيرةِ جداً أيضاً: أن القانون الحالي رقم 18/1955 المراد تعديله ينُص على أنَّ: «مفتي الجمهورية اللبنانية هو المرجع الأعلى للأوقاف الإسلامية في لبنان»؛ ومشروع الإصلاح الجديد يَلغي هذا النَص من القانون، ولسنا ندري مَن سيكون المرجع حينذاك، وهذا الإلغاء يعني فصل الإفتاء عن الأوقاف في مؤَسَّسَتَين منفصلتَين، وهذا مرفوض منَّا في بلد كلبنان رؤَساؤُهُ الدينيون هُم رؤَساء ومراجع أوقافِهِم. ومن هذه التعديلات وسلب الصلاحيات أيضاً: تعديلات أُخرى هدَّامة غير ذلك، خدمةً لأغراض علمانية تريد تحجيم الدور الديني للإسلام والمسلمين والمرجع الديني في بلد كلبنان؛ وهذا سبب رئيسي لخلاف مفتي الجمهورية مع مسئولي المستقبل، ومن جانبنا لن نرضَخَ لتَمرير هذا المشروع الهدَّام، ولَن نسمح بمجرد عرضه على المجلس الشرعي إن شاءَ اللهُ تعالى.

هل معنى ذلك أن التجميد سيكون مصير مشروع المرسوم الذي تقدَّمَ به الرئيس فؤاد السنيورة لتعديل المرسوم 18/1955؟

– أنا لا أحب تسمية الأسماء، لكن ما دمتم قد سمَّيتُم وسأَلتُم عن أمرٍ هو في صُلب اختصاصي ومهامِّي ومَسئوليَّتي فيجب عليَّ أن أُجيب تبياناً للحَقِّ والحقيقة، خاصةً وأن كلمةَ الحَقِّ لا تقدِّمُ أجَلاً ولا ترفَعُ رزقاً؛ أحترم الرئيس فؤاد السنيورة كإنسان وكرجل دولة، ولكن ليس حتماً بالضَّرورة أن أوافق على آرائهِ في أنظمة وتعديلات وفلسفة المؤسَّسة الدينية الأم للمسلمين في لبنان التي هيَ «دار الفتوى في الجمهورية اللبنانية».

ولذلك لَم أسمح بعرض مشروعهِ على المجلس الشرعي، فأنا في ولايَتي أمينٌ على مَا ائتَمَنَني اللهُ عليه، ولن أسمحَ بتقويض صلاحيات مفتي الجمهورية في بلد كلبنان يتمتع رؤَساؤُهُ الدينيون بصلاحياتٍ واسعة في طوائفهم، ولذلك ترى الحَرب عليَّ من ساسة المستقبل فهو مشروعهم، لابد من الإصلاح والتطوير والتحديث الإداري والمالي، لكن ليس في مشروعهم سِوى سحب الصلاحيات من مفتي الجمهورية، فهل هذا هو التطويرُ والتحديث؟ هناك مشروعٌ آخَر أقوم بوضعه حالياً هو خلاصة خبرتي الموضوعية، أتداركُ به النقص في المرسوم 18/1955، وبعض التعديلات التي لا بدَّ منها لعرضها لاحقاً على المجلس الشرعي إن شاءَ اللهُ تعالى، واللهُ المـُستَعان.

اتَّهَمَكَ بعضهم بأنك منتحِل صفة مفتي الجمهورية، ما رأيُك؟

– هذا تصريح جاء عندما قررت إنهاء تكليف القاضي الشرعي الشيخ أسامة الرفاعي مفتياً لعكار بسبب طريقة تعاطيه معي في تشكيل مجلس أوقاف عكار وبقيَت دائرة أوقاف عكار بدون مجلس إداري لمدة سنتَين، بمحاولة الضغط عليَّ بمراجعات من المستقبل ليُسَمي هو وحده الأعضاء كلَّهم، وغير ذلك من مخالفاتٍ كثيرة، فما كان من نائب في المستقبل إلاَّ أن خرجَ وصرَّح في القنوات التليفزيونية بتَحَدٍّ سافر وقال: «إن الشيخ محمد رشيد قباني هو منتحل صفة مفتي الجمهورية»؛ وقال نائِب عن طرابلس: لَا تُصَلُّوا وراءَهُ، وكل ذلك من أجل الرضوخ لكلمتهم فيما يحبونَ أو يكرهون، لقد هانَت الأمور في لبنان إلى هذه الدرجة المهينة بسبب الديكتاتورية عند بعض الشخصيات السياسية التي لا تحترم مرجعها الديني لمجرد أنها تريد فرضَ رأيِها عليه، وتعليقي: هذا هوَ المستَوى الذي ارتقى إليه بعض ساستنا في لبنان، إنه أمرٌ مُؤسِف بحقِّ أنفسنا وبعضنا أمام الطوائف الأُخرى في لبنان، والأمر لا يحتاج إلاَّ إلى قليل من الحياء.

ألَم يتَدَخَّل أحَد على خَطِّ الوساطة بينَكَ وبينَ المُستَقبل؟

– اقترح عليَّ بعضهم الجلوس مع المسؤول السياسي في التيار، وتحدثت معه في ذلك وحضر إليَّ في منزلي، حيث لا نحتاج إلى وساطة بيننا من أحَد، ومن طبيعتي أن لا أقاطعَ من يختلف معي في الرَّأي وهذه أخلاق الإسلام، وتحدَّثنا واتفقنا على عدة نقاط وخطوات متَنَوعة، ما عدا التعديلات المقترحة منه في مشروعهِ المـُسَمَّى بالإصلاحيّ التي هيَ محَلّ رفض مني، وأخذ يُساوم بربط الأمور كلها ببعضها وبتسويةٍ واحدة، فرفضت طريقة الربط والتسوية لأنها ليسَت من شِيَمي، وفَشِلَت المحاولة لرفضي هذا الأسلوب، أسلوب المساومة؛ حرصاً على كرامتي وكرامة موقعي وكرامة المسلمين في لبنان.

كيف تنظر إلى مستقبل لبنان اليوم في ظل الظروف التي تعاني منها المنطقة بعد الربيع العربي؟

– مَن الذي كانَ يتوقع أن الذي حَدَثَ في عدة بلدان عربية أن يحدُث دَفعةً واحدة وفي فترات زمانية متقاربة جداً وتكاد تكون متصلة؟ هناك آمال للشعوب وقد تحرَّكت لتحقيقها ونحنُ معها، ولكن الأجنبيّ يحاول في نفس الوقت تحقيق مصالحه وغاياته وأهدافه وقطف الثِّمار التي يستطيع، ولَهُ أجندات وخرائط تقسيم عندما تظهر سترفضُها شعوبُنا نفسُها، وهو ما نخشاه على دولنا وشعوبنا وأمتنا، ولا أعتقد أن لبنان سيكون معفياً من الأطماع والمخططات الأجنبية هذه في زحمة ظروف المنطقة التي تعمل على تحقيق حريَّتها، هناك خَوفٌ كبير على لبنان، أعتقد واللهُ أعلَم أن لبنان سيَجتاز فترةً ومرحلةً خطِرةً ومُدَمِّرة، حيث السلاح بأيدي الجميع، والكل متحفِّز في مواجهة الآخَر سياسياً، ونسألُ الله تعالى أن يلطف بلبنان فيما جَرَت بهِ المقادير.

كيف كنت تنظر إلى عمل حكومة نجيب ميقاتي؟ وهل كنت تتوقع لها أن تعمِّر طويلاً في ظل الانقسام الحاد في لبنان؟

– أنا لا أدخل في تأييد الحكومات أو معارضَتِها، أتكلم فقط عن شخص الرئيس ومقام رئاسة مجلس الوزراء السُنِّي، فمفتي الجمهورية اللبنانية أمين على موقع رئاسة مجلس الوزراء الموقع السياسي الأول للمسلمين السنة في لبنان وأمين على صون هذا الموقع والمحافظة عليه، والرئيس نجيب ميقاتي رجل علم وعمل وخُلُق، وكان يعمل جاهداً للقيام بدوره الوطنيّ، لكنَّ أمرَ الحكومة ومعارضتها يقع في صلب العمل السياسي ولهُ رجالُه، ودخول مفتي الجمهورية في هذا المعترك يجعله طرَفاً ويُفقِدُهُ دَورَه؛ أنا لا أدخل في صراع إلاَّ في القضايا الوطنية الكبرى لحماية الدين والوطن وقضايا الأُمة، كقضية الزواج المدني التي لم نقبل بإقرارها؛ وقضية فلسطين الأرض العربية المحتلة منذ عام 1948؛ وعندما يتوافق سياسيُّو البلد على انتهاء دور الحكومة الحالية وتشكيل حكومة غيرَها سيكون ذلك، واللهُ أعلم.

ما الدَّور الذي يلعبه رجال الدين في لبنان وسماحتكَ في ظل الانقسام الحاد الذي يعيشُهُ لبنان؟

– رجال الدين بالتعبير العام في لبنان، أو علماء الدين المسلمون، لهم رسالتهم ودورهم الديني والاجتماعي والإنساني والتربوي والتعليمي والتوجيهي، يهتمُّون بقضايا وطنهم في المجالات المذكورة، وبقضايا أمتهم ووحدتها، ويدعونَ في غالبهم إلى الله تعالى بالحكمة والموعظَةِ الحَسنةِ وبالكلمة الطَّيبة، ونعمل مع العلماء على كَفِّ الناس عن إشاعة النَّعرات الطائفية والمذهبية، ونؤَكِّد الحرص على وحدة الوطن والمجتمع والأسرة ووحدة المسلمين ووحدة اللبنانيين، علماً أنَّ مفتي الجمهورية اللبنانية بحكم منصبه في نص القانون 18/1955م: «هو الرئيس المباشر لجميع علماء الدين المسلمين»، إضافة إلى مهامه الأساسية كرئيس للمجلس الشرعي الإسلامي الأعلى في لبنان، ورئيس مجلس القضاء الشرعي الأعلى الذي يضُمّ المحاكم الشرعية السُنيَّة والجعفرية، والمرجع الأعلى للأوقاف الإسلامية السُنية في لبنان، ومرجع المؤسسات الدينية والتعليمية والجامعية والصحية والاجتماعية التابعة لدار الفتوى في لبنان.

ما رأيُكَ بالدَّعوةِ إلى انتخاب مجلسٍ شرعيٍ جديد؟

– مرسوم القانون 18/1955 ينص على أن: «مدة ولاية المجلس الشرعي المنتخب أربع سنوات»، هذا النصّ يجب أن يُحتَرَم، وقد انتهَت ولاية المجلس الشرعي الحالي منذُ ثلاث سَنوات، وكان ينبغي إجراء انتخاب مجلس جديد في ذلكَ الحين، والتمديد المنصوص عليه في القانون هو للظروف الاستثنائية، والاستثناء مؤَقَّت لا يستَمرّ وهو يعني ظروفاً طارئة وقاهرة لا مجرد دعوى الِاستثنائية، لكن الرغبات السياسية لدى الأعضاء تطغى وتطلب التمديد وتضغط وتدعي أن الظروف غير مناسبة، وإلاَّ فالويل والثبور وعظائمُ الأمور من بعض الجهات السياسية، انتخابات عدَّة جرت وتُجرى للنقابات، جرت انتخابات نقابة المحامين والأطباء والصيادلة وفاز فيها المستقبل أو ببعضها فعلامَ الخَوف والتخويف؟ وإلى متى يستمر المجلس الشرعي الحالي؟ هو حالياً ليس مجلساً مُنتَخَباً، هوَ مجلس مُمَدَّد لهُ، ولايته الانتخابية انتَهَت منذ ثلاث سنوات، إنَّ إجراء الانتخاب هو القانون والنظام، الانتخاب هو حق المسلمين في مؤسستهم، وليس لمفتي الجمهورية ولا لغيره أن يعطِّلَ ممارسة هذا الحَق.

كَيفَ تنظر إلى الأحداث الجارية في سوريا؟ وإلى أَي مدَى ستؤثِّر على مستقبل لبنان؟

– الأحداث الجارية في سوريا هي نتيجة تحرُّك شعب يعمل للتغيير في بلاده وتحقيق آمالِه؛ وقد حدثَ هذا في تونس وليبيا واليمن ومصر، والأمر في سوريا لا يختلف، نحنُ معَ الشعب السوري وإلى جانبهِ في تحقيق آمالِه؛ في بعض البلدان العربية تحقق التغيير في وقت قصير، وفي بعضها الآخَر في وقتٍ أَطوَل، ونحن مع الشعوب في خياراتها وتحقيق آمالها؛ ولا شَكَّ أن الأحداث ستُؤَثر على مستقبل لبنان في كل حال، والانقسام اللبناني الداخلي اليوم في غالبه على هذه الخلفية وسيشتَدّ فيما أتوَقَّع، ورُبَّما سيكون أشدَّ شراسةً، خاصَّةً وأن السلاح مُنتَشِرٌ في لبنان بينَ أَيدي الناس بشكلٍ مُرعِب.

في ظل كل ما يجري في سوريا وتداعياته على لبنان ودول الجوار، إلى أينَ تتجه المنطقة؟

– أعتقد أن المنطقة متجهة إلى مزيد من الصراعات الداخلية في كل بلد، خاصةً أن للمنطقة خرائِط مُعدَّة منذُ زمن تنتظر الظروف الملائمة لتمريرها، ليس دفعةً واحدة بل على مراحل ومداخل لكل حالة في هذا البلَد أو ذاك، ولبنان لن يكونَ مُعفَياً من مثلِ تلكَ الصِّراعات بشَكلٍ أَو آخَر، في البلدان العربية القضية قضية الربيع العربي وثوَرات الشعوب في وجه الأنظمة، لكن الكارثة في لبنان ستقع ليسَ في مواجهة النظام، بل على خلفية القضايا والسياسات المتقابلة التي يواجه الأطراف بها بعضَهُم، بدونِ تسميَتِها لأنها باتَت معروفة للجميع، وفي لبنانَ بالذَّات سُرعانَ ما ينقلب الصراع السياسي المحض إلى صراع طائِفي وفتن مذهبية، فيَذهَب اللبنانيون ضحيةَ الصراعات الخارجية على أرضهم، ناهيكَ عن الخرائطِ والأطماع.

ما هيَ طبيعة علاقة مفتي الجمهورية بحزبِ الله؟ وهل هناكَ اتصالاتٍ مباشرة معهُ؟ أم فقط مع رجال من قيادات الطائفة؟

– ليسَت هناك أي علاقة خاصَّة معَ حزب الله، العلاقة معهم هيَ كالعلاقة مع أي زائر لدار الفتوى من مكَوِّنات المجتمع اللبناني مسلماً كانَ أو مسيحياً، نستمع إليه ويستمع إلينا، وواجبنا أن نَنصَح، وحزب الله لم يَزُر دار الفتوى منذ أحداث أيار 2008، زارنا السنة الماضية مرَّة، وزارنا في السنة الحالية مرَّةً ثانية منذ تسعة أشهر؛ لكن أصحاب النوايا المجرمة يُحيكونَ إفكاً وكَذِباً كثيراً في هذا المجال، ويُشيعون أن مفتي الجمهورية قد غيَّرَ سياسته وانتَقَلَ إلى الطرف السياسي الآخَر كَيداً، وهذا كَذِبٌ صُراح، وبعضهم يستبيحُ الكَذب والتشويه كَيفما كان على قاعدة الغاية تبرِّر الوسيلة.

كيف تنظر إلى النظام السياسي اللبناني؟ أليسَ هو المسؤول عن استمرار الانقسام؟ ألا ترى أن تأسيس عقد لبناني جديد بناءً على المواطنة وليس على المذاهب مهم بالنسبة للأجيال المقبلة؟

– الشكوى ليست من النظام السياسي اللبناني، والخلاف اليوم ليس بسبب نَصٍّ دستوري، ولَا بسبب عدد أعضاء مجلس النواب، ولَا بسبب طريقة تشكيل أو عمل لجانه، ولَا بسبب طريقة تشكيل الحكومة أو التصويت فيها، الخلاف السياسي الحاصل اليوم ومنذ سنواتٍ طِوالٍ أو قِصار، وانعكاسه انقساماً وطنياً لا علاقة له بالنظام أو طريقته، مواضيع هذا الانقسام هيَ مَواضيع ومواقِف متقابلة وبعيدة عن بعضِها، لا تقبَل الحلول في نظَر الأطراف بعضِها معَ بعضِها، إلا بتَغليب نَظَر طرف على نظَر الآخَر في قضايا رئيسية وأساسية في نظَر كُلّ طرَف.

وادِّعاء كلّ طرف أنه الصالح وحده بأغلبيته لحكم لبنان، ومحاولة كل طرف فرض نفسه على الآخَر أو على الوطَن دون غيرِهِ، مع تناقض النظرة إلى القضية الواحدة مما هو حاصل، هو الذي يُحدث المشكلة أَوِ المـُشكِلات، وخاصة القضايا التي تمتد آفاقها إلى خارج لبنان وليست قضيةً داخليةً بحتة، حتى قضية قانون الانتخاب تأخذُ أبعاداً تتناقض حولها النظرة والمواقف، في حسابات الإمساك بالأمور أو دفَّة القرار والحكم، ومهما حاوَلت ينهض الآخَر ليُغالِطَكَ بل ويُسَفِّه رأيَكَ أحياناً، هذا كلُّهُ لا علاقة له بالنظام السياسي اللبناني وإنما لهُ علاقة أساسية وصميمة بالأجندات الداخلية والخارجية حيال قضايا كثيرة داخلية وخارجية أيضاً.

كيف هي العلاقة مع المملكة العربية السعودية اليوم؟

– لقد كانت المملكة، ولم تزل، حاضنة اللبنانيين الأولى في شخص خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز، فالمملكة أحرص على اللبنانيين من أنفسهم، ونثمّن الدَّور الإيجابي الذي تلعبه لتعزيز وحدة الصف اللبناني عامة والإسلامي خاصة في الظروف الصعبة التي يمر بها لبنان، لقد أثبتت قيادة المملكة السعودية الحكيمة، في كافة المراحل، أنها تعمل لمصلحة لبنان وشعبه ووحدة أبنائِه من خلال حرصها الدائم على وحدته الوطنية ومنعها الاقتتال بين أبنائه، بصدق أقول إن المملكة العربية السعودية صمّام الأمان في لبنان.

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*