الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » حصاد الأخبار » جبهة النصرة تحرج مؤيديها

جبهة النصرة تحرج مؤيديها

ما إن أعلن زعيم تنظيم القاعدة في العراق، أبو بكر الحسيني القرشي البغدادي، في التاسع من إبريل الجاري عن اتحاد تنظيمه وجبهة النصرة في سوريا للقتال ضد نظام الأسد، حتى سارع زعيم جبهة النصرة، أبو محمد الجولاني، للإعلان عن تجديد بيعته لزعيم القاعدة، أيمن الظواهري، مشيراً إلى عدم علمه بإعلان البغدادي، وإن اعترف بدعم «دولة العراق الإسلامية» لجبهته بالمال والرجال.

وبدا لافتاً في الإعلانين عامل التوقيت، إذ جاء الإعلان الأول قبل لقاء وزراء خارجية مجموعة الثمانية الأوروبية في لندن بيومٍ واحد، بينما تزامن الإعلان الثاني مع اللقاء ذاته، في حين نفذ النظام السوري إثر الإعلانين مجزرتين في الصنمين في ريف درعا وأخرى في ريف حمص.

ووجّه الإعلانان ضربة موجعة للمجلس الوطني السوري وبدرجة أقل الائتلاف، واللذين كانا دافعا بقوة عن جبهة النصرة وعداها جزءاً من الثورة السورية، حتى وصل الأمر برئيس المجلس الوطني، جورج صبرا، إلى نفي صفة ارتباطها بالقاعدة، بينما طالب زعيم الائتلاف، معاذ الخطيب، في إحدى كلماته برفع الحظر الذي فرضته الولايات المتحدة على جبهة النصرة دون أن يذكرها بالاسم ليصرح بعد الإعلانين أن فكر تنظيم القاعدة لا يناسب المعارضة، في حين سارع النظام السوري إلى مطالبة مجلس الأمن الدولي بإدراج جبهة النصرة على لائحته السوداء للتنظيمات والأفراد والكيانات المرتبطة بتنظيم القاعدة.

الداخل في صدمة

منذ بداية الثورة السورية والنظام يحاول بكل الوسائل إقناع العالم أن ما يواجهه في سوريا ليس ثورة، وإنما عصابات إرهابية مسلحة متطرفة ومرتبطة بالقاعدة. ومن جانبه، عَمِل الحراك المدني والشعبي في الثورة السورية على دحض هذه الادعاءات، وحتى عندما انتقلت الثورة إلى العمل المسلح، حافظ الداخل على دعم المدنيين للجيش الحر بوصفه أداة للدفاع عنهم في البداية، ثم أداة لإسقاط النظام وتحريرهم منه.

وعندما بدأت جبهة النصرة تبرز إلى الواجهة ساندت شرائح واسعة إنجازاتها العسكرية في مواجهة عنف النظام لكنها ظلت متحفظة على أفكارها المتطرفة من بوابة أنها لا تناسب النسيج الاجتماعي السوري.

أبو إبراهيم، قائد مجموعة في ريف دمشق، صرخ عندما سألته «الشرق» عن رأيه في الإعلانين متسائلاً «هل هذا وقتهما، لماذا تصر الجبهة على إحباطنا؟ نحن لم نخرج من أجل خلافة إسلامية ولا نريد خلافة إسلامية، نحن خرجنا لنرفع الظلم عنا».

وأضاف بعد برهة صمت: «أستاذ إذا بدِّي أطلع برا البلد في مجال تدبر دولة ألجأ لها؟»، وحين سألته عن السبب أجاب: «إذا جبهة النصرة ستعمل بهذه الطريقة فالأمور مطولة، وقد لا ننتصر أبداً».

أما الناشط أبو إسماعيل الفراتي من دير الزور فلم يستغرب الإعلانين، مذكِّراً بأنه في عام 2004 دعمت المخابرات السورية وإيران دخول القاعدة إلى العراق، كما ابتدع النظام السوري ظاهرة جند الشام في مخيم نهر البارد في لبنان، لذلك من الطبيعي أن تكون جبهة النصرة ذات أجندات مختلفة ولا يستبعد أن تكون الاستخبارات السورية وإيران جزءا من شبكة علاقاتها.

وتابع: إن هناك من يعمل على تقوية جبهة النصرة في المناطق الشرقية، وأنها حاولت فرض هيمنتها في دير الزور لكن النسيج الاجتماعي وقف في وجهها واضطرت للتراجع والانكفاء؛ حفاظاً على مصالحها فهي تستثمر حالياً بئري نفط في ريف دير الزور إضافة إلى معمل الغاز وصوامع الحبوب بعد أن استولت عليها وتحقق يومياً أرباحاً بعشرات الملايين من بيع المحروقات والغاز للمواطنين وبأسعار أقل من سعر السوق السوداء.

وعد الفراتي أن الجبهة تعطي ببيانها ذريعة للنظام لإطالة الحرب في سوريا، ولم يستبعد أن يكون هناك دور للإخوان المسلمين في هذا البيان «لأن من مصلحتهم إطالة أمد الصراع، فتطرف النظام وتطرف النصرة يقدم لهم البلد على طبق من ذهب بوصفهم الطرف المعتدل»، وفق اعتقاده

بدوره، قال كرم، وهو أحد اللاجئين السوريين في تركيا، إنه صادف أحد القادمين للقتال في صفوف «النصرة» والذي أكد له أن سوريا ليست سوى نقطة انطلاق نحو بلدان أخرى وأنهم لم يأتوا ليقاتلوا ويقضوا على حكم الأسد ثم ينسحبوا كأن شيئاً لم يكن، إنما مشروعهم يبدأ من سوريا لإعادة مجد الخلافة الإسلامية التي ستشمل العالم الإسلامي.

تشكيكٌ في صحة البيانات

من جانبه، شكك الناشط محمود في صحــــة البيانين، وأشار إلى جهات أخرى شككت فيهما، مؤكداً في الوقت نفسه أن لا شك لديه في ارتباط فكر النصرة بالقاعدة.

وأضاف «إذا كان البيانان صحيحين فنحن نعارض إقامة دولة إسلامية وخلافة إسلامية بشكل مطلق مع أننا نحترم جبهة النصرة كمقاتلين، وإذا كان هدفها الجهاد وتحرير بلاد الشام والعراق فهذا أمر مرحب به، لكن إلزام الناس بأجندات معينة أمر مرفوض ومستعدون لمحاربته بالسلاح، وكما حاربنا استبداداً علمانياً سنحارب استبداداً إسلاموياً، لأن الاستبداد مرفوض من أي طرف كان».

واختتم بالتأكيد على شكه في البيانات ونبَّه إلى أن عناصر جبهة النصرة الذين صادفهم على الأرض ليس لديهم مثل هذا التفكير، مستطرداً: «صحيح أن بعضهم لديه مغالاة في الدين وهو تكفيري، لكن عددهم أقل من النصف، بينما القسم الآخر يميل إلى الحوار والاقناع».

في السياق ذاته، وصف قاضٍ يعمل في محاكم الثورة ومحاكم النظام في وقتٍ واحد تصريحات البغدادي وما تبعها من تصريحات لأبي محمد الجولاني بـ «غير مسؤولة أو مقبولة».

وبيَّن «سبق أن تابعنا لهم في مناسبات مختلفة تصريحات ومواقف دعائية عابثة ذات مغزى سياسي لا يخفى عن أعين المحللين وهي في الإجمال تضر بالثورة وتشوهها أمام الرأي العام العالمي الذي يجهل حقيقة الأوضاع في سوريا ولا تفيد سوى زمرة الإرهابي الأكبر بشار الأسد، كما أنها تفتت الصف الوطني مجاناً وتسوق الأوهام في أوساط شعبنا الذي يعاني جراء تأخر النصر واستمرار المجازر».

وذكَّر بأن الثورة اندلعت من الداخل ولم تأت من الخارج وهدفها بناء دولة مدنية ديمقراطية تعددية حديثة وعصرية وإسقاط نظام الطغيان والفساد الأسدي.

تداعيات الموقف الدولي

سياسياً، خرج اجتماع مؤتمر الثمانية المتزامن مع إعلان ارتباط النصرة بالقاعدة بنتائج محبطة للمعارضة السورية، إذ تراجعت بريطانيا وفرنسا عن موقفهما السابق الداعي لتسليح المعارضة السورية بهدف تعديل ميزان القوى.

وأعلن وزير الخارجية البريطاني، وليم هيغ، عن خلافات مستمرة بخصوص الملف السوري وعدم إحراز أي تقدم فيما تراجعت فرنسا عن استعدادها لخرق قرار حظر الأسلحة الأوروبي على سوريا مشككةً في تنظيم المعارضة السورية، في حين أكد وزير الخارجية الأمريكي، جون كيري، عدم إعطاء أي وعد لوفد الائتلاف إلى لندن بشأن السلاح، ليعود الوفد بخفي حنين محملاً بوعود الدعم الإنساني.

وفي السياق ذاته، سرعان ما تجاوب الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية الفرنسية، فيليب لاليو، يوم الجمعة الماضي مع طلب الخارجية السورية مؤكداً أن مجموعة الثمانية ناقشت موضوع إدراج منظمة جبهة النصرة المتطرفة الفاعلة في سوريا على اللائحة السوداء للمنظمات الإرهابية الدولية وأنه سيتم قريباً بحث هذا الموضوع في الأمم المتحدة.

ويقول الديبلوماسي الفرنسي السابق فلاديمير جلاسمان إن تسليح المعارضة لا يمكن أن يحدث دون أن تضمن الدول الأوروبية وجهة هذا السلاح ومن سيستخدمه خاصة أن القوى العسكرية على الأرض غير موحدة القيادة ولا تخضع لغطاء سياسي، ولا يمكن ضمان عدم تسرب هذا السلاح إلى القوى المتطرفة بطرق مختلفة، ومنها عملية الاتجار بهذا السلاح، خاصة أن هناك معلومات عن قوى عسكرية في الشمال والشمال الشرقي باعت سلاحها لجبهة النصرة، كما أن هناك كتائب أشد تطرفاً من جبهة النصرة في صفوف الجيش الحر.

ويرد أحد أعضاء المجلس الوطني السوري على هذا الحديث بالقول «إن المجتمع الدولي كاذب جملة وتفصيلاً، وهو تعمَّد عدم التسليح ليفتح الباب أمام التطرف وليحول سوريا إلى ساحة جهادية من أجل تفريغ العراق من الجهاديين واستدراجهم إلى حقل صراع جديد في سوريا»، وعدَّ أن المسألة متعلقة باتفاق أمريكي – روسي يتعمد الطرفان عدم إيصاله إلى مرحلة النضج.

من الجهاد إلى السياسة

في معظم الحوارات السابقة مع قادة الكتائب المقاتلة في الجيش الحر، كانوا يؤكدون عدم وجود أجندة سياسية أو عسكرية خاصة بجبهة النصرة في سوريا، فالهدف بحسب تصريحات قادتهم هو «الجهاد في سبيل الله وإسقاط نظام الأسد والانتقال بعدها إلى ساحة جهادية أخرى»، دون أن ينسوا الإشادة بإنجازاتهم العسكرية.

ولم يتضمن بيان تشكيل الجبهة الصادر في 24 يناير 2012 أي برنامج سياسي مميز في سوريا ولم يأت على ذكر أية طموحات سياسية للجبهة على الأرض السورية، كما حافظت الجبهة في عملياتها العسكرية على استهداف مواقع النظام العسكرية والأمنية إلا في حالات استثنائية، وحتى حين كانت الجبهة تتبنى بعض العمليات الانتحارية التي يذهب فيها ضحايا مدنيون كان الناطقون يسارعون لاتهام النظام بالوقوف وراءها وإلصاقها في جبهة النصرة، كما حدث في تفجير معامل الدفاع في السلمية.

واليوم، بعد إعلان الجبهة عن برنامجها السياسي وإفصاحها عن ارتباطها بالقاعدة محققةً مكسباً سياسياً للنظام، يتساءل مراقبون: هل سيصدق تبشير بعضهم بأن الصراع القادم في سوريا ليس بين المعارضة والأسد وإنما بين المعتدلين والمتطرفين من المعارضة؟ وهل جاء توقيت هذا الإعلان في سياق بلورة تحويل الصراع في سوريا من ثورة إلى حرب أهلية شاملة وما يستتبعها من تداعيات أخطرها التقسيم وأهون شرورها طائفٌ سوري كتتويج لصراع أهلي مديد؟ وهل ستكشف المراحل القادمة عن ارتباطات جديدة لجبهة النصرة، ارتباطات مفاجئة كانت في الماضي اتهامات لا تستند إلى دليل؟

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*