الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » حصاد الأخبار » حركة "تمرد" المغربية وإشكالية الشرعية .

حركة "تمرد" المغربية وإشكالية الشرعية .

يبدو أن الحراك السياسي في مصر يجد له صدى وانعكاسا في المغرب . فبمجرد الإعلان عن عزل مرسي مصر تحت ضغط 37 مليون متظاهر ، انتعشت آمال الشباب في تونس والمغرب وتقوت رغبتهم في انتهاج نفس الأسلوب المدني بهدف إسقاط الحكومة التي يرأسها الإسلاميون ، والتي (شهدت فترتها أكبر عملية رفع أسعار المواد الاستهلاكية اليومية للمواطن في حرب يومية ضد المواطن للإجهاز على قدرته الشرائية و ضرب حقوقه الإنسانية و تكميم الأفواه و التضييق على الحريات بما فيها الحرية النقابية في الإضراب عن العمل و انتشار القمع و التعنيف للمظاهرات السلمية مع غياب الشفافية و العدالة و ازدياد معدلات الرشوة) . طبعا لا ينكر هذا الواقع أحد إلا متعصب إسلامي ، ومن ثم تستحق مبادرة الشباب جمع توقيعات المواطنين والدعوة لتأسيس حركة “تمرد” الاحتجاجية كل الاحترام والتنويه من حيث كونها تستهدف نشر الوعي بالشأن الحكومي وتذكي الاهتمام بالشأن السياسي العام .

وهي خطوة بناءة على درب الإشراك الفعلي لفئة الشباب في الحياة السياسية والقطع مع ظاهرة العزوف التي وضعت فئات واسعة من المواطنين على هامش الفعل السياسي المباشر . 

 أهمية الحركة ، إذن ، تبدأ من جعل الشأن الحكومي وطريقة تدبيره موضوعا يخص كل المواطنين : اهتماما ، تتبعا وانتقادا . ولعل وجود فئات واسعة من المواطنين على هامش المجال السياسي هو ما يعطي لكل الحكومات الضمانة الكافية بأن تجاربها هي الفضل ، وأن سكوت المواطنين دليل رضاهم على أدائها . 

فالتجربة المصرية ، إذن ،أعادت الثقة في قدرة الشباب على إحداث التغيير بالوسائل السلمية وقدرته أيضا على حماية  مكتسبات التغيير . إلا أن “التمرد” في حد ذاته ليس هدفا ولا مبتغى ، بقدر ما هو أسلوب للتعاطي مع واقع سياسي معين . 

وإذا كان الواقع المصري استوجب “تمردا” أطاح بنظام الإخوان وعزل الرئيس مرسي ، فلأن ذاك الواقع استنفد صبر المصريين إزاء استبداد ناشئ يتغول تدريجيا تحت سمعهم وأبصارهم عبر عملية “التكويش” التي نهجها الإخوان فمكنتهم من كل المؤسسات الدستورية ( الرئاسة ، التأسيسية ، الشورى ، الحكومة ) . ولم يبق من سبيل غير العزل السياسي والقطع مع تجربة خاطئة في منطلقها ومسارها . 

فهل واقع المغرب يستدعي إعادة إنتاج تجربة “تمرد” المصرية في مطالبها وأهدافها ؟ من حيث المبدأ لا جدال في الاحتجاج ضد السياسة التي تنتهجها الحكومة والعمل على تصحيحها . لكن هل التصحيح يقتضي إسقاط الحكومة ؟ سيكون من السابق لأوانه الحديث عن القوة التنظيمية والجماهيرية لحركة “تمرد” المغربية ، لكن الأمر لا يمنع من إبداء الملاحظات التالية :

1 ـ وجود تباين في تحديد أهداف الحركة بين مُطالب بإسقاط الحكومة ومُطالب بإسقاط النظام . ومن شأن هذا التباين أن ينتهي بالحركة إلى ما انتهت إليه تجربة 20 فبراير التي لم تكن إطارا جامعا بين متخلف التيارات الإيديولوجية والفصائل السياسية ، بقدر ما كانت رهانا لبعضها من أجل أهداف لم يتم التوافق عليها . وكلما تباينت الأهداف إلا وتنافرت الأطراف فيضيع منها أدنى المطالب .

2 ـ إشكالية الشرعية ستضع  انسجام مكونات الحركة على المحك إن لن تكن عنصر إضعافها . إذ لا يخفى وجود تباين في المواقف مما يجري في مصر بين من يعتبر عزل مرسي انقلابا على الشرعية وبين من يعتبره استرجاعا لها . وسيكون لهذا التباين أثره على مستوى التنسيق بين مكونات “تمرد” في وضع الشعارات وتحديد المطالب . وستجد “تمرد” نفسها أمام إشكالية الشرعية التي تتمتع بها حكومة بنكيران باعتبارها حكومة أفرزتها صناديق الاقتراع . فهل من الشرعية الديمقراطية إسقاط حكومة منتخبة ؟ أكيد أن الوضع المصري يختلف عن الوضع المغربي .

 فالأول عرف تغول التيار الإسلامي الذي انتهج إستراتيجية أخونة الدولة ،إذ في ظرف 8 أشهر وظف مرسي 12 ألف عنصرا من الإخوان في إدارات الدولة . أما في المغرب ، فرغم محاولات أخونة الدولة يظل حزب العدالة والتنمية محكوما بالإكراهات السياسية والدستورية التي لا تجعله ينفرد بالقرار ولا تسمح له بوضع السياسات العامة في القطاعات الإستراتيجية . بمعنى أن حزب العدالة والتنمية لن يكون الحزب الحاكم بل لن يزيد عن كونه الحزب الذي يقود الحكومة . 

فالوضع الأول يسمح بإقامة نظام سياسي محدد وإرساء معالمه ، أما الوضع الثاني فيجعل الحزب في خدمة النظام القائم  دون تغييره .     

3 ـ إشكالية ما بعد إسقاط الحكومة لا ينبغي تركها للصدفة أو لميزان القوى ؛ بل تستوجب نقاشا جادا يستحضر كل المواقف والتصورات والآفاق الممكنة والمحتملة بمكاسبها وخسائرها حتى يتم استبعاد عنصري المغامرة والمقامرة . ذلك أن وجود فصائل سياسية على استعداد للمغامرة لا يعني نُبْل مقصدها وسمو هدفها . 

لهذا ليس من الحكمة إسقاط حكومة بنكيران ، بل ينبغي إمهالها حتى تكمل ولايتها فيتبين للمواطنين مدى نجاحها  أو فشلها في تدبير الشأن العام . حينها لن يلعب الحزب الأغلبي دور الضحية ولن يتعلل بوجود مؤامرة ضد تجربته الحكومية .

-- خاص بالسكينة:سعيد الكحل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*