الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » حصاد الأخبار » المغرب : خطاب العرش ومطلب الملكية البرلمانية

المغرب : خطاب العرش ومطلب الملكية البرلمانية

إن خطاب العرش لهذه السنة جاء برسائل ودلالات واضحة ولا تحتاج لأي تأويل : بل الخطاب يفسر نفسه بنفسه . إذ لم يكن جرد المنجزات بالأمر التقليدي الذي طبع خطب العرش منذ اعتلاء الحسن الثاني رحمه الله عرش المغرب ، وإنما اتخذ بعدا سياسيا يهم أداء الحكومات المتعاقبة ودورها الدستوري كسلطة تنفيذية تتولى تدبير الشأن العام وفق برنامج محدد ومتوافق بشأنه بين الأغلبية الحكومية وبينها وبين الملك . وجاء الخطاب الملكي موضحا الإطار التنفيذي الذي تشتغل داخله الحكومة والذي لا يخرج عن تكريس وبلورة توجيهات الملك ورؤيته التنموية ( وخلال هذه المسيرة، عملت كل الحكومات السابقة، وبتوجيهاتنا ، على تكريس جهودها المشكورة، لبلورة رؤيتنا التنموية والإصلاحية. وهكذا وجدت حكومتنا الحالية، بين يديها، في المجال الاقتصادي والاجتماعي، إرثاً سليماً وإيجابيا، من العمل البناء، والمنجزات الملموسة ) . والمستفاد من هذه الفقرة أن الحكومات المتعاقبة ظلت عاجزة عن طرح رؤيتها التنموية وتنفيذها . وإذا كان للحكومات السابقة عذرها الدستوري عن حالة العجز هذه التي جعلتها تعيش فقط على المبادرات الملكية ، فإن الحكومة الحالية ينتفي عنها العذر إياه ، فيكون عجزها ذاتيا أكثر منه دستوريا . الأمر الذي يضعنا أمام السؤال المركزي : هل الحكومة ومعها الأحزاب بالكفاءة والفاعلية والمسئولية التي يقتضيها مطلب الملكية البرلمانية ؟ فالملكية البرلمانية  ليست مجرد شعارات ، بل منهج في الحكم وإدارة الشأن العام وطنيا ، جهويا ومحليا تشترط أحزابا فاعلة ومستقلة. والتجارب التي عرفتها المجالس المحلية ولا زالت تعيشها تثبت بالقطع أن الأغلبية المسيرة لهذه المجالس تراكم الفشل على كل المستويات بما فيها تدبير قطاع النظافة . ومن ثم تكون هذه المجالس نموذجا مصغرا لطبيعة التدبير الحكومي للشأن العام . ويميز أداء الأحزاب ، على المستويات المحلية والجهوية والحكومية ، عجز فظيع في اتخاذ المبادرة واقتراح المشاريع التنموية المهيكِلة التي تستجيب لانتظارات الشعب . وسيكون من المجحف التركيز على الدور التنفيذي للملك وتضخيمه من باب تسويغ النقد وتبرير الفشل الحكومي . فالتجربة الحالية للحكومة ذات صلاحيات دستورية وسياسية أوسع من سابقاتها ، تعكس ضعفها البيّن وعجزها التام حتى عن ضمان الحد الأدنى من الانسجام السياسي بين مكوناتها . والانتقادات التي تشير إلى دور “الدولة العميقة” في نسف التحالف الحكومي بخروج حزب الاستقلال إلى المعارضة ، هي إقرار صريح ــ في حال صدقت الانتقادات/ الاتهامات ــ بضعف الأحزاب وافتقارها لسلطة القرار : الأمر الذي يخل بأحد أركان الملكية البرلمانية ، وهو قوة الأحزاب واستقلالية قراراتها . ولا يمكن ، والحالة هذه ، أن نطمئن ــ كمواطنين وحاكمين ــ على مستقبل المغرب ، كما لا يمكن أن نعهد بمصير المغرب إلى أحزاب لا تملك سيادتها واستقلاليتها . فالمسألة ليست تجارب مخبرية يمكن الاستهانة بآثارها ، بل إنها تتعلق بمصير شعب : ويكفي المغرب ما مر به من تجارب عبر العقود الماضية ثبت فشلها في التعليم والفلاحة والصناعة والصحة وغيرها من القطاعات ، هددت المغرب بـ “السكتة القلبية”. وفي انتظار أن ترقى الأحزاب بأدائها وتنفتح الحكومة على التجارب الرائدة في مجال التدبير والتنمية التي وضعت شعوبا تفتقر إلى الموارد الطبيعية (جنوب شرق آسيا )في مصاف الدول المتقدمة ذات الدخل الفردي العالي ، وحماية للمغرب من الانهيار الاقتصادي ، يبقى الفاعل الرئيسي إن لم يكن الوحيد هو الملك الذي ، من جهة ، قاد مبادرات دولية أتت أكلها (إفشال مشروع قرار توسيع مهام المنورسو ، الدعم الخليجي للمغرب ب 5 مليارات ، جلب الاستثمارات الخليجية ، فتح آفاق الاستثمار في الدول الإفريقية ، الوضع المتقدم للمغرب الذي منحته أوربا الخ) ، ومن جهة ثانية ،  قدم للحكومة مبادرات تنموية هامة لا تتطلب منها سوى التطبيق والأجرأة . وقد حفل الخطاب الملكي بما يحفز الحكومة ويحرضها على تفعيل هذه المبادرات التي تشمل مجالات شتى : تشجيع الاستثمار ،  ” إحداث وكالة خاصة، تعمل على ملاءمة الاستراتيجية الفلاحية، مع محيط المجال الترابي لساكنتها ” ، تقوية وتوسيع برامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية ، دعم وتشجيع المجال الثقافي بكل أصناف تعابيره الإبداعية ، إصلاح القضاء ،تفعيل المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي والبيئي ) . ختاما ينبغي التنبيه إلى أن الحكومة برئاسة حزب العادلة والتنمية تغامر باستقرار المغرب من أجل حسابات سياسوية ضيقة كادت تحشر المغرب في عزلة دولية بسبب موقف الحزب وذراعه الدعوية من التدخل السكري في مالي لطرد التنظيمات الإرهابية ، فضلا عن مناهضتهما لخطة وزارة الأوقاف في هيكلة الحقل الديني بدعمهما لجماعات دينية خارجة على المذهب الرسمي وتمس بثوابت الشعب المغربي . لنتساءل  ،إذن ، عن حجم المخاطر التي كنا سنواجهها بمثل هذه الحكومة في إطار الملكية البرلمانية . الجواب تقدمه لنا التجربتان المصرية والتونسية قطعا للشك باليقين .

 

 

-- موقع السكينة ــ سعيد الكحل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*