الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » حصاد الأخبار » جهاديو المغرب ينتظمون داخل السجون ويعلنون التوبة

جهاديو المغرب ينتظمون داخل السجون ويعلنون التوبة

تعرف السجون المغربية تحولا نوعيا في صفوف المعتقلين الجهاديين الذين حوكموا على خلفية ملفات تتعلق بالإرهاب منذ أحداث 16 ماي 2003 التي شهدتها مدينة الدار البيضاء  التي راح ضحيتها 45 قتيلا بمن فيهم 15 انتحاريا . فبعد قرارات العفو الملكي التي شملت بعض قيادات الجهاديين سنة 2011 وما قبلها ، تشكلت قناعة لدى غالبية المعتقلين أن الأسلوب الذي اختاروه لفرض التغيير في المغرب عبر تبني العنف والعلميات الانتحارية ، أسلوب خاطئ يستوجب المراجعة والتراجع عنه . ومن أجل إثبات أن الأمر لا يتعلق بالتقية والخداع ، وأن تراجعهم عن العنف جاء نتيجة عن اقتناع ، أعلن المعتقلون عن توبتهم وأصدروا أرضية تأسيسية للهيئة التي أسسوها داخل السجون وتضم 400 سجين/جهادي أعلنوا فيها نواياهم لنبذ العنف والغلو وقبول الديمقراطية والانفتاح على كل التيارات في المجتمع.

كما أكد المعتقلون الجهاديون أنهم يرحبون بجميع أطياف التيار السلفي “الذين راجعوا أفكارهم المتطرفة الداعية إلى العنف كأسلوب لتغيير الأوضاع السياسية والاجتماعية”.ويعتبر الموقعون على البيان التأسيسي أنهم “متشبعون بقناعتهم المنفتحة على المجتمع والمعترفة بالنظام الملكي المغربي والإسلام على الطريقة المغربية بدون غلو ولا تطرف” ، ويعلنون، في نفس الآن  أنهم راجعوا أفكارهم وانتهوا إلى التوبة عن الأخطاء السابقة.

وفي رسالة بعثوا بها إلى وزارة الداخلية المغربية، شدد الموقعون على هذا البيان التأسيسي على أنهم “يدخلون أفواجا في تنظيم جديد سهر عليه أحمد راكز المحامي عن المعتقلين وعضو اللجنة التحضيرية لهيئة المحامين الوسطاء بالتصالح الوطني، وأنهم يتوبون بدون تقية أو إكراه”.

وتعتبر هذه أول مرة يتم فيها تأسيس تنظيم بهذا الحجم في السجون المغربية، يضم سلفيي السجون المغربية من أجل وضع مبادرة المصالحة بيد الدولة، وتجاوز العقبة التي كانت تعترض الحوار بين الدولة والسلفية الجهادية، والتي لخصها عبد القادر بلعيرج، المعتقل الإسلامي المحكوم بالمؤبد بتهم الإرهاب والجريمة المنظمة، في أحد تصريحاته للصحافة في “تحجج الدولة بغياب المحاور الرئيسي في قضية المعتقلين الإسلاميين”. 

وقد صرح حسن الخداوي، وهو معتقل ضمن خلية خلدن (أحد المعسكرات في أفغانستان) التي تزعمها الفرنسي روبير ريشار، مقابلة عبر الهاتف تمكن موقع “راديو سوا” من إجرائها معه من زنزانته في سجن طنجة المحتجز فيه منذ عام 2003، بأنه ارتكب أخطاء منهجية في قراءة النصوص الدينية، وهو اليوم يعلن توبته من التكفير الذي سبق وأن ألصقه بالنظام المغربي، وأحيانا بالمجتمع ككل.

وأضاف “أنا أحد أعضاء لجنة المراجعة والمصالحة في السجون المغربية، لقد أخطأت في حق بلادي ووطني وأهلي واليوم أعلن التوبة”. كما أكد في نفس المقابلة “كان لنا طابع ثوري في تفكيرنا وأردنا التغيير بالعنف، غير أنه منذ قدوم الربيع العربي ونحن نؤكد على استحالة الحديث عن العنف كطريقة للتغيير”. وينفي الخداوي، المحكوم بالسجن المؤبد بتهم القتل ومحاولة القتل وتزعم تنظيم إرهابي، أن تكون المبادرة التي أطلقوها مجرد تقية تفرضها ظروفهم في السجون. وقال في حديث لموقع “راديو سوا ” “عندما كنا شبابا يافعين أردنا قلب النظام بالعنف وتغيير المجتمع حسب طريقة فهمنا للنص، لكن سرعان ما اصطدمنا بالحائط”، معتبرا أن المراجعات الفكرية التي يقودونها في السجون “وليدة 30 عاما من التفكير مما يعني أنها نتاج قناعة راسخة”.

واعترف الخدوي بأنه ارتكب أخطاء كثيرة، وهو اليوم يجهر بمراجعاته بدون خوف، مشيرا إلى أن “السلفيين وصلوا إلى نضج فكري غير مسبوق عندما فطنوا إلى أن مكانهم الطبيعي هو المشاركة في السياسة والتصالح مع السلطات تماما كما حدث للتيارات الإخوانية في العالم العربي”، في إشارة إلى جماعة الإخوان المسلمين.

وهذا تحول نوعي في قناعة الخدراوي ومواقفه من الدولة والنظام والأحزاب ، وهو الذي اعتبرته السلطات المغربية، بُعيد اعتقاله ، من أكبر المتشددين المغاربة والمكفّرين للنظام ؛ وها هو يدعو إلى  “إعادة قراءة القرآن والسنة وتجاوز القراءة الحرفية للنص الديني”.

من جهته، أكد العضو البارز في لجنة المصالحة والمراجعة حسن بختي أنه كان ينتمي إلى تنظيم الاختيار الإسلامي، الذي تزعمه البلجيكي من أصل مغربي عبد القادر بلعيرج وقد دخل في اللجنة وينتظر عفو الملك، لأنه راجع أفكاره منذ مدة. وأضاف في مقابلة عبر الهاتف مع موقع “راديو سوا” من زنزانته في سجن وجدة المحتجز فيه منذ عام 2008، “اعتقلوني بتهم ترجع إلى الثمانينات من القرن الماضي وهي سنوات عرف فيها المغرب تصاعدا للعنف من كل الأطراف: الدولة وقوى المجتمع”.

ورفض بختي ما أسماه “تصرف الدولة غير المنطقي، لأنها تطلق سراح بعض المتشددين وتستثنينا نحن من يقبل بالديمقراطية وكل قيم المجتمع ولم يعد لدينا أي مشكل مع الدولة المغربية”، قائلا “مع الأسف كنت ضحية تصفية حسابات سياسية بين الكبار، وأطلقوا سراح الكبار واستثنوا الصغار”.

ما يصدر عن الخداوي وبختي من أفكار يتبناه عدد كبير من المعتقلين الإسلاميين السلفيين، أي التيار الواسع الذي انخرط في مسلسل “المراجعات”، بخلاف تيار آخر متشدد يرفض الحديث عن “المراجعات”، ويعتبر أنه غير معني بها بتاتا، وهم من يسموا في المغرب بـ”أمراء الدم”، بسبب تورطهم في قضايا القتل، ورفضهم أي حوار مع الآخر.

في خضم تفاعل ملف السلفية الجهادية داخل السجون، وبداية تشكل تيار المراجعات داخل الزنازين، وجه حسن الخطاب، المتهم بتزعم خلية “أنصار المهدي” والمحكوم عليه بـالسجن 30 عاما ، رسائل إلى مجموعة من قادة الأحزاب السياسية المغربية وعلماء الدين، داعيا إياهم إلى ضرورة النظر في حالة المعتقلين الإسلاميين في السجون.

وجاء في رسالة بعنوان: “نداء الأسرى إلى أولي النّهى” الدعوة التالية”إليكم نهمس في صمت مدلهم بليل القهر وسيناريوهات الظلم من أجل نصرة هؤلاء المستضعفين”.

ووجه خطابه إلى  مجموعة من الدعاة وقادة الأحزاب، قائلا “إليكم أيها السادة الذين نثق في قدراتكم أن تكونوا فاعلين حقيقيين في إنهاء معاناتنا وإطلاق سراحنا فنحن نعلن التوبة من الأخطاء المنهجية التي سقطنا فيها”.

وبالموازاة مع هذا الحراك، قام حزب النهضة والفضيلة (إسلامي معتدل)، وحزب الأصالة والمعاصرة (يميني حداثي) بمبادرة لزيارة المعتقلين الإسلاميين، ودفعهم إلى مراجعة أفكارهم وطلب العفو من الملك.

وقد أكد الأمين العام لحزب النهضة والفضيلة محمد خليدي  أنه حصل على الكثير من الطلبات والرسائل من طرف عائلات وأسر المعتقلين الإسلاميين وقام حزبه بـ “رمي الحجر في البركة، التي تجمدت منذ مدة طويلة” على حد تعبيره، مضيفا في حديث لموقع “راديو سوا” أن “حزب النهضة والفضيلة يقوم بدوره الهادف إلى الإنخراط في الحوار من أجل حل مشكلة اعتقال السلفيين”.

ورغم أنه ينفي تلقي الضوء الأخضر من الدولة كما أشاعت بعض الدوائر السياسية في المغرب، إلا أنه لا ينفي مساعدة السلطات في فسح المجال أمام وفده لزيارة السجون.

وفي زياراته المتكررة لسجن مدينة سلا، قال خليدي إنه لاحظ أن اليأس تملك الكثير من المعتقلين، نظرا للمدد الزمنية الطويلة التي قضوها في السجن حتى الآن، مطالبا الدولة المغربية بـ”الانخراط في حوار شامل من أجل مصالحة وطنية تقود إلى حل هذا الملف بشكل نهائي”.

من جهته، رحب وزير العدل والحريات المغربي مصطفى الرميد بمبادرة السلفيين في السجون المغربية قائلا “نشجع هذه المبادرات وندعو إلى تحرك أقوى للمجتمع المدني لحلحلة الملف”، مضيفا “حينما تنضج الظروف بشكل كامل سنتعاطى مع هذه المبادرات بالطرق الرسمية”.

وأضاف في مقابلة مع موقع “راديو سوا” أن “المبادرة جيدة لكننا لم نحصل حتى الآن على أي طلب رسمي من طرف هذا التنظيم”، مشيرا إلى أن الوزارة تدعو المجتمع المدني والمعتقلين إلى التحرك بشكل فاعل لدفع المشكل نحو الحل.

ورفض الوزير الإدلاء بتصريحات أخرى بخصوص رفض إصدار عفو ملكي عن الكثير من السجناء المنتمين للتيار الإسلامي، مكتفيا بالقول إن “الموضوع حينما ينضج بشكل كامل سأخوض فيه بتفاصيل أكبر”.

يذكر أن الرميد كان محاميا عن العديد من السلفيين المتهمين بالإرهاب، وقام بعد تعيينه وزيرا للعدل بالتأكيد في تصريحات للصحافة المغربية أن “ملف السلفية الجهادية فوق طاقاته بسبب احترامه لقرارات القضاء”.

ووعد الرميد المعتقلين بالاشتغال على الملف في حدود اختصاصاته كوزير للعدل دون أن يتقدم بأي وعد فيما يتعلق بمسألة الإفراج عنهم، مضيفا أن “اللجوء إلى العفو الملكي هو  الوسيلة الوحيدة لحل هذا الملف”.

 

-- موقع السكينة ــ سعيد الكحل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*