السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » حصاد الأخبار » المجازر التليفزيونية اليومية وأخطارها النفسية

المجازر التليفزيونية اليومية وأخطارها النفسية

ما أن يفتح المشاهد شاشة التلفزيون حتى تنهمر عليه مشاهد القتل والحرق كوابل من الرصاص، وهو أمر بلغ مستوى غير مسبوق مع مجزرة ميداني رابعة والنهضة في مصر الأسبوع الماضي، ومجزرة الهجوم الكيمياوي في ريف دمشق بالأمس. وتترك هذه المشاهد آثارا نفسية وسلوكية على المشاهد بطريقة تتجاوز لحظة المشاهدة التي يراها المشاهد إلى حياته بأكملها.

ويؤكد المستشار التربوي د. يزن عبده أن التلفاز يؤثر بلا شك على نفسية المشاهد، سواء كانت هذه المشاهد قادمة من التلفزيون أو الإنترنت، وتترك أثرا على سلوكه، فالإنسان بلا شك يتفاعل -بنسب مختلفة- مع المشاعر التي تعرض أمامه، وخاصة مشاعر الخوف والقلق والتوتر، الأمر الذي ينعكس مباشرة على مشاعره أثناء المشاهدة، كما يستمر معه بعد المشاهدة، وفي حال تعرض الإنسان لمشاهدات متتالية تحمل طابعا انفعاليا معينا، فسوف يتقمص المشاهد هذه المشاعر لمدة زمنية طويلة.

ويشرح د. عبده أن للصورة والفيديو تأثيرا واضحا، فالصورة قد تكون أدعى لتأمل المعاني النفسية للحركة المؤلمة في المنظر، وحتى بقاؤها في الذاكرة النفسية طويل للغاية. أما بالنسبة للفيديو فإن تأثيره ناجم عن كونه يقدم سلسلة من الأحداث الشعورية المتتالية في المشاهد والتي بدورها تأخذ الإنسان إلى ذات المشاعر التي يجملها الفيديو، مشيرا إلى أنه غالبا ما تندفع النفس البشرية إلى البحث عن الصور والفيديوهات لمتابعة الأحداث بشغف وخاصة في خضم الأحداث التي تعيشها الأمة حاليا، فيغذي نفسه بمشاعر وسلوكيات تتأثر جراء هذه المشاهدات.

العنف الحي

ويشير عبده إلى اختلاف العنف التلفزيوني الذي نراه عن العنف الذي تقدمه الأفلام والمسلسلات والبرامج التمثيلية، كون مشاهدات العنف ترتبط بعمليات عقلية عليا كالتحليل والتركيب والاستنتاج واتخاذ القرار، وهذه القدرة العقلية تفرق بين الحقيقة والتمثيل، فعندما “أشاهد مظاهر عنف وأنا أدرك أنها تمثيلية فسيكون لها أثر مختلف تماما عن الأثر من مشاهدات حالات اعتداء حقيقية وليست تمثيلية، وهو الواقع المؤلم الذي نشهده في البلاد الإسلامية الآن”.

ويشرح المستشار التربوي أن لمشاهد المجازر التي حدثت في رابعة والنهضة أثرا على حالات الإصابة بالاكتئاب عند عدد من المشاهدين، وبالذات النساء والأطفال، والتي قد يعبر عنها بتكرار الأحلام المزعجة والخوف الليلي وسلوكيات القلق الواضحة عند من يكثر من هذه المشاهدات.

وعند سؤاله حول ما إذا كان هنالك فرق بين المشاهد الحية المباشرة للعنف كما حدث في مسجد الفتح، والمشاهد المسجلة، شرح الدكتور أن الأثر واحد للبث المباشر أو التسجيل، وذلك لأن عمق الأذى والتنكيل في هذه التغطية يأخذ الإنسان إلى أنواع من التفكير العميق، ففي العادة يؤدي تكرار المشاهدات إلى تناقص المشاعر تجاهها، أما مشاهدات العنف الحي والمسجل الذي نراها الآن فلها رد فعل عكسي، إذ تزداد مشاعر المشاهد تأججا واضطرابا في حال تكرار المشاهدة.

ويؤكد عبده أن لهذه المشاهد تأثيرات سلبية للغاية على الأطفال، والتي تشمل فرط حركة الطفل، والتبول اللاإرادي، والتمرد والخجل والبكاء من دون سبب، والقلق والصراخ، ولذلك لا ينصح أن يشاهد الأطفال مثل هذه المشاهدات على الشاشات فيديو أو صورة.

أكثر رعبا

ويرى مستشار المعالجة النفسية السلوكية المعرفية د. يوسف مسلّم، أن البرامج المباشرة والإخبارية أصبحت تبث مشاهد هي أكثر قسوة ورعبا من الأفلام التمثيلية، وأصبح التحذير من المشاهد التمثيلية العنيفة منطبقا تماما على المشاهد الإخبارية، وخصوصا أن المشاهد على دراية كاملة بأن ما يشاهده قد حدث فعلا أو يحدث في هذه اللحظة، وهو ما يسمى “المعايشة” للأحداث.

ويلفت المستشار مسلّم، في حديث للجزيرة نت، إلى أن المشاهد التلفزيونية الحية لها نفس أثر وجود الشخص في نفس المكان حدوث الأحداث العنيفة، مع عدم وجود نفس عنصر التهديد. وهذا يعني أن الشخص يمر بمستوى عال من “المعايشة للحدث” مما يدفعه للتفاعل نفسيا مع ما يرى، وهو أمر يمكن تسميته بمصطلح “الإثارة الانفعالية” فنرى المشاهدين المنهمكين بمراقبة الأحداث منفعلين بحركاتهم وتهديداتهم، أو حتى “شتائمهم” في طريقة تخالهم بأنهم ضمن الحدث تماما.

ويشرح مسلّم أن درجة “المعايشة” و”الانفعال” معا للحدث يختلفان من شخص لآخر ووفق عدة عوامل، منها مقدار الشعور الصدمة والمفاجأة وعدم التوقع، فما رأيناه في رابعة لم يكن متوقعا وجاء مفاجئا بشكل كبير. وهذا يعني ارتفاع أثره النفسي والانفعالي على المشاهد.

ومن العوامل أيضا البعد الجغرافي عن المكان الذي يحدث فيه العنف، فكلما كان أقرب أو في نفس المنطقة زاد الشعور لدى المشاهد بالتهديد وفقدان الأمان، مما يسبب انفعالات مختلفة من غضب أو حزن أو شعور بالضغط أو قلق أو توتر. كما أن جنس المشاهد يلعب دورا في مقدار تأثره، فميول الأنثى للإحساس بالعجز في مجتمعنا تجاه ما يحدث أعلى من ميول الذكر في ذلك، بينما ميول الإحساس بالمسؤولية عن اتخاذ موقف

فروق بين الصغار والكبار

ويؤكد د. مسلم أن هناك فرقا بين الصغار والكبار في الاستجابة للمشاهد، فالصغار تنخفض لديهم القدرة على تمييز الخيال من الواقع، وبالتالي نرى لديهم تأثرا كبيرا في الأحداث نستطيع لمسه من خلال كثرة أسئلتهم واستفساراتهم التي تعكس مخاوفهم من حدوث ذلك معهم، كما نلاحظ اضطراب سلوكهم تعبيرا عن خوفهم وعدم شعورهم بالأمان النفسي، ولخوفهم أن يحدث هذا المشهد مع المقربين منهم.

ويلفت مستشار المعالجة النفسية السلوكية إلى أنه بالنسبة للكبار فيمكن ملاحظة تغيرات في سلوكهم تشمل زيادة الانفعالات مثل الغضب، والشعور بالعجز، وفقدان الأمان، والخوف من المستقبل، وتغير في مستوى اليقين الخاص بالاستقرار والأمن الاجتماعي والاقتصادي والشخصي، مما يعكس درجة معاناة عالية من الإجهاد والضغط النفسي، وينعكس على المزاج العام للشخص وعلى ردود فعله العاطفية والسلوكية.

أما في حال كون الشخص غير مستقر نفسيا بالأصل، مثل الذين يعانون من الاكتئاب أو القلق المرضي، أو الاضطرابات الأكثر شدة، فيقول مسلّم أن هذه “المعايشة” للأحداث العنيفة قد تكون كفيلة بتفاقم المشكلة وحدوث انتكاسات، خاصة عندما تكون المشاهد مرافقة بما يخاف المشاهد منه، أو ما لا يتوقعه من درجة عنف وعدوان لا تترك له مجالا ليحافظ على مسلمات يقينية بأن العالم آمن، وخصوصا كلما كانت الصور متحركة ومباشرة لتغطية الحدث.

 

المصدر:الجزيرة

 

-- د. أسامة أبو الرب - الجزيرة نت

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*