السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » حصاد الأخبار » فوضى البث المباشر وعلاقته بالانحراف..

فوضى البث المباشر وعلاقته بالانحراف..

قبل نصف قرن كانت وسائل الإثارة والتحريض، للكلمة المكتوبة والمذياع، والعقلانيون من القراء والمستمعين يذهبون لإذاعة لندن لموضوعيتها رغم انها في تلك الفترة تعرف كيف تسوغ الخبر والحادثة بحيادية شكلاً وخدمة للحكومة البريطانية سياسياً وهي مهارة إعلامية اشتهرت بها مؤسسة ال«بي.بي.سي» إلى اليوم، ومع ذلك كان الاندفاع نحو الحدث وتحويله إلى مسار يخدم أي طرف متنازع مع آخر ما سمي سلطة الإعلام المسيّس هو السائد في إعلام تلك المرحلة..

جيل اليوم يعيش ثورة علمية غير مسبوقة في تواريخ الأمم عندما انفجرت وسائل الاتصال وتدفق المعلومات والنقل المباشر من قلب الحدث لكل العالم، لكننا بإعلامنا العربي المشاهد تمادينا إلى حد تخطي واجبات النشر والنقل التي تضع موازين للمشروع والممنوع بناء على قيد أخلاقي وعوامل التأثير السلبي الخطير على من هم دون السن المسموح لهم برؤية المشاهد الممنوعة..

فالقنوات العربية لا تتحفظ بنقل الضرب، وإطلاق النار على المواطنين، ومناظر الجثث ممن بترت أطرافهم أو مزقت أحشاؤهم، والمفاخرة بأن ذلك سبق إعلامي دون مراعاة أن مجتمع الأطفال والمراهقين الذين يصعب تفسيرهم للأحداث ويرون عائلاتهم ومجتمعهم لا تثيرهم الصور البشعة، ربما يفسرون الأمر بأن عبثية القتل من الأمور المشروعة، ليصبح حس الإنسان جامداً مما يرسخ هذه المناظر في ذاكرتهم حتى أن علماء النفس والعلوم الاجتماعية والإنسانيات يحذرون من رؤية مشاهد العنف والقتل للقصر من الجنسين حتى لا تؤثر على سلامتهم النفسية والعقلية التي لا تستوعب مثل هذه الصدمات..

فالدول المتقدمة، وكما شهدنا في حروب فيتنام وأفغانستان والعراق وافريقيا وغيرها، يجري التحذير المباشر بأن القنوات الفضائية المعدة لبث مناظر من قلب المعارك ترى منع من دون السن القانونية مشاهدتها، وحتى في الأفلام والمسلسلات نجد المنع قاعدة عامة يعمل بها بعدم السماح برؤيتها سواء مناظر متفسخة أو عنيفة..

مفهوم النقل بمحطات الفضاء العربية يجب أن يخضع لقوانين تحدد معنى البث بشروط ما هو معمول به عالمياً، والقضية ليست سياسية أو تحريض جبهة على أخرى من أجل كسب المال والمشاهد، بل لا بدّ من الخضوع لشرف المهنة وأخلاقياتها إذا كانت سلبيات المستقبل على النشء الصغير سوف تخلق شباباً غير أسوياء، ونحن نعرف من خلال أبسط معارف التربية أن ما يتلقاه الإنسان في طفولته أو مراهقته تتأسس عليه سلوكياته، ولعل الأحداث في المصحات والمستشفيات نموذج لما تدفعه بيئة المنزل والشارع لأسباب الانحراف، وهي قضية لابد أن يحكمها عقد أخلاقي ومهني..

-- الرياض - يوسف الكويليت

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*