السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » حصاد الأخبار » العدالة والتنمية وحصاد تسع سنوات

العدالة والتنمية وحصاد تسع سنوات

 كان أمراً غير معهود بالساحة السياسية التركية، أن تكون 15 شهرا فقط كافية لتولي حزب حديث التأسيس حكم تركيا، التي تموج ساحتها السياسية بعدد من الأحزاب المخضرمة، التي تتمتع برصيد جماهيري وخبرة سياسية وعراقة تاريخية.

فما بين 14 أغسطس/ آب 2001 حين تأسس حزب العدالة والتنمية
و3 نوفمبر/ تشرين الثاني 2002، تمكن العدالة والتنمية، من تشكيل أولى حكوماته المنفردة.

وفي مسيرته الممتدة عشر سنوات، شكل “العدالة والتنمية” حالة فريدة بالمشهد السياسي التركي، ربح ثلاث مرات بالانتخابات النيابية، وشكل الحكومة لوحده ثلاث مرات، وحقق أغلبية ساحقة، من رئاسات ومجالس البلديات، وحاز على منصب رئاسة الجمهورية، وربح ثلاثة استفتاءات لتعديل الدستور.

معركة كبرى

ويستعد اليوم لمعركة كبرى جديدة، واقفاً على أعتاب مرحلة جديدة، قد تسمح له بالتربع طويلا على صدارة المشهد السياسي وإعادة تشكيل إستراتيجيات البلاد.

بالأشهر القليلة الماضية خاض الحزب معركته مع المؤسسة العسكرية، ونجح للمرة الأولى بفرض سيطرة المدنيين على العسكر الذي يخولهم الدستور التدخل لحماية مبادئ الجمهورية، وهو اليوم يخوض معركة تشريع دستور جديد.

وخلال عشر سنوات، تمكن الحزب من ضخ دماء جديدة في تركيا، وفي ساحتها السياسية التي أصابها الهرم، وأحدث تغيرات مفصلية بالغة الأهمية تتعلق بالسياسة الداخلية والخارجية.

داخليا، نجح الحزب في تثبيت معالم ديمقراطية جديدة، خلافا لما كان سائدا طيلة عقود، وكسر هيمنة الأحزاب التقليدية على الحكم والسياسة الداخلية، وتعامل مع الأكراد بقدر كبير من الانفتاح الحذر، وقدم لأول مرة مبادرة الحقوق المدنية الديمقراطية للأكراد.

كما أعاد ترتيب أولويات الأمن القومي، وسعى لوضع المؤسسة العسكرية بمكانها الصحيح، ونجح إلى حد ما، للمرة الأولى منذ قيام الجمهورية، بضمان سيطرة الحكومة المدنية على هذه المؤسسة التي كانت تعد الحاكم الحقيقي.

“أدار الحزب على مدى سنوات الحكم التسع اتجاه بوصلة العلاقات الخارجية كليا بعدما ظلّت طيلة عقود تشير نحو الوجهة الأوروبية والأميركية والإسرائيلية في إهمال شبه تام للعلاقات مع المحيطين الإسلامي والعربي”

علاقات خارجية

أما خارجيا فالأمر أكثر من واضح للمتابعين العرب، فقد أدار الحزب على مدى سنوات الحكم التسع اتجاه بوصلة العلاقات الخارجية كليا، بعدما ظلّت طيلة عقود تشير نحو الوجهة الأوروبية والأميركية والإسرائيلية في إهمال شبه تام للعلاقات مع المحيطين الإسلامي والعربي.

واستطاع الحزب بهدوء ودون إثارة مشكلات، إعادة توجيهها نحو محيطها الإقليمي، حتى باتت تركيا رقما مهما في المعادلة الإقليمية، دون إغفاله أهمية العلاقات مع أوروبا والولايات المتحدة.

ومع “العدالة والتنمية” انفتحت تركيا على الشعوب الناطقة بالتركية، وأسست تحالفا مهما معها، يتيح لها علاقات وطيدة مع عمالقة النفط والغاز الواعدين.

وتخلصت السياسة التركية من عقدة “الانضمام للاتحاد الأوروبي” فمع استمرارها بالعمل الجاد للانضمام إلى هذا النادي، إلا أنها لم تجعل آمالها محصورة بذلك أو متوقفة عليه.

كما سعت، وفق مبدأ “تصفير المشكلات” الذي ابتدعه وزير الخارجية أحمد داود أوغلو، إلى تصفية جل خلافاتها مع اليونان وأرمينيا وروسيا وإيران وسوريا وأكراد العراق، في خطوات تدل على حكمة الساسة وبراعتهم.

وحافظت حكومات “العدالة والتنمية” على علاقات متوازنة مع الفلسطينيين والإسرائيليين معاً، ورغم أن الشد والجذب طبع الأشهر التي أعقبت العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وتاليا الاعتداء على سفينة “مرمرة الزرقاء” لنقل المساعدات الإنسانية، إلا أن براعة الساسة الأتراك، مكنتهم من المحافظة على “شعرة معاوية” مع الإسرائيليين.

كبح جماح

اقتصاديا تمكنت حكومات الحزب من كبح جماح التضخم، ثم العمل على خفض معدلاتها لاحقا، ومكنت الاقتصاد التركي من الانفتاح على العالم بشكل لافت للنظر، وحققت إنجازات اقتصادية بالغة الأهمية، سمحت للاقتصاد التركي بأن يتبوأ المكانة الـ17 بين مجموعة الدول الصناعية والاقتصادية العشرين، كما رفعت شعار “الذهاب لأي مكان” في دلالة واضحة على اتساع العلاقات والأنشطة التركية حول العالم.

واليوم، إذ يقف الحزب على أعتاب السنة الـ11 من عمره، تبدو الآفاق أمامه أكثر انفتاحا من ذي قبل، إذ لا يكاد ثلاثة في تركيا يختلفون على أن “العدالة والتنمية” سيحصد السنوات القادمة مزيدا من النجاحات التي تجعل هيمنته، كديمقراطي محافظ، على الساحة السياسية، أمراً واقعاً بعد عقود طويلة من سيطرة الكماليين والقوميين.

ولا خلاف على أنه سيضع في السلة مزيداً من الغلات، بعد أن زرع في الأرض التركية الكثير، وبات الأكثر نضوجا وتغلغلا في قطاعات عريضة جدا من الشارع، إسلامية وغير إسلامية، برغم أنه أكمل عشر سنوات فقط من العمر الذي يبدو مديداً.

-- الجزيرة نت

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*