الأحد , 11 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » حصاد الأخبار » 11 سبتمبر لن يتكرر في تاريخ القاعدة التي ضعفت

11 سبتمبر لن يتكرر في تاريخ القاعدة التي ضعفت

في الذكرى العاشرة لهجمات أيلول (سبتمبر) 2001 على الولايات المتحدة، فتح فواز جرجس ملف تنظيم «القاعدة» ودفاتر الحرب التي اطلقها جورج بوش على الارهاب، وكلّفت العالم حربين في العراق وأفغانستان، هما الاكبر اللتان خاضهما الغرب منذ الحرب العالمية الثانية.
 
وفواز جرجس هو مدير مركز الشرق الاوسط وأستاذ العلاقات الدولية في كلية لندن للاقتصاد (LSE) ومن الخبراء البارزين في هذا الحقل، كما يشارك في كثير من الندوات والحلقات الدراسية حول التنظيمات الجهادية، ودورها في المواجهة مع الغرب.
 
وإضافة الى بحثه في نجاح ما سمي الحرب على الارهاب، يركز هذا الكتاب على تراجع تنظيم «القاعدة» بفعل الهجمات الغربية وقتل او اعتقال كبار قادته. ويرى انه تحول الى تنظيم هامشي، لا يساعده على البقاء سوى ما يسميه جرجس المؤسسات البيروقراطية في الغرب، التي تبالغ في تقدير حجم «القاعدة» وقدراته.
 
وقد خص فواز جرجس «الحياة» بفصول من الكتاب الذي سيصدر باللغة الانكليزية عن مطبوعات جامعة اوكسفورد، وقام سعيد جوهر بترجمة الفصول وإعدادها للنشر. وهنا الحلقة الاولى:
 
كان لهجمات «القاعدة» على الولايات المتحدة في أيلول (سبتمبر)2001، والتي تعد اكثر الهجمات شراسة ووحشية في ذاكرة جيل، تأثير جوهري في النظام الدولي من خلال اعادة تشكيل خريطة العلاقات الدولية ومسار قواه العظمى، من خلال القيام بحربين استمرتا لفترة اطول من الحربين العالميتين الاولى والثانية معاً. لقد اصبحت السياسات الراديكالية لمجموعة صغيرة من الاسلاميين المتطرفين هماً لكل فرد، وكذلك الافعال التي يقترفونها وبصورة خاصة ما حدث في يوم واحد منذ عشر سنوات، والتي شكلت افعالاً وردود افعال لا تزال تسيطر على العناوين الرئيسة لوسائل الإعلام وتوجيه السياسة الخارجية وتحديد اجندات محلية.
 
ان تنظيم «القاعدة» الذي يمثل في مخيلة الاميركيين والغربيين التجسيد الحقيقي لما يعرف بالمنظمة الارهابية، ويمثل ايضاً رمزاً لكل ما هو ضد القيم الغربية، لم يعد موجوداً. لقد اختفى او على الاقل تقلص الى صورة باهتة من ظل المنظمة نفسها.
 
ظهرت فجوة بين تصور الارهاب الموجّه من «القاعدة» من جانب، وقدرات التنظيم الفعلية من جانب آخر، وتستمر تلك الفجوة في الاتساع.
 
خلافة الظواهري

بعد موت بن لادن وتولي الظواهري قيادة «القاعدة» رسمياً خلفاً له، صرح الظواهري أن بن لادن قد ارعب اميركا في حياته وسيستمر في تخويفها بعد مماته. ومن ثم لا تزال «القاعدة» مهيمنة على مخيلة الاميركيين ويرجع ذلك جزئياً الى أن الغرب لا يريد ان يضع الخطر في سياقه وحجمه الحقيقي.
 
على رغم ان هناك تحليلات جارية وموسعة للبناية التي كان بن لادن مختبئاً فيها في ابوت اباد وإن كان هناك دليل من عدمه حول مشاركة بن لادن الفعالة في العمليات حتى وقت مقتله، فإن هناك القليل من النقاش في وسائل الاعلام حول فاعلية منظمته وقدرتها على القيام بهجمات نوعية على غرار هجمات ايلول 2001. يقبل المعلقون والمحللون الرواية التي يطرحها المسؤولون ومن يطلق عليهم «خبراء الارهاب» والذين يعتقدون ان «القاعدة» تبقى التهديد الاكبر للغرب.
 
لقد هزت الصحوة العربية في ربيع عام 2011، في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن والبحرين وعمان وسورية، اسس النظام السلطوي الاقليمي وكشفت هشاشة «رواية الارهاب» المتجذرة في عقول الغربيين. لم تجد الشعارات الجهادية الخاصة بـ «القاعدة» ولا اساليبها للعنف اي قبول لدى الملايين من المتظاهرين العرب.

فلا يملك تنظيم «القاعدة» او يقدم اي برنامج عمل اقتصادي او افق سياسي او رؤية للمستقبل في خصوص التحديات التي تواجه العالمين العربي والاسلامي، في الوقت الذي يطالب فيه ملايين العرب بانتخابات حقيقية وفصل للسلطات، فإن «القاعدة» تكفر بنظرية الديموقراطية. يبشر قادة «القاعدة» بأن العنف والارهاب فقط هما السبيل لتحقيق التغيير السياسي. ولكن ملايين العرب الذين تظاهروا في الشوارع ضربوا مثالاً على ان التظاهر السلمي هو الطريق الاكثر فاعلية لتحقيق التغيير.
 
ومن هنا فقد دعمت الثورات ما يعرفه الكثيرون منا، وهو ان ايديولوجية «القاعدة» الجوهرية لا تتماشى مع تطلعات العرب والمسلمين. ان العرب والمسلمين لا يكرهون اميركا والغرب ولكنهم معجبون بمؤسساتها الديموقراطية، وذلك في الوقت الذي يعارضون السياسات الخارجية الاميركية. ان ملايين العرب المنخرطين في تلك التظاهرات لم يحرقوا أعلاماً اميركية وغربية ولم يلوموا الغرب على بليتهم. ولا يتحدث بن لادن وخليفته الظواهري باسم الامة، ولا يمارسون اي تأثير في الرأي العام العربي. هذا مع ان «رواية الارهاب» تتحدث عن ان لتنظيم «القاعدة» شعبية بين العرب والمسلمين.

اذاً، ما الذي تبقى من «القاعدة»؟
 
قليل جداً. مجموعة صغيرة تقطن جبال المناطق القبلية ووديانها في باكستان على الحدود مع افغانستان ومناطق معزولة في اليمن على الحدود مع السعودية ومنطقة المغرب العربي ومجاهل الصحارى الافريقية.
 
قليلون في الغرب – ولا سيما الاميركيين – يدركون ان مخاوفهم من الارهاب ليست في محلها. تقيد وسائل الإعلام الرئيسة معالم او محاور النقاش ولا تعطي الاصوات البديلة الوقت والمساحة لعرض طروحاتها. تأخذ كل حادثة اكثر من حجمها وهو ما يقوي الترقب والقلق المفرط حول الارهاب بصفة عامة و «القاعدة» بصفة خاصة. علاوة على ذلك، فإن سياسيي الغرب، ولا سيما الاميركيين، يتبنون الصورة المشوهة حول قدرة «القاعدة» على التهديد. تبرر تلك الصورة المشوهة وظائفهم وتوفر فرصاً سياسية، وتدعم قدرتهم على رسم السياسة الخارجية واستراتيجية الامن القومي.
 
أوباما والحرب على الإرهاب
 
في الوقت الذي انحازت فيه ادارة بوش لتلك النظرة الأحادية والايديولوجية لقدرات «القاعدة»، فقد رسم اوباما خطاً رفيعاً مرتكزاً على تغيير لغة بوش ومصطلح الحرب على الارهاب من جهة، وتبني اقتراب استراتيجي جديد يسمح بالاستمرارية على المستوى المؤسسي في السياسة الخارجية الاميركية من جهة اخرى. صمم هذا التوجه لتطمين الاميركيين الى انه في مواجهة خطر الارهاب الملح والمتطور، فإن الرئيس وإدارته سيكونون صارمين وثابتين في الجهود الرامية الى هزيمة وإرباك وتدمير «القاعدة» وحلفائها.
 
على سبيل المثال، قالت هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الاميركية: «بالنسبة الى معظمنا، فإن القاعدة وفروعها والشبكات العابرة للقوميات تمثل تهديداً اكثر خطورة من كوريا الشمالية وإيران. وحذر اوباما من خطر تنظيم «القاعدة» وأنها تسعى لامتلاك سلاح نووي.
 
ان مفهوم «رواية الارهاب» – كما اطلق عليها – يعني ان الغرب يبقى في ظل تهديد مستمر ووشيك بالهجوم، ممأسساً بين صناع القرار وموظفي الحكومة والآن بين عامة الشعب. ساهم «المحافطون الجدد» الاميركيون بصورة كبيرة في ترسيخ «رواية الارهاب» في مخيلة الاميركيين. قد لا تكون الحرب على العراق هي المثال القوي لتأثير «المحافظين الجدد» في السياسة الخارجية الاميركية بقدر تغيير المزاج الاميركي في ما يتعلق بالخطر الذي يمثله الارهاب العالمي على المصالح الاميركية.

ان السيناريو المتصور الذي من خلاله تحصل «القاعدة» على السلاح النووي هو ان تبنيه بنفسها. لم تظهر تلك المجموعة اية تعقيدات فنية في هجماتها، وحتى لو اكتسبت «القاعدة» تلك الامكانات الفنية المعقدة لصنع قنبلة نووية، فإنها تفتقد القدرة الهيكلية على تطوير هذا السلاح اذا تركنا جانباً المكونات الضرورية للصنع. اكثر من ذلك يتطلب انتاج قنبلة نووية تمويلاً ليس في مقدور «القاعدة».
 
ومن هنا، يبقى لغزاً ان مجموعة من المتطرفين – معظمهم في حالة هروب مستمرة ويتعرضون لقصف مستمر بالنيران – يمكنها ان تكون في طريقها لتأمين سلاح نووي. ومع ذلك تعرض وسائل الإعلام لذلك الخطر، ولكنها تتجنب اخضاع التقارير الخاصة بقدرة «القاعدة» على الحصول على سلاح نووي للتحليل والتمحيص، وهو ما يقوي بصورة غير مباشرة التصورات الثابتة عن قوة «القاعدة». هناك تشابه بين وجهات النظر السائدة عن تهديد «القاعدة» والاتحاد السوفياتي… فمثلاً عندما قدم الدليل على ضعف الاتحاد السوفياتي تم تجاهله على انه حيلة من موسكو لخداع الغرب ليكون اقل حذراً. ان الكثير من الموظفين الاميركيين كانوا خبراء في شؤون الاتحاد السوفياتي السابق، وهم ينظرون الآن الى الحرب على الارهاب من خلال عدسة الحرب الباردة.

اصبح الارهاب في المرتبة الاولى بالنسبة الى الكثيرين من المسؤولين الحكوميين الغربيين وصناع السياسة. لقد استبدل مفهوم الارهاب الاسلامي شبح امبراطورية الشر او الشيوعية السوفياتية. بلغت تكلفة الحرب على الارهاب مبالغ طائلة وستربو على خمسة تريليونات دولار قريباً. إن اطول صراع منذ الحرب العالمية الثانية ليس بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي السابق، ولكنها الحرب الجارية في افغانستان.
 
كشف تحقيق لصحيفة «واشنطن بوست» استمر مدة سنتين ان هناك منظمات كثيرة تعمل في اطار معادلة الامن القومي الجديدة في السنوات العشر الاخيرة. وصل عدد المنظمات الحكومية الى 1271 منظمة، وتقريباً هناك ألفا شركة خاصة تعمل في مواجهة الارهاب في 10 آلاف موقع عبر الولايات المتحدة وعلى الاقل 854 ألف موظف. وقد ارتفعت الموازنة السنوية للاستخبارات الى اكثر من 80 بليون دولار وكانت 40 بليون دولار عام 2001. وبهذا تزيد تلك الموازنة عن موازنة وزارة الخارجية وبرنامج المساعدات التي تبلغ 51 بليون دولار.
 
هناك قرابة إحدى وخمسين وكالة فيدرالية وقيادات عسكرية تعمل في 15 ولاية اميركية لتتبع تدفق الاموال من وإلى الشبكات الارهابية. تعيد تقاريرهم تدوير الحقائق ذاتها، وكثرتها تمثل عبئاً على كل من يحاول تحليلها. ترصد وتخزن وكالة الامن القومي كل يوم بليوناً و700 مليون رسالة الكترونية ومكالمة هاتفية وأنواعاً اخرى من الاتصال.
 
فشل الاستخبارات

على رغم ذلك التوسع غير المسبوق في جهاز الاستخبارات، إلا ان هذا الجهاز فشل في كشف الهجمات الخطيرة القليلة على اراضي الولايات المتحدة مثل «فورت هود» في تكساس التي اسفرت عن مقتل ثلاثة عشر شخصاً، ومحاولة تفجير قنبلة يوم عيد الميلاد عام 2009 التي اجهضت من جانب مسافر، وكذلك الحال في قنبلة تايمز سكوير في نيويورك. وقال اوباما: «فشل مؤسسي حدث وأمر غير مقبول على الاطلاق»، تعليقاً على فشل الاجهزة الامنية في التعامل مع التحذيرات حول محاولة عمر فاروق عبدالمطلب تفجير طائرة كانت ستهبط في ديترويت في ميتشيغان. كانت هناك معلومات كافية لدى الحكومة الاميركية لكشف تلك المؤامرة وإجهاضها، ولكن فشلت الاستخبارات في الربط بين المعلومات المختلفة. وقال اوباما، «علينا التعلم من تلك الحادثة والعمل بسرعة لضبط الاخطاء في نظامنا لأن امننا وحياتنا في خطر».
 
بعد مقتل بن لادن اسرع «خبراء الارهاب» والمسؤولون الاميركيون الى التحذير من ان الحرب على «القاعدة» لم تكسب بعد. وذكرت هيلاري كلينتون انه على رغم مقتل بن لادن فلا تزال «القاعدة» تشكل تهديداً حقيقياً. وقد اضافت كلينتون ان الولايات المتحدة ستستمر في عملياتها ضد المسلحين وهذا يعني استمرار «رواية الارهاب» في السيطرة على النقاشات، وستبقى «القاعدة» هماً كبيراً لدى المواطنين الاميركيين.
 
وقد أثر تنظيم «القاعدة» في قطاع التعليم في الولايات المتحدة والغرب. انتشرت البرامج والمواد التعليمية الجديدة الخاصة بالارهاب في الجامعات الغربية. هناك طلب كبير على دراسة الارهاب وهناك الكثيرون يسعون الى تلك الدراسات. يتبع الطلب والعرض تدفق الاموال وتحرص الحكومة الفيديرالية على توفير تلك الاموال. ومن المفارقات تحول الاكاديميين المتخصصين في دراسات الشرق الاوسط عن دراسة موضوع الارهاب لأن النقاش تلفه شكوك سياسية، وتركهم المجال لـ «خبراء الارهاب» في بيوت التفكير ومؤسسات السياسة المرتبطة بالقضية.
 
تعتقد وكالات الاستخبارات الغربية والاميركية ان هناك قرابة الـ 300 عضو في «القاعدة» يقطنون اساساً في باكستان وافغانستان اللتين جلبت اليهما الولايات المتحدة قوات تبلغ قرابة مئة ألف جندي. لقي معظم عناصر «القاعدة» المهرة ومتوسطي المهارة حتفهم او قبض عليهم وهو ما قلص من قدراتها على تنفيذ العمليات النوعية.

يبدو ان التنظيم الاصلي لـ «القاعدة» قد دمر وقادته في حالة فرار خوفاً من قتلهم. وبينما كان بن لادن يختبئ لمدة خمسة اعوام فقد كان يعتمد على خدمات شخص واحد، هو الشيخ ابو احمد وهو باكستاني مولود في الكويت من اجل التواصل مع العالم الخارجي.
 
تبقى «القاعدة» معتمدة على الانتحاريين، ولكن قدرتها على تنفيذ هجمات انتحارية معقدة مثل 11 أيلول ضعفت بصورة كبيرة الى حد الشلل.

اكثر من ذلك تواجه «القاعدة» ازمة قيادة وهو ما قد يزيد من إضعاف قدراتها. باختيارها الظواهري كأميرها الجديد، فقد فضلت «القاعدة» الاستمرارية على التغيير. وقد توعد الظواهري بالانتقام لمقتل بن لادن والاستمرار في محاربة القوى الغربية.
 
على رغم ذلك فقد تنجح «القاعدة» وأجنحة اخرى مشابهة في القيام بهجمات في الامدين القصير والمتوسط جراء تصاعد الصراع في افغانستان -باكستان، وموجة الراديكالية التي تؤثر في عناصر قليلة من كلا المجتمعين المقيمين في الغرب. معظم حالات القبض شملت شباباً باكستانيين وأفغاناً. ولكن يجب ألا ننسى الطبيعة المحددوة للتحدي الذي تمثله «القاعدة» والتدمير الشديد والتدريجي لجهازها العسكري.
 
ان الفروع المحلية لـ «القاعدة» في العراق والسعودية واليمن ومنطقة المغرب العربي وأماكن اخرى عرّضت التنظيم الاصلي لـ «القاعدة» للخسائر وأضرّت بمحاولاته التواصل مع الشعوب الاسلامية. ان استهداف المدنيين قلب رأي المسلمين ضد «القاعدة» وتكتيكاتها وأيديولوجيتها. وينظر معظم المسلمين الى القاعدة على انها جلبت الدمار للأمة. حتى ان البعض يصر على ان «القاعدة» اختراع اميركي وذريعة للتدخل في البلاد الاسلامية. وهذا يدل على عدم وجود شريحة مهمة من المسلمين تدعم هذا التنظيم.
 
بصورة عامة، ان الثورات العربية هي سلمية وغير مؤدلجة وغير متأسلمة وتقودها طبقة متوسطة مناضلة وتضم تحالفاً من الرجال والنساء من كل الأعمار والالوان السياسية. و «الاخوان المسلمون» هم جزء من نسيج اكبر. وقد لقيت «رواية الارهاب» صفعة قوية. والسؤال هو ليس عن حجم كراهية العرب والمسلمين لأميركا، ولكن لماذا يقلل صناع السياسة في الولايات المتحدة والغرب من تطلع ملايين العرب والمسلمين الى القيم العالمية مثل حقوق الانسان وحكم القانون ومجتمعات تعددية ومنفتحة وحريات فردية.

على رغم ذلك، فإن الرأي السائد في الدوائر الغربية هو ان «القاعدة» تمثل قطاعاً مهماً للمسلمين وللإسلاميين من كل الخلفيات. لا يوجد تمييز بين الجهاديين عبر القوميات والجهاديين المحليين او بين «القاعدة» والاسلاميين السياسيين مثل «الاخوان المسلمين» و «حماس» و «حزب الله».
 
يشير كثير من المسوحات واستطلاعات الرأي العام الى ان عدداً متزايداً من المواطنين الغربيين يقبلون كون المسلمين يعيشون على هامش المجتمع. وفقاً لاستطلاع للرأي اجرته جامعة كورنيل، فإن حوالى 44 في المئة من الاميركيين قالوا ان على الحكومة ان تقيد الحريات المدنية للمسلمين الاميركيين.

ان الانعكاسات الثقافية للحرب على الارهاب شكلت تحدياً لقيم اميركا حول التسامح الديني والحريات الفردية. اندلعت المواجهات في خصوص مقترحات بناء مساجد في تينيسي وكاليفورنيا وجورجيا وكنتاكي وبروكلين وغيرها. وقد اغتنم الكارهون والخائفون من الاسلام مقترح بناء مسجد ومركز اسلامي في مانهاتن في موقع «غراوند زيرو» في اثارة المشاعر ضد المسلمين. وحدث نقاش بين المؤيدين والمعارضين لبناء هذا المركز، وهذا النقاش غير الصحي يوضح كيف ان سياسات الارهاب والحرب على الارهاب تهدد القيم الاميركية، وهي القيم ذاتها التي يعتنقها المتظاهرون في الشرق الاوسط.

اصبحت الاستجابة لتحدي وتهديد الارهاب ايديولوجية في حد ذاتها. وبالتالي هناك فرصة ضعيفة لإعادة تقويم استراتيجية الولايات المتحدة وبصورة خاصة تمدد تركيبة الامن القومي التي يعمل بها مليون موظف، حتى بالنسبة الى رئيس تقدمي مثل اوباما.

وفقاً لأحد كبار مساعدي اوباما في مكافحة الارهاب جون برينان، فإن استراتيجية الامن القومي التي اطلقها اوباما في ايار (مايو) عام 2010 تعني ان الولايات المتحدة ليست في صراع مع باقي بلدان العالم، وأن «القاعدة» ليست كياناً عالمياً قادراً على ان يحل محل الدول القومية ذات السيادة. وأوضح برينان بالقول: لماذا تسمح دولة قوية وعظيمة مثل الولايات المتحدة لعلاقاتها بأكثر من بليون مسلم حول العالم ان تتحدد بكراهية ضيقة وأعمال انتقامية لقلة قليلة من المسلمين؟
 
اي محاولة من اوباما لإعادة تقويم جهود الحرب تقابل بسرعة بكم كبير من الهجوم من جانب الصقور و «المحافظين الجدد». وهذا يدل على ترسخ وترسيخ «رواية الارهاب» في المخيلة الرسمية والشعبية الاميركية.

يذكر مستشارو اوباما ان الرئيس يقود «الحرب المبررة» وذلك في اشارة الى التزامه بالحرب ضد «القاعدة» وحلفائها مثل «طالبان» في افغانستان وباكستان واليمن. أمر اوباما بهجمات بواسطة طائرات من دون طيار في السنة الاولى من حكمه اكثر من العدد الذي امر به بوش في ولايتيه الرئاسيتين.

منطق استخدام الطائرات من دون طيار وفقا للإدارة الاميركية هو ان استخدام تلك الوسيلة اضعف من قدرات «طالبان باكستان» و «القاعدة»، ويجنب وضع القوات الاميركية في خطر على الاراضي الباكستانية. استمر المسؤولون الاميركيون في الدفاع عن تلك الوسيلة في تدمير التنظيم الاصلي لـ «القاعدة» في باكستان وأفغانستان.

على الجانب الآخر، هناك تصور منتشر بين النخب الباكستانية، بمن فيها الجيش، بأن الهجمات التي تنفذها من طائرات من دون طيار تنتهك الكرامة والسيادة الباكستانية.

حققت «القاعدة» وبن لادن ما لم يحققه الاتحاد السوفياتي العملاق. هاجمت قلب الولايات المتحدة ووضعت الامن الشخصي للاميركيين في خطر. ولا يجب التقليل من الاثر النفسي على مزاج الامة.
 
لو نجحت «القاعدة» فسيكون ذلك لأنها تقبع في الخيال الاميركي. لفهم كيفية تحقيق ذلك، علينا ان ننظر الى القصة الكاملة لصعودها وسقوطها.

-- الحياة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*