الأحد , 11 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » السكينة في الإعلام » الإرهاب.. هل يغني الصبح عن المصباح؟

الإرهاب.. هل يغني الصبح عن المصباح؟

إن الشاب السعودي إذا حصل على التعليم المناسب، والتدريب المفضي للوظيفة، وفرصة العمل المناسبة، والوحدة السكنية في وقت مبكر من حياته، وجمعية تطوعية ومنتدى مدني، يحقق له طموحاته في المشاركة في الشأن العام، ويشغل بها وقت فراغه..

؟ في بيان، لا تنقصه الجرأة والصراحة والشفافية، أصدرت وزارة الداخلية بياناً أوضحت فيه القبض على (شبكة تخريبية) في البلاد، شملت (172) متهماً، و(7) خلايا، وفي حوزتها كميات هائلة من الأسلحة والمتفجرات، و(20) مليون ريال، ومدربة على استخدام الطائرات لتنفيذ عمليات إرهابية، واستهداف شخصيات عامة، وضرب مفاصل مهمة في الاقتصاد الوطني، وأغلب أفراد الشبكة من السعوديين، وفي بيعة عامة تحت أستار الكعبة، ولكن الله سلم.. فهل في كل مرة تسلم الجرة؟!.

ماذا نريد أكثر مما حدث لكي نقتنع، شعباً ومجتمعاً ودولةً، إن هناك خطراً حقيقياً يتهددنا، ويستهدف حياتنا، ويدمر اقتصادنا، ويزعزع أمننا، بل وأساس وجودنا.

وفي الأمس الأول (السبت 1428/4/25ه) مرت الذكرى المشؤومة الرابعة لتفجيرات ما سميت ب (9/11) السعودية.. فماذا علمنا؟ وماذا تعلمنا؟ والأهم، ماذا عملنا؟.

أربع سنوات والإرهاب يعيث فساداً، وكشف المستور عن خلل في البنية الفكرية، التي تلبست قسماً من شبابنا، وأصبحوا وقود الإرهاب ومادته وأدواته.. ولولا (الأمن السعودي) لكان لنا قصة أخرى، وحال غير الحال.

ما حدث من أمر هذه الخلايا لا يمكن للعقلاء قراءته إلا بوجه واحد، وهو أن الإرهاب مازال بخير لأن جذوره ما زالت بخير، وأن (الحل الأمني) مازال سيد الموقف، ووحيد الساحة.. وأن الجهود الأخرى مازالت تعالج العرض وليس المرض، وتكاد تنحصر بـ (حملة السكينة)، و(لجان المناصحة).. وهو جهد مشكور ومقدر، ولكن غير كاف، ولا يتناسب مع حجم الظاهرة وتعقيداتها وخطورتها.. بل إننا نشهد تطوراً (نوعياً) في العمليات الإرهابية كشفت عنه الحوادث الأخيرة، مما يجعله أشد خطورة وفتكاً.. فماذا نحن فاعلون؟.

لقد قيل مراراً إن الإرهاب فكر.. والفكر لا يعالج إلا بفكر، فالبندقية تواجه بالبندقية، ولكنها لا تمنع (تخلق) الإرهابي، وتزينه في نفوس ووجدانات الشباب، الذي بدا واضحاً أنهم أدواته، والمستهدفون بناره.. وهم من يشكل الشريحة الأوسع والأكبر في الهرم السكاني في المجتمع السعودي.. هذه حقيقة إحصائية لا تقبل الجدل.

فما البدائل التي أعددنا لشبابنا؟ وأين مشروعنا الوطني الموجه للشباب؟ حتى مفهوم (الأمن الفكري) الذي ندندن حوله مؤخراً مازال مفهوماً ملتبساً، وانحصر في المحاضرات والندوات والمطويات، وإقناع (المقتنع) أصلاً.

إلى يومنا هذا لا توجد دراسات وأبحاث أكاديمية جادة، تتناول الإرهاب بشمولية وعمق، وبلغة غير عاطفية، وتشرح الإرهاب تشخيصاً ومعالجة، كما لا يوجد مرجعية إدارية وفنية موحدة ل (ملف الإرهاب).

المطلوب إيجاد (مركز متخصص) يجمع هذا الشتات، ويكون بيت خيرة، يمد صانع القرار برؤى وتحليلات معمقة عن الظاهرة، ويقدم تقارير ناجزة لولاة الأمر عن تقدم الجهد الوطني في محاربة الإرهاب، وعن مواطن الخلل، والحلقات المفقودة، والمحاضن (والمفارخ)، التي تولد الارهاب، وتزينه في نفوس الشباب، وتجعلهم ينجذبون إليه.

وإذا كنا نقول إن إشاعة فكر (الوسطية) هو البلسم الشافي من الارهاب، فأين مصادر هذه الوسطية ومؤسساتها؟ وأين قوالبها التي تصوغ فكر الشباب السعودي؛ لكي يواجه بها هذه التيارات المتطرفة؟

في الكويت – مثلاً – وهي دولة صغيرة، أنشئ مركز إسلامي متخصص للوسطية، وله أمانة عامة، من أجل ألا يترك للجفاة أو الغلاة (العبث) بالساحة الإسلامية والخطاب الإسلامي، ومن أهدافه مواجهة تيارات (الاشتجار والانتحار والانبهار)، ويهدف – أيضاً – إلى إجراء المراجعات، والتأصيل، ومناهج النظر، والتركيز في فقه النوازل، وضعف الأمة، والأولويات، حتى لا يترك لكل من (هب ودب) أن ينصب نفسه فقهياً ومفتياً، يعبث بمستقبل الأمة من دون سند شرعي قائم على فكر الوسطية، كما ويسعى – أخيراً – هذا المركز إلى تغيير الأمة من الداخل، وليس عبر حلول تقدمها لنا مراكز الأبحاث الخارجية، التي تحاول (هندسة) مجتمعنا بما يخدم أهدافها.

وعودة على موضوع (المشروع الوطني للشباب)، وهو المسؤول عن تقديم البديل الجذاب للشباب؛ لكي يجد الشاب في غير الإرهاب مجالاً وأفقاً واسعاً للتعبير عن نفسه، واثبات ذاته، فإذا أردنا لشبابنا البعد عن الإرهاب فلنقدم لهم ذلك البديل.

هذا البديل ليس المحاضرات والمطويات، أو النشرات وملصقات المدارس، أو النصائح التي (يطير بها الهواء).. بل البديل (العملي) الذي يجعل صناعة الحياة (أقوى) من الانجذاب ل (صناعة الموت) والانتحار.

هل سألنا أنفسنا – يوماً – السؤال الآتي:

ما الذي يجعل شاباً صغيراً (ما خط شاربه)، ولا يميز التمرة من الجمرة.. هذا الشاب الودود الوديع، المحب لوالديه ووطنه، والمتمتع بمباهج الحياة لمن هو في مثل سنة، كيف (ينقلب) هذا الشاب الصغير هكذا – فجأة – إلى شاب كاره للحياة، وحاقد على المجتمع، وناقم على الدولة، ويتحول إلى كرة من اللهب يحرق نفسه، ويدمر ممتلكات وطنه، ويحطم مكتسبات مجتمعه؟!.

إن الإجابة الشافية والواقعية على هذا السؤال هي ما سوف يقودنا – في النهاية – إلى تفكيك الظاهرة الإرهابية، ومن ثم ابتداع الحلول لمعالجتها.

نريد مشروعاً وطنياً عملياً موجهاً للشباب يوفر للشاب السعودي فرصاً متكافئة للتعليم والتدريب العصري في الداخل والخارج، واكتساب المهارات الأساسية التي تجعله يعيش في عصر العولمة، والحصول على فرصة عمل جذابة في القطاع الخاص، وتقديم برامج إقراضية يتمكن من خلالها الشاب افتتاح مشروعات فردية، خاصة وأن اقتصادنا اقتصاد خدمي فيه ملايين الفرص للشباب متى توفر له الدعم والارشاد والتوجيه عبر مؤسسات مجتمعية تنشأ لهذا الغرض، وبعيدة عن البيروقراطية الحكومية.

ثم يحتاج الشاب إلى برامج إسكانية، تمكنه، في وقت منساب من حياته، الحصول على سكن لائٍق، وبشروط ميسرة، وقروض تتناسب مع دخول الشباب المبتدئين في الوظيفة.

ويحتاج الشاب إلى وجود مجتمع مدني نشط، يعج بالمؤسسات المتنوعة التي يجد فيها نفسه، ويعبر من خلالها عن ما يختزنه الشاب من مواهب وملكات وطاقات.

فالشباب – كما نعلم – يتفجرون طاقة وحيوية، ولديهم رغبة فطرية في الاكتشاف، وإثبات الذات، وأن يكون لحياتهم معنى، ولديهم وقت فراغ قاتل، وما لم نشغلهم بالخير فسوف يشغلوننا بالشر.

إن الشاب السعودي إذا حصل على التعليم المناسب، والتدريب المفضي للوظيفة، وفرصة العمل المناسبة، والوحدة السكنية في وقت مبكر من حياته، وجمعية تطوعية ومنتدى مدني، يحقق له طموحاته في المشاركة في الشأن العام، ويشغل بها وقت فراغه.. مع تتويج هذه الجهود بخطاب دعوي وسطي مؤسسي، يشجع على الاعتدال في المشاعر والتصرفات والسلوكيات.. هذه المنظومة التي تشكل في مجموعها مشروعاً وطنياً للشباب.. هي الضامن – بعد الله – لأن ينشأ لدينا جيل متوازن ومتفائل، وخيال من (فيروس) الإرهاب، وفي منأى عن قناصة الإرهابيين مهما حاولوا.. فلنطلع على تجارب الدول مع شبابها؛ لكيلا نخترع العجلة.

بقي أن أقول:

ما أرانا نقول إلا معاراً

أو معاداً من قولنا مكروراً

-- يوسف بن أحمد العثيمين

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*