الأحد , 11 ديسمبر 2016

الصدام المرتقب

شكل الحركات الجهادية،  في ضوء ما تشهده الساحة العربية من تحولات ، خطرا حقيقيا على الأنظمة العربية الجامدة. فوفقا لما لدى تلك التيارات من مشروع جهادي تسعى إلى تصديره إلى جميع البلدان العربية ، فإن صدامها مع أنظمة تلك الدول أو مع البلدان الغربية ، التي تسعى للعودة من جديد إلى البلدان العربية الأخرى التي لا تزال ثوراتها  مستمرة، أصبح محتملا.ففي هذا الإطار، عقد المركز الدولي للدراسات المستقبلية والاستراتيجية مؤتمرا تحت عنوان “الثورات العربية ودور التنظيمات الجهادية المتطرفة.. رؤية مستقبلية”.

العامل الأيديولوجي للفكر الإرهابي

أكد د.قدري حفني، خبير العلوم السياسية، أن ما كان يظنه غالبية الناس من أن الإرهابيين ينحدرون من أسر مفككة، وبيئات يسودها الجهل، يعجزون عن تحمل المسئوليات المهنية أو الأسرية، ذوو شخصيات ضعيفة مريضة يسهل التأثير فيها، لم يعد صحيحاً على الإطلاق .

وعرض للكيفية التي ينظر بها الإرهابي إلى جماعته وإلى الآخرين في ثمانية أشكال ، هى  الأول: الآخر إما عميل أو مأجور، أو ساذج جاهل. الثاني: الحوار لم يعد مع الآخر مجدياً . الثالث: الآخر هو الخارج على الأصول الصحيحة . الرابع: الآخر لا يمثل إلا أقلية . الخامس: مهما قال الآخر لكي يوهمنا بأنه قد تغير، فإنه يظل في جوهره كما هو. السادس: الآخر يريد لنا الاغتراب عن الواقع اندفاعاً إلى مستقبل غريب عنا ، أو انسحاباً إلى ماض سحيق لم تعد لنا علاقة به. السابع :لا ينبغي أن نفرق في مواجهتنا لهم بين “المفكرين” و”المنقذين” ، و بين “الموافقين” و”المعارضين” . الثامن: ينبغي أن ننقي صفوفنا من أولئك المتخاذلين الذين يدعون إلى حوار مع أعدائنا،  إنهم عملاء مندسون أو ضعاف ترعبهم المواجهة الشاملة.

وأكد أيضا د. محمد أنور حجاب، رئيس وحدة الثقافة المجتمعية بالمركز، أن المد الإرهابي استفاد في مجمله من إنفاق بعض الدول العربية الغنية من عائدات النفط لنشر أفكار مذاهب دول بعينها من أنحاء العالم ،مما أسهم في خلق مناخ ما نحن فيه اليوم من الانفجار لجماعات إرهابية (عقائدية، منظمة، ممولة) ضد المجتمعات المدنية والحضارة الإنسانية المعاصرة.

وعرف د. محمد مفهوم “الأيديولوجية” طبقاً لرأى العديد من الباحثين في العلوم السياسية بأنها تعد مظهراً أساسياً للحركات الإرهابية المعاصرة، وأن الإرهاب يمثل مظهراً خاصاً وأساسياً للسياسات الأيديولوجية لتلك الحركات، وأن الأيديولوجية الإرهابية لم تكن معزولة عن السياسة الأيديولوجية للأحزاب والدول المعاصرة.  مشيرا إلى أن الأيديولوجيا تلعب دوراً  أساسياً في تشكيل الاتجاه السياسي للأفراد على اختلاف شخصياتهم ، نتيجة تراكم الخبرة السابقة لهم منذ التنشئة الاجتماعية والاقتصادية لكل منهم.

كما ذكر أن هناك أربعة اتجاهات سياسية رئيسية يتوزع الأفراد طبقاً لأيديولوجية كل منها، وهى : الليبرالية، والراديكالية، والمحافظة، والفاشية. مضيفا أن أيديولوجية الإرهاب من الصعب أن نعممها على جميع أفراد التنظيم، إذ إن كل مستوى من مستويات التنظيم يتبني أيديولوجية مختلفة عن الأخرى ، وإن كان يجمعها جميعاً الأيديولوجية الإرهابية التي تقوم على تدمير الإنسان والممتلكات، وهذه المستويات هى : القادة، والنشطاء، والمنفذون.

انحسار التكفير في مصر

وطرح د. ناجح إبراهيم ، رئيس تحرير موقع الجماعة الإسلامية،  عدة تساؤلات حول التعذيب داخل السجن الحربي في أواسط الستينيات: هل الذين يعذبوننا مسلمون؟ أليسوا يعذبوننا لأننا نسلك طريق الدين والإسلام؟ وما حكم رؤسائهم وكبرائهم الذين أمروهم بذلك؟ ثم تطور الأمر إلى أن يتساءل الإخوان المسلمون أخطر سؤال وهو: ما حكم الجماهير التي تطيع هؤلاء الحكام وتهتف باسمهم وتخضع لهم؟.

وذكر أن فكر التكفير قد انحسر في مصر انحساراً شديداً نتيجة رفض معظم الحركات الإسلامية لفكرته ومقاومتهم الشديدة له،  والتتبع الأمني الشديد له،  ومحاربته حرباً لا هوادة فيها. كما أقر بأن حاكمية الله تعالى بريئة من تكفير حكام المسلمين، وشعوبهم، وعلمائهم، وشرطتهم، ومخابراتهم، وأجهزتهم الأمنية.

وأشار إلى أن فكر التكفير انحسر في مصر باستثناء سيناء والمناطق النائية المشابهة  بسبب أن البيئة السيناوية هى أخصب بيئة لفكر التكفير الذي ينمو ويترعرع بقوة في الأماكن التي يقل فيها العلم الشرعي خاصة، والثقافة عامة، فنجد الأغلبية أميين وفقراء، وأيضاً بسبب ما يحدث في رفح الفلسطينية وغزة  من قهر وظلم إسرائيلي لأهلنا وأقربائنا إلى جوارنا ، مما يشعرنا بالظلم والبغي.

وأكد أن سيناء بعد ثورة 25 ينايرهى التي أرادت لتلك المجموعات الاستقلال عن الدولة، وإقامة إمارة إسلامية فيها ، وذلك يدل على مدى ضحالة الفكر الديني والسياسي والتاريخي لهذه المجموعة، وخطر وجودها في هذه المنطقة الاستراتيجية المصرية  .

الصعود الجهادي والثورات

وأكد اللواء نشأت الهلالي الخبير الأمني أن الفكر الذي تطرحه القاعدة لاستخدام العنف لتغيير  النظم لم يجد نفعاً في دول الخليج والمغرب العربي ، بينما تمكنت الثورات العربية في مصر وتونس وليبيا من تحقيق انتصارات ملموسة.كما أوضح أن هناك آراء كثيرة توضح أن الثورات العربية دمرت أربعة مناهج مركزية اعتمدت عليها القاعدة في السنوات الماضية اعتماداً كثيراً وهي :.

المنهج الأول: أن تغيير الأنظمة العربية الفاسدة لن يتم إلا عن طريق العنف المسلح.

المنهج الثاني: الزعم بأن استثمار الإعلام وجلب انتباهه لا يتم إلا عبر القيام بعمليات إرهابية ضخمة وذات نتائج تدميرية هائلة ، بحيث تحقق أقصى قدر من الإثارة الإعلامية.

المنهج الثالث: الزعم بأن القاعدة تتحدث بالنيابة عن الشعوب العربية والمسلمة المقهورة.

المنهج الرابع: هو تقسيم العالم إلى أخيار وإلى أشرار.

وتحدث علي بكر، الباحث في شئون الجماعات الإسلامية والقاعدة ، عن عمليات تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، متناولاً خطر القاعدة على الأنظمة بعد الثورات العربية، معتبرا أن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي سوف يُمثل خطراً حقيقياً على الأنظمة الموجودة في المنطقة لأنه لديه مشروعه الإسلامي الجهادي الذي يسعى إلى تصديره إلى جميع البلدان العربية، خاصة دول الجوار. كما أنه سوف  يكون الذريعة التي  ستتخذها الدول الغربية للعودة من جديد إلى المنطقة.

وأضاف أن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي يعد أحد نماذج القاعدة. فهو يوجد في ثلاث صورهي : الأولي: القاعدة الأم التي أنشأها بن لادن عام 1997. الثانية: هى أفرع القاعدة وهى التي نشأت بأمر مباشر من أسامة بن لادن، مثل تنظيم القاعدة في جزيرة العرب: الثالثة، وهى تلك النماذج التي تنشأ في ظروف معينة وليست بأمر من أسامة بن لادن ، وليس لها علاقة بتنظيم القاعدة الأم ، ولكنها تستلهم مبادئ وأفكار تنظيم القاعدة، وتؤمن بطريقة التنظيم وأسلوبه.

وأشار بكر إلى مجال عمل تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي الذي ينشط بصفة أساسية في الجزائر، ويمتد نفوذه إلى موريتانيا، وتونس، والنيجر، ومالي، وجنوب الصحراء  .ويتولى التنظيم تدريب عناصر من دول الجوار التي تنفذ عمليات داخل أراضيها على غرار موريتانيا والمغرب وتونس.

وأضاف أن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وإن كان يمثل خطراً حقيقياً ،فإنه في الوقت  نفسه سوف يكون الذريعة التي سوف تستخدمها العديد من الدول والقوى الخارجية لتحقيق أهدافها ومصالحها في المنطقة ، حيث شهدت الأشهر الأخيرة تحركات أمريكية وأوروبية مكثفة من أجل إيجاد موضع قدم لكل منها في المنطقة تحت مسمى البحث عن وسيلة للقضاء على التنظيم ، حيث تعددت الحلول المطروحة.

وحذر من التوتر الذي تشهده المنطقة ، خاصة في ظل الحرب القائمة في ليبيا، لأن تلك الأحداث ستسمح لتنظيم القاعدة في بلاد العالم الإسلامي بزيادة القدرة التسليحية له من خلال سهولة الحصول على الأسلحة المتطورة والمتقدمة، والتي لم يكن التنظيم يمكنه الحصول عليها من قبل، لولا تلك الأحداث الجارية في ليبيا ، مما يزيد  من القدرة العسكرية لهذا التنظيم، خاصة في بلاد المغرب الإسلامي، مما ينذر بخطورة حقيقية على الأنظمة الموجودة في المنطقة ، خاصة دول الجوار، وهوما يمكن أن يكون الذريعة التي سوف تتخذها الدول الغربية للعودة من جديد للمنطقة.

وانتهي د.عماد جاد نائب، نائب مدير مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام ، إلى أن هُناك إمكانية لبناء نموذج مصري مُعتدل يستوعب كافة التناقضات، وبالتالي على القوى السياسية أن تلتقي في نقطة وسط مع الآخر، وتقديم نموذج متسامح.

وطرحت الندوة عددا من التوصيات لمواجهة خطر التيارات الجهادية  من أبرزها:

1- ضرورة أن تعمل جميع مؤسسات المجتمع المدنى والدينى في الدول المرشح القيام فيها بعمليات إرهابية، خاصة الدول العربية، فى توافق ووحدة متناغمة فى صالح الفرد تحت نطاق القانون، لكبح جماح التطرف والتشدد الدينى والأفكار المنحرفة من استغلال المراهقين والشباب، حيث إنها معركة أفكار فى المقام الأول.

2- يتوجب على الدولة العمل على تجفيف منابع التمويل المالى للإرهاب ،الذى يعد عصبه الحيوى، ومراقبة أفراد الجمعيات الخيرية وما إلى ذلك، خاصة أن دول الخليج – عدا السعودية – يشار إليها بأنها المصدر الأساسى لتمويل الإرهاب ( القاعدة ) كإتاوة حتى لا يصل الإرهاب إليهم . وما يدل على ذلك أن هذه الدول لم تشهد عملية إرهابية واحدة طوال سنوات النشاط الإرهابى؟!.

*باحثة مصرية

————–

المصدر: السياسة الدولية

-- أسماء محمد فريد*

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*