الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » ندوات ومؤتمرات » منبر الجمعة .. بوابة الأمن الفكري

منبر الجمعة .. بوابة الأمن الفكري

 نظم فرع وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد في المنطقة الشرقية الندوة الخامسة ضمن برنامج ندوات الأمن الفكري الموجه لأئمة وخطباء المساجد والجوامع تحت عنوان: “رسالة المسجد وأثرها في تعزيز الوسطية في المجتمع”.

أقيمت الندوة في قاعة المحاضرات في مقر برنامج الأمير محمد لتنمية الشباب بالدمام وشارك فيها كل من فضيلة الدكتور عبدالله بن محمد الطيار أستاذ الشريعة في جامعة القصيم، وفضيلة الشيخ عبدالله بن محمد اللحيدان مدير عام فرع وزارة الشؤون الإسلامية بالمنطقة الشرقية، ورأس الندوة فضيلة الشيخ سامي المبارك المشرف التربوي في إدارة التعليم بالمنطقة الشرقية.

قد تحدث في الجزء الأول من الندوة فضيلة الدكتور عبدالله الطيار وتناول في حديثه التعريف برسالة المسجد، ومسؤولية الإمام في تحقيقها، ورسالة المسجد الخطابية وأثرها التوجيهي على الفرد والمجتمع، والوسطية بين المفهوم الشرعي والمفاهيم المغلوطة، وضوابط الوسطية المطلوبة في منهج الخطيب من القرآن والسنة وكذلك نماذج من وسطية الرسول صلى الله عليه وسلم وثمارها على المجتمع، فقال: إن المسجد من أهم معالم الإسلام، وهو مهد الانطلاقة الكبرى التي شهدها تاريخ الإنسانية، ولم يعرف في تاريخ أي حضارة مسجد أثر في مسار العالم كمسجد محمد صلى الله عليه وسلم، ثم تتابعت المساجد من بعده تنشر العلم والنور والرحمة والعدل، فهو مكان أعظم العبادات وأجلها بعد التوحيد، وساحة تجمع للتآخي والتواد والتراحم، فيه يتعلم المسلمون النظام والوحدة، والطاعة، والقيادة، والجندية، كما أنه يرفع المستوى الثقافي للأمة من خلال الاستماع للقرآن وقراءته وتدبره بما فيه من تشريع وآداب وأخلاق، ومن المسجد يتخرّج أساتذة العقيدة، والحديث، والفقه، وعلوم العربية، وغير ذلك، وهو محطة للإنسان، يتزوّد منها لدنياه وآخرته، كما أنه رباط روحي بين العبد وخالقه.

ولخص فضيلته دور المسجد في المجتمع المسلم ورسالته في إقامة الأذان والإمامة والصلوات، والدعوة والتعليم والفتوى، وللمسجد كذلك دور اجتماعي كبير في المجتمع الإسلامي، حيث إنه يعد ملتقى للمسلمين، يجتمعون فيه كل يوم خمس مرات، لأداء الصلاة والترابط والتواد، والتعاطف، وتقوية أواصر المحبة والأخوة، ويتولد عن ذلك التفقد والتزاور، فيعودون مرضاهم، ويشيعون جنائزهم، ويتفقدون غائبهم، ويقفون مع من حلَّت به مصيبة أو نزلت به نازلة، ويشاركون بعضهم بعضاً في الأفراح والأتراح.

“مسؤولية الإمام”

وانتقل بعد ذلك الدكتور الطيار للحديث عن مسؤولية الإمام الشرعية تجاه المسجد ورواده، فقال: إن الإمام مسؤوليته عظيمة، ومهمته خطيرة وجسيمة، فهو مسؤول عن جماعة المسجد سواء كان ذلك بإمامتهم في الصلاة، أو القيام بتعليمهم ونصحهم وإرشادهم، والسؤال عن غائبهم، وزيارة مريضهم، وتفقد محتاجهم، وعليه أن يتحمل هذا الواجب بأمانة وإخلاص وصبر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في حق الأئمة والمؤذنين “الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين..” رواه أحمد وغيره، وصححه الألباني. ومن علم من الأئمة عظم الأمانة، وشدة المسؤولية تمنى ألا يكون إماماً لمسجد لأنها تعد من الأمانات العظيمة، والتي سيسأل عنها يوم القيامة، ولكن الله تعالى يبتلي عباده بما يشاء فيرى الحريص من المتهاون، والجاد من الهازل، والمخلص من المرائي، والصادق من الكاذب.

واسترسل فضيلته قائلاً: وتتحقق براءة الذمة للإمام باحتسابه بالقيام بهذا العمل لوجه الله تعالى، وبحرصه على إمامة الناس في الصلوات، وتعليمهم، وإرشادهم، ونصحهم، وتوجيههم والسؤال عن غائبهم، وتحري متخلفهم، وإرشاد ضالهم، وأن يتصف بحسن الخلق، والرفق والتؤدة عند التعامل مع إخوانه المصلين، قال عليه الصلاة والسلام: “من يحرم الرفق يحرم الخير”، ويتجاوز الإمام براءة الذمة، إذا حقق المطلوب ولم يقصر فيه، وكان ساعياً إلى كل ما كان فيه نفع لجماعته ولأهل الحي من حوله.
وفي هذا الصدد، نصح الشيخ الدكتور عبدالله الطيار أئمة المساجد وخطبائها بأن يفقهوا الناس ويعلموهم ويبلغوهم ما أعطاهم الله من العلم، وأن يتسابقوا في هذا الخير، وأن يسارعوا إليه، وأن يتحملوا هذا الواجب بإخلاص وصبر، وأن يحتسبوا ذلك عند الله، حتى يبلّغوا دين الله لعباد الله، وحتى يعلموا الناس ما أوجب الله وما حرم عليهم، فكل طالب علم منَّ الله عليه بالفقه في الدين، وكل عالم فتح الله بصيرته عليه أن يستثمر ما أعطاه الله من العلم، وأن يوظف كل فرصة تمكنه من الدعوة، حتى يبلّغ أمر الله وحتى يعلم الناس شريعة الله، وحتى يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويشرح لهم ما قد يخفى عليهم مما أوجبه الله أو حرمه عليهم.

“رسالة عظيمة”

عقب ذلك تحدث فضيلته عن رسالة المسجد الخطابية وأثرها التوجيهي على الفرد والمجتمع، وخصوصاً الرسالة المنبرية، فالمنبر يعتبر دعامة قوية في مساجد المسلمين، عليه يقوم العلماء والخطباء والدعاة، ومن فوقه تعلو الأصوات وتوجه الإرشادات والعظات.
والمنبر له رسالة عظيمة وجليلة، فهو مكان تعليم وإرشاد ونصح وتذكير، منه تسمع المواعظ والدروس والتوجيهات وعن طريقه ينشر العلم، ويعلم الجاهل، ويذكر الغافل، ويبين الحق من الباطل، والحلال من الحرام.

وتطرق فضيلته إلى أحوال الخطيب اللائقة قبل الخطبة، والصفات السلوكية للخطيب، كيف يعد كل منا موضوع الخطبة، ومقاصد الخطبة الأسبوعية، وصفات الخطيب الإلقائية، وأسس الخطيب الناجح، وأسس البناء الثقافي للخطيب، وروحانية الخطيب، ومصادر الخطبة والوعي الجماهيري.

وأبان الدكتور عبدالله الطيار أن من وسائل الارتقاء بالمنبر: (البناء الروحي بديمومة التعبد وإصلاح النفس)، (الحس الثقافي بالتواصل المعرفي)، (الأثر النبوي بتوظيف السنن على النفس اقتداءً وعملاً)، (الاهتمام المعتبر المورث لليقظة، واستعظام شأن الخطبة)، (حسن التدرب بكثرة الألقاء)، (حسن التحضير بالبحث والتنقيب وتهيئة العناصر والأدلة، والشواهد والأخبار)، (اللمسة التجديدية من خلال تنويع الموضوعات)، (حسن الإلقاء)، (النضج الفكري بحسن اختيار الموضوع، ومراعاة أحوال الناس)، (القوة الشخصية المتمثلة في صمود الخطيب، وصلابته وحسن هندامه، وهدوئه ورزانته، وقوة إقناعه)، (مواكبة الأحداث بحيث لا يكون بعيداً عن أشجان المسلمين وأحاسيسهم)، (الإصغاء للنقد لأن الناقد بصير والمستمع لماح).

“التحذير من الفكر الضال”

وأوصى فضيلته خطباء الجوامع أن يحرصوا على رسم الطريق الصحيح للمسلمين، وتبصيرهم بوسطية الإسلام وسماحته وعدله، ويحذروهم من الفكر الضال الذي أثر على مجتمعات المسلمين، فكان سبباً في إغلاق أبواب خير عظيمة، وسد طرق للعلم كثيرة، كما ينبغي على كل خطيب سلوك هدي الحبيب في التعليم والتوجيه والنصح والإرشاد، فهو خير سبيل، والبعد عنه سبب في الجنوح عن الطريق، والوقوع فيما يضر الأمة قبل الأفراد والمجتمعات.

وفي سياق حديثه، تناول الدكتور الطيار الوسطية بين المفهوم الشرعي والمفاهيم المغلوطة، موضحاً أن الوسطية المطلوبة هي المرتكزة على الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة، مشيراً إلى أن الوسطية والاعتدال معنيان مترادفان في المفهوم اللغوي، والشرعي والاصطلاحي فهما العدل والاستقامة والخيرية والاعتدال والقصد والفضل والجودة، فالاعتدال والوسطية منهج الحق، ومنهج الأنبياء وأتباعهم، ويتمثَّل ذلك بالإسلام بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم وبالسنة، ومنهج السلف بعد ظهور الأهواء والافتراق، فأهل السنة والجماعة هم العدول الأخيار في العقيدة والعبادة والأخلاق والمواقف.

وقال: إن المملكة العربية السعودية تعد الامتداد التاريخي والحضاري لدولة الإسلام الأولى، فقد تأسست على هدي الكتاب والسنة منذ نشأتها الأولى، وقد ارتسمت في منهجها التزام النهج النبوي وهدي السلف الصالح، وقد توالى بعد ذلك على هذه الدولة الفتية الأمراء والملوك يأخذون على عاتقهم المحافظة على مبادئها والعمل على تحكيم شرع الله في كل شؤونها، وقد تبوأت هذه الدولة بفضل الله أولاً ثم بجهد أولياء أمورها وعلمائها ومواطنيها مكانة عالية مرموقة في أوساط العالم كله، وجمعت بين هدي الإسلام وتعاليمه وأسباب الحضارة والتقدم في جميع المجالات.

وأكد فضيلته أن وسطية الإسلام تقتضي إيجاد شخصية مسلمة متزنة تقتدي بالسلف الصالح في شمول فهمهم واعتدال منهجهم وسلامة سلوكهم من الإفراط والتفريط، والتحذير من الشطط في أي جانب من جوانب الدين، والتأكيد على النظرة المعتدلة المنصفة والموقف المتزن من المؤسسات والأشخاص في الجرح والتعديل، وهي التي تلزم الأمة الإسلامية بمقاومة الغلو والتطرف في الدين، ورد الغلاة إلى منهج الاعتدال والحكمة، ورعاية حقوق نفسه وحقوق غيره، وهي التي تقف حائلاً دون الوقوع في الغلو والتشدد، ولها الأثر الطيب في الحد من تلك الظواهر الغريبة على الإسلام وأهله، وإذا طبقها المسلمون في حياتهم حازوا قصب السبق، وفازوا بخيري الدنيا والآخرة، مؤكداً على أهمية تأصيل منهج الوسطية ومعالجة الغلو والتطرف والتعصب الديني، مع تنمية الوازع الديني لدى أفراد المجتمع، والاهتمام بالنشء، بالتوجيه من خلال المنابر، وتعليم المسلمين المنهج الوسط، وتحذيرهم من مناهج الغلو والتطرف، والتفريط في أمور الدين.

“ضوابط الوسطية”

ثم عرض فضيلته بعد ذلك ضوابط الوسطية المطلوبة في منهج الخطيب من القرآن والسنة، فقال: إن من الضوابط المطلوبة في منهج الخطيب، التوجيه لما يلي: أهمية اجتماع الكلمة ومنزلتها في الإسلام، مع ضرورة لزوم الجماعة والحذر من الفرقة، وإيضاح منهج أهل السنة والجماعة في التعامل مع أولياء الأمور، وبيان حقوقه، ووجوب طاعتهم في المعروف. قال صلى الله عليه وسلم: “من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني وإنما الإمام جُنَّةٌ يقاتل من ورائه ويتقى به فإن أمر بتقوى الله وعدل فإن له بذلك أجراً وإن قال بغيره فإن عليه منه”، وقال صلى الله عليه وسلم: “من كره من أميره شيئاً فليصبر فإنه من خرج من السلطان شبراً مات ميتة جاهلية”، وتذكير المسلمين بأهمية الوسطية في الإسلام، {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} [البقرة: 143]، والتحذير من فكر التكفير والتفجير، مع تعظيم حرمات الدماء المعصومة من المسلمين وغيرهم، قال صلى الله عليه وسلم: “لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً” وقال صلى الله عليه وسلم: “من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً” رواه البخاري، ومن الضوابط المطلوبة في منهج الخطيب، التحذير من خطورة الغلو في الدين، قال صلى الله عليه وسلم: “إياكم والغلو، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين”، والتأكيد على وجوب التمسك بالكتاب والسنة، وخصوصاً عند وقوع الخلاف، وموقف المسلم من الفتن وكيفية التعامل معها، وتقوية المواطنة الصالحة في ضوء تعاليم الإسلام، قال صلى الله عليه وسلم: “والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ولولا أني أخرجت منك ما خرجت”، وبيان فضل العلم والعلماء وأثرهما في التربية والتوجيه، وبيان دور الجهات التعليمية في تربية النشء وحفظ الأمن، وضرورة الأمن وأثره في حياة الناس، إلى غير ذلك من الضوابط المهمة التي ينبغي على الخطباء التوجيه إليها، وحث الناس على التمسك بها، وتجنب ما يخالفها ويضادها.

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*