الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » ندوات ومؤتمرات » ندوة الشروق الجزائرية / جمعت بين دعاة وتائبين من تنظيمات إرهابية

ندوة الشروق الجزائرية / جمعت بين دعاة وتائبين من تنظيمات إرهابية

نظمت جريدة الشروق الثلاثاء الماضي ندوة مفتوحة شارك فيها كوكبة من العلماء وأساتذة الجامعات والأئمة والدعاة الجزائريين بالإضافة إلى مجموعة من التائبين على رأسهم عبد الخالق عبد الحفيظ، نوقش فيها موضوع “دور العلماء في مكافحة التطرف”.

الندوة التي نشطها الزميل مصطفى فرحات واحتضنتها قاعة المحاضرات للمركز الدولي للصحافة، فُتح فيها المجال لمناقشة بعض القضايا التي تصب في مجرى ظاهرة التطرف وتداعياتها السلبية التي أغرقت خلال التسعينات الجزائر في سيل من الدماء، من زاوية دور العلماء في حماية عقول الشباب من أخطار العصبية الدينية المؤدية للعنف، والتباحث حول السبل الكفيلة بإرجاع العلماء إلى دورهم الريادي في قيادة المجتمع. ولتعميم فائدة النقاش تنقل الشروق اليومي تفاصيل هذه الندوة.

الدكتور الداعية وجدي غنيم: علماء الأمة مسؤولون أمام الله عن انحراف الشباب

عبّر الدكتور الداعية وجدي غنيم في بداية كلمته عن شكره الجزيل للشروق ولوزارة الشؤون الدينية والأوقاف ومسجد الفردوس بعنابة على الرعاية التي منحوها لجولته الدعوية التي قادته قبل أيام إلى 11 ولاية جزائرية. كما وصف لقاءه بالعلماء الجزائريين بخاتمة المسك التي تمناها قبل مغادرته.

وقال الداعية تعقيبا على دور العلماء في الوقاية من ظاهرة التطرف والعصبية الدينية المؤدية للعنف: “إن الله خلقنا للآخرة والعلماء وحدهم من يحقق لنا غاية الخلق هذه، لكونهم الفئة الوحيدة المؤهلة للحديث في الحلال والحرام الفاتحين لأبواب الجنة” وأضاف “العلماء الذين يرددون على السلطان مشكوك في دينهم، فالأصل أن رجال السلطة هم الذين ينزلون إلى العلماء ليستشيروهم ويتبينوا منهم الطرق التي يسلكونها لتسيير شؤون الناس بناء على القواعد الشرعية.

وفي نفس السياق، قال “إن العلماء والأئمة لا يجب أن يؤدوا أدوارهم في منابر المساجد فحسب، بل يجب أن ينزلوا للمجتمع ويأخذوا دورهم في توعية الناس وقيادتهم فكريا، حتى لا يكونوا عرضة لفوضى الأفكار التي تجتاح عالم اليوم، ومن ثمة تأخذهم رياح الانحراف إلى كل مهب”.

ودعا في هذا الإطار العلماء إلى النزول من أبراجهم العالية ليعيشوا مع الناس تفاصيل حياتهم اليومية حتى يتشكل لديهم الفهم الصحيح لما يعيشونهم”.

وأضاف “الخطاب الذي يصل إلى الناس هو القريب من أفهامهم والبعيد عن الكلام المنمق، الذي يجعل العلماء يهيمون في واد والناس في واد آخر، وعلى الجزائر أن تسير بخطى واثقة وأن تفتح ذراعيها لعلمائها حتى يؤدوا دورهم المنوط في تعبئة عقول الشباب بما يخدم دينهم ووطنهم، ولو تحقق ذلك ستتمكن من قيادة الدول الإسلامية والعربية جميعها، على اعتبار أن جزائر اليوم توجد في مرحلة إقلاع هامة نحو المستقبل.

وعبر الدكتور وجدي غنيم في معرض كلمته عن تذمره من عشرات الفضائيات ووسائل الإعلام العربية عموما التي تقدم الرذيلة لشبابنا، وتقمع فيه نخوته وغيرته على دينه، ما تسبب في صناعة جيل مهترئ موغل في الانحراف، وهو ما تسبب في كسر الكثير من القيم التي كانت أثناء العصر الذهبي قاعدة لنهضة الدولة الإسلامية فيما سبق. وفي هذا السياق، انتقد غياب دور الحكومات العربية التي لا تمنع ما تقدمه هذه الوسائل لشباب المسلمين، وأشاد في نفس الوقت بما تقوم به القلة القليلة من الحكومات التي تعمل على عدم السماح للمواقع والقنوات الإباحية بالبث داخل مجتمعاتها.

وختم الشيخ وجدي حديثه بنداء وجهه للعلماء الجزائريين والمسلمين عموما، وهو أن يلعبوا دورهم القيادي داخل مجتمعاتهم، وأن يعملوا على تحصينها من الأفكار المتطرفة المتعصبة التي تكون نهايتها الفتن والأزمات.

التائب عبد الخالق عبد الحفيط : “كنا نعتقد أنه لا يوجد في الجزائر علماء وكل من لا يتهجم على النظام متهم في دينه”

كان ينقص علماء الجزائر وأئمتها أن يسمعوا ممن مارسوا التقتيل والتنكيل بالجزائريين سنوات التسعينيات كي يفهموا ما أصاب عقول الشباب في تلك الفترة وهم يقبلون على الإجرام بتلك الاستماتة، وجاءت شهادة عبد الخالق عبد الحفيط، أحد أولئك الذين ضلّوا بالفتاوى الهدامة ثم تابوا، لتزيل بعض الغموض عن تلك الأفعال، عندما قال صاحب الشهادة “..لا بد من محاربة الفكر بالفكر لأن حامل الفكر الضال يكون أفتك على الأمة من أي سلاح”.

في ندوة “الشروق” بحضور الداعية المصري وجدي غنيم، جاءت شهادة التائب عبد الخالق عبد الحفيظ، لتكشف الكثير مما ظل مستورا إلى حد الآن عن الدوافع والأسباب التي أدت بفئة كبيرة من شباب الجزائر، سنوات التسعينات، إلى الإقدام على التقتيل والتنكيل بأبناء بلدهم وإخوانهم دونما أدنى حرج، حين عصفت الخلافات بوحدة الأمة ودبّت الفرقة بين أبناء العائلة الواحدة وقتل الإبن أباه الشيخ والأخ أخاه وتجرأ الولد على أمه وذُبِّحت الصبية وبقرت بطون النساء وانتهكت الحرمات وأبيد أهل قرى ومداشر عن آخرهم وخربت الأملاك وحل الدمار.. كل هذا حصل إتباعا لفتاوى ضالة جائرة وقعها أشباه علماء حاقدين كانوا يرسلونها من بلاد بعيدة ليتقيد بها أبناء الجزائر وينفذوا نصوصها دونما عقل..

” واتبعنا واقترنت العاطفة عندنا بالحقد على النظام وأوصلنا الحقد حد القناعة معتقدين أن من كان يفتينا علماء” قال عبد الخالق وهو يدلي بشهادته أمام قاعة مليئة تصغي إليه بإنصات، فقلما تكون الفرصة لسماع إرهابي تائب من ذنبه يجيب أمام الملأ عن سؤال مدير الندوة “ما هي الفتاوى التي دفعتكم إلى الإقدام على ما فعلتم، هل هو تحقير لدور العلماء في الجزائر أم ماذا؟”.نحن سمعنا.

وكان القصد من السؤال لعبد الخالق واضحا في معرفة أسباب تجاوز علماء الجزائر لإتباع غيرهم ولو أفتوا بضياع البلاد والعباد، ليقول عبد الخالق “إن الفتنة إذا أقبلت عرفها كل عالم وإذا أدبرت عرفها كل جاهل، فقد كنا نعتقد أن علماء الجزائر ليسوا علماء في ذلك الوقت، واتبعنا خطباء متحمسين يتهجمون على الحكام، وكل من كان لا يتهجم على النظام في تلك الفترة كان يتهم في دينه”.

هذه أبسط فكرة يمكن أن تقرب واقع الفكر السائد في تلك السنوات، لذلك قال عبد الخالق “الفكر لا بد أن يحارب بالفكر وليس بالسلاح” في إشارة إلى السنوات الطويلة المريرة التي دامت فيها مكافحة الإرهاب دون أن تقضي نهائيا على هذا الفكر المنحرف “هناك فرق بين الإرهاب والإرهابيين، لأن الأفراد يذهبون ويموتون ويأتي آخرون متشبعون بنفس الفكر”.

وذكر التائب كيف أنه ومجموعة كبيرة ممن اتخذوا من الجبال مكانا لمحاربة مجتمعهم، تابوا عن ذنوبهم ورجعوا إلى جادة الصواب “بفتاوى العلماء نزل آلاف من الجبل وتخلوا عن العمل المسلح وفي 17 سنة من المقاومة المسلحة لم يقض إلا على عدد معلوم منهم”، أو بمعنى قول المتحدث أن فتوى أخرجت هؤلاء من المجتمع ووضعتهم في مواجهته وفتوى أخرى أرجعتهم مثلما لم يفعله السلاح.

ورغم أن مداخلة عبد الخالق، الذي تحدث نيابة عن مجوعة من زملائه كانوا حاضرين معه في القاعة، جاءت قصيرة وكانت في بدايتها في شكل خطبة عصماء، ذكر فيها المتحدث كيف أن مسائل خطيرة وكبيرة تتعلق بحياة الأمة مثل التكفير والخروج عن الحكام والدماء والأعراض والشعوب تجرأ عليها كل من هب ودبّ، رغم كونها من الاختصاص الخاص للعلماء الكبار وفحول الأئمة والمشايخ، لكنها في الجزائر أصبحت مباحة “للأحداث من العلماء الذين ظلّوا وأظلّوا وهلكوا وأهلكوا، فتنامت ظاهرة أنصاف العلماء والأصاغر ممن أفتوا في مسائل وقف فيها الكبار من العلماء حيرى!”.

ولأن من تجرأ على الفتوى في الجزائر كان من غير أهل العلم والورع، صبّ حقد هؤلاء على حقد أبناء الجزائر من المهمشين و”المحڤورين” ومن ضاعت حقوقهم هنا وهنا فكانت الفتنة الكبرى “انتقلنا من التقتيل وقتل رجال الأمن إلى التكفير والردة ورحنا نتشبع بفكر من كانوا ينفثون السم فينا”.

ومن أمثال هؤلاء قال عبد الخالق “أبو قتادة، أردني الجنسية، كان يرسل في كل مرة فتوى أشد وكذلك أبو بكر الطرطوسي وغيرهم”، مسترسلا “أبو قتادة أطلق فتويين الأولى سماها »عظيمة الشأن« قال فيها بجواز قتل عائلات رجال الأمن ونسائهم وأبنائهم لأنهم استمرار لهم، ثم فتوى ثانية وسماها »قتل خطباء المنابر« وكان يقصد بها أئمة المساجد التابعين لوزارة الشؤون الدينية لأنهم ينصرون الطاغوت”.

وما كان من الشباب معمي البصيرة وقتها إلا التنفيذ “مدفوعين بالإخلاص والحماسة وحب الدين لأنهم ظنوا أنه الحق”.

وتذكر المتحدث الحماسة التي كانت تسيّر عقول الشباب قبل التوبة فحذّر من خطورة الفكر الذي ينساق وراءه الانتحاريون حاليا “هي عقيدة خطيرة لا بد أن يقنع صاحبها بعكسها ليتخلى عنيها وليس بطريقة أخرى”، مؤكدا على ضرورة أن “ينهض علماء الجزائر ويتحركوا لإنقاذ أبنائها الضالين، وأن ترتبط المصالحة الوطنية بالدولة وليس بالأشخاص الذين يعرقلون تطبيقها على أرض الواقع لتمد يد العون للجميع من أجل صالح البلاد والعباد”، وقد لقيت تلك الشهادة اهتماما بالغا من قبل الحضور على رأسهم الداعية وجدي غنيم وكذلك أئمة الجزائر الذين استعملوها خلفية ليذكروا بالصعوبات التي لقوها سنوات الجمر لبث الأمل في نفوس الجزائريين اليائسين وقتها من كل أمل.

حسن موسى إمام بمسجد في السويد: المصالحة حق دستوري وواجب شرعي:

شدّ الإمام الذي يخطب في الجزائريين والأجانب في المهجر بشهادة عبد الخالق التائب “سررت لسماع الأخ الذي كان يحمل السلاح والآن يحمل السلام” ليؤكد “غادرت في 1984 الجزائر ثم جاءت فتنة الإرهاب والنار والدمار والتكفير والتدمير وكنت وقتها على وشك التخرج من جامعة المدينة المنورة وأذكر فضل الشيخين المرحومين بوسليماني ونحناح في التعريف بما يحدث من فتن في الجزائر”.

وفي أوربا أين كان يعمل “ابتلينا بأصناف كثيرة من الناس وكانت نشرية الأنصار توزع بكثرة تحمل مختلف الفتاوى المتطرفة ومن كانوا يفتون في شؤون الجزائر لم يكونوا جزائريين، بينما كان الجزائريون وقتها يعانون من الاستلاب الفكري والعقائدي وكانوا يعيشون في ضياع”.

لكن الجزائر، حسبه، “لها مسؤولية في ضياع هؤلاء فلم تتكفل بالجيل الثاني ولا الثالث في المهجر وكنا من جهتنا ممنوعين من دخول الجزائر”.

كان الإمام يقول في المؤتمرات “بعض الشباب كانوا يقاتلون بالوكالة في وقت تقهقر دور العلماء في ظل عدم وجود سياسة واضحة لمواجهة الفكر بالفكر، وفي وقت كنا نريد أن ندافع عن الجزائر كان يفتح لنا المجال في الخارج ويغلق علينا في الجزائر فلم يبق إلا صوت دعاة التكفير والتفجير”.

وحسبه، فإن الهم الوحيد هو أن تتحقق المصالحة وتعيش الجزائر في سلام وعزة وكرامة و”المصالحة حق دستوري وواجب شرعي” بالنسبة إليه.

الشيخ سعيد إمام بمنطقة الرايس: علينا إرجاع هيبة العلماء ودورهم القيادي:

الإمام سعيد مثلما وصف عاش في قلب الأزمة سنوات الخراب والدمار في منطقة براقي “المحرمة” وقتها فقال “من حكم تجربتي في منطقة براقي أين ترعرع هذا الفكر أقول إن سبب الأزمة هو تغييب العلماء وعدم وجود ضوابط للأخذ من العلماء”، فأصبح الشباب حسبه “يتلقون الفتوى من الفضائيات من دعاة مجهولين أو كتب كتبها أبو كذا وأبو كذا، فانتشرت فكرة التكديس دون ثقافة ولا علم، ظنّا أنه من قام بتكديس الكتب والأقراص فقد اكتفى”.

لكن بعد أن تعافت الجزائر وبفضل العمل الذي قام به الأئمة على مستوى المساجد “وجدنا أن الشباب مقبل على العلم والعلماء ولمسنا ذلك عندما قمنا بتجربة تكريم العلماء”. وعليه، يرى أنه “لا بد على العلماء أن ينطلقوا ويشاركون الأمة أحزانها وأفراحها وننصح الشباب بالبحث عن العلماء ومجالستهم والنهل منهم والانتفاع بهم”.

الشيخ عبد القادر حموية إمام بمسجد النادي ببلوزداد: علينا تربية النشء على حب العلماء ومزاحمتهم في مجالسهم

صبت مداخلة الإمام عبد القادر حموية في احتياجنا لإدراك “قيمة المرجعية في الأمة”. فبعد مرور 100 سنة على احتلال الجزائر قال “احتفلت فرنسا احتفالا كبيرا بوفاة الإسلام وانقطاع روح المقاومة في الجزائر، لكن من أنقذت الجزائر كانت المرجعية الدينية المتمثلة في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين فلم تمر سنوات على نشرها روح التعبئة بضرورة التحرر حتى قامت الثورة”.

ويعتقد الإمام أنه “لا بد أن يكون لنا كبار وآباء، وعلينا تربية النشء على حب العلماء ومزاحمتهم في مجالسهم بعد أن كان هناك تنفير وإبعاد مقصود لهم في الجزائر”.

إضافة إلى ذلك يرى ضرورة “تسليط الضوء على علمائنا وإظهارهم وفتح المجال أمامهم للعمل ونشر أعمالهم وان تعتمد أقوالهم رسميا” لمواجهة ما يرد إلينا من القول والفكر الذي هو في غير صالح الأمة.

الدكتور وجدي غنيم يؤهل الجزائر لقيادة الأمة الإسلامية:

أكد الدكتور وجدي غنيم أن الجزائر بلد الجهاد ولا أحد يكابر في هذا، وأضاف أنها ودون مجاملة أو مزايدة مؤهلة لأن تقود الأمة الإسلامية، وفي وصفه لدور العلماء أفاد المتحدث أن العلماء هم الأعمدة التي يرتكز عليها البنيان ولولاهم لما استنارت الأمة ولا قامت، مركزا على أهمية مجابهة الفكر بالفكر عقب المداخلة التي قام بها التائب عبد الخالق حيث قال أنه لا يمكن لأية وسيلة أخرى كبح الفكر وتمرده لأن الفعل نابع من الفكر وهذا الأخير لا يمكن محاصرته بل يجب مناقشته وإقناعه من أجل تغييره وإصلاحه.

ونبه الدكتور وجدي غنيم إلى أن الرجوع عن الخطأ ليس عيبا أبدا بل هو مسألة مطلوبة حتى بالنسبة للعلماء، وضرب مثالا عن ذلك بفتوى كان يصدرها على مدار 25 سنة تتعلق بعدم وصول ثواب قراءة القرآن للميت إلى أن توصل بعد تأمل في مختلف الآيات والأحاديث إلى عكس ذلك وامكانية وصول الأجر إليه وحينها لم يجد المعني حرجا في العدول عن الرأي الأول والاعتراف بخطئه.

وبشأن شجاعة من يفجر نفسه في سبيل الله، لم ينف المتحدث أنها قمة الشجاعة وفاعلها بلغ درجة كبيرة من الإيمان غير أن ما حدث في الجزائر يؤكد أن شيئا ما على غير ما يرام فالفهم الخاطئ للدين يؤدي إلى إخلاص في أمر خاطئ وهو ما يستدعي ضرورة تحري الفهم الصحيح وأكد أن أول باب في الإيمان يسبق الإخلاص في النية هو باب الفهم الصحيح.

الشيخ محمد الشريف قاهر عضو المجلس الإسلامي الأعلى

شكر الشيخ قاهر الشروق على مبادراتها المتميزة تجاه العلم والعلماء وخدمة الدين وقال أنها “سبّاقة لكل خير مغلاقة لكل شر” واعتبر الشيخ قاهر العلماء مصابيح الأمة، غير أنه لا يمكن أن ينيروا إذا لم يوجد من يوقدهم ويقف إلى جانبهم وهو الدور الهام الذي يقع على عاتق أفراد الأمة، فإن وجدوا علماءهم في المقدمة ونيتهم صالحة لخدمة الوطن كانوا إلى جانبهم. وأضاف أن على هؤلاء الشباب أن يعلموا بأن في هذا البلد علماء ورجالا وأن يفتخروا بمن سبقهم ومن قدم لهم البلاد أمانة في أعناقهم وعلى الحكام والمسؤولين أن يعلموا أن هذه الأمانة يتحملها ويتقاسمها الجميع والدولة تتحمل أكثر من الآخرين، فالعالم يوجه والحاكم يقف إلى جانبه والأمة تستفيد من ذلك كله.

الشيخ أبو عبد السلام يثمّن دورهم الريادي ويؤكد :
العلماء مصابيح الأمة وهم أول من حارب الاستعمار الفرنسي.

شدد فضيلة الشيخ أبو عبد السلام على دور علماء الإسلام في الحفاظ على كيان الأمة وهويتها، طيلة الحقبة الاستعمارية، وأن جهودهم لم تنضب أبدا ولم تنقطع، فقد كانت الزوايا القلاع التي تحصن فيها الأئمة والدعاة الذين دأبوا على تعليم القرآن وأصول
ويؤكد الشيخ أبو عبد السلام بأن دور العلماء في حياة ينطلق من نقطتين أساسيتين، وهما ضرورة المعرفة الحقة لله تعالى، و هو ما يقود إلى الخوف والخشية منه، وكذا إلى استمداد العون والأمر منه، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول بأن العلماء أعرفهم إلى الله، فهم مصابيح الأمة، وورثة الرسل والأنبياء، وقد بشر خاتم الأنبياء بأن يأتي على رأس كل 100 عام من يبعث للأمة ويجدد إيمانها.

ويقول عضو جمعية العلماء المسلمين بأن الدعاة وعلماء الدين لم يسلموا أبدا من الفتن التي تعرضت لها الأمة الإسلامية قاطبة عبر مر الأزمنة والعصور، فقد كانوا دائما في الواجهة بفعل تصديهم لها ووقوفهم ضد كل ما من شأنه أن يفكك تماسكها ويمس بمعتقداتها “فالدعاة والعلماء هم المرجعيات للاستنارة وإيجاد الحلول، فحتى الإمام مالك لم يسلم من الأذى ومع ذلك ثبت وصمد وصبر، كما تضرر كثيرا الإمام الشافعي من الصراع المذهبي في مصر”.

وبرز دور العلماء والدعاة بشكل جلي طيلة الحقب الاستعمارية التي مرت بها الأمة الإسلامية، فابن تيمية كان مجاهدا، ولم يكن يرفع فقط لواء الجهاد، بل كان أيضا يدعو للإصلاح ومواجهة الفساد والانحرافات والبدع الضالة، وأيضا ابن تيمية وابن القيم، كما كان العلماء الجزائر يتولون مواجهة المؤامرات والعداءات التي حاولت أن تنال منها، وأن تسلح الجزائري بكونه جزائريا، وكان آخر تلك المؤامرات الاستدمار الفرنسي، فأول ما قاموا به الاعتصام في القرى والمداشر وتشييد مدارس القرآن والزوايا، التي تحولت إلى قلاع لمجابهة الاستعمار.

وفي هذا الصدد، يقول أبو عبد السلام بأن أول حركة ضد الاستدمار الفرنسي ظهرت عند العلماء والدعاة، التي تطورت إلى حركة المصلحين، ثم جمعية العلماء المسلمين، التي قادها عبد الحميد بن باديس، وقد كان أول من دعا إلى الثورة ضد المحتل حيث كان يقول: “لو عندي 10 رجال قادرين على حمل السلاح لأعلنتها ثورة على فرنسا”، وقد كان المجاهدون يحاربون المحتل تحت راية الله أكبر، وبها تحقق الاستقلال.

ونفى المتحدث جملة وتفصيلا أن يكون العلماء والدعاة تعرضوا لأي مضايقات بعد الاستقلال، بدليل أنهم استمروا في رسالتهم دون أي انقطاع.

الدكتور عبد المجيد بيرم (كلية العلوم الإسلامية الجزائر) :
يجب تحرير فكر الإنسان قبل تحرير جسده

يرى أمين عام جمعية العلماء المسلمين بأن تحرير الإنسان يقتضي أولا تحرير فكره، وهو ما كان يقوله دائما البشير الإبراهيمي، ونحن بطبيعتنا كجزائريين لدينا عاطفة متأججة، فإنه ينبغي إعادة تشكيل فكرنا وتحكيم عقولنا، مستدلا بما كان يقوله عبد الحميد ابن باديس الذي جمع طلابه في آخر أيامه، وسألهم: من أنا؟، ثم أجاب: أنا إنسان والإنسان يتميز بنعمة العقل”، مضيفا بأن الجزائر مرت بمرحلة جد صعبة ينبغي أن تستفيد منها، كما أن معالجة مخلفات العشرية السابقة تتطلب محاربة الأفكار الدخيلة التي تجانب الصواب، وتحقيق العدالة الاجتماعية التي يؤدي غيابها إلى التطرف، لأن الحڤرة واليأس تغذيلن العنف.

وفي تقدير المتحدث، فإنه ينبغي إيجاد قواسم مشتركة لتأطير الفكر، حتى لا تكون الجزائر مرتعا لكل الأفكار، إلى جانب وضع ضوابط للاجتهادات مع مراعاة الواقع الجزائري، وعقب عليه الدكتور وجدي غنيم بقوله أن الفكر قد يطغى وتحريره يجب أن يكون في سياق ضوابط شرعية، كما أن تحقيق العدالة الاجتماعية يجب أن تصاحبه عدالة سياسية واقتصادية وحرية الفرد.

نصر الدين الحامدي ممثل جمعية العلماء المسلمين في لندن :
الأحزاب الإسلامية الجزائرية لم تخدم الإسلام في الخارج

تساءل المتدخل عن غياب جهة قادرة على توجيه الفكر الإسلامي في الغرب وأوروبا على وجه الخصوص، منتقدا بشدة كون بعض الأحزاب السياسية هي التي تولت هذه المهمة، واستغلت الجالية الجزائرية المسلمة بما يخدم مصلحتها، داعية إلى ضرورة أن تتولى جمعية العلماء المسلمين هذا الدور وأن تتولى الريادة، موضحا بأنه سعى إلى تنسق جهودها تلك الأحزاب مع جمعية العلماء، لكنهم رفضوا الانضمام إليها، مع أن الجمعية هي بمثابة طوق أمان بفكرها الأصيل ورجالها “لهذا نحن نريد أن تكون هي الرائدة في الخارج، خصوصا وأن لا أحد عارض هذه الفكرة”.

عبد الوهاب حمودة أمين عام سابق بوزارة الشؤون الدينية :
الجزائر أخطأت في تأطير الجانب الديني فزاغ أبناؤها

يرى الأمين العام السابق بوزارة الشؤون الدينية بأن الأخطاء التي ارتكبتها الجزائر في تأطير الجانب الديني، تسببت في ضياع الكثير من أبنائها، خصوصا حينما رفضت إنشاء مديرية للشؤون الدينية في فرنسا، وهي المبادرة التي قادها المرحوم مولود نايت بلقاسم، الذي كان أول من أنشأ التعليم الأصلي، لكن للأسف تم توقيفه، داعيا إلى أخذ العبر ومعالجة الأمور بإخلاص وصدق: وكفانا ضلالا وتيها، لأن العدو يتربص بنا”.

الشيخ يوسف إمام مسجد العربي التبسي بحسين داي :
قمنا بواجبنا كأئمة وواجهنا الموت اقتناعا بدورنا كدعاة

أكد الإمام يوسف أن المرجعية إذا غابت تاهت الأمة، والعلماء هم مصابيح الهداية فإذا صمد البعض أمام هذه المحنة في المهجر فكثيرون آخرون لم يصمدوا. وفي حديثه عن تجربته أثناء العشرية الدموية، أفاد الشيخ يوسف أنه وأئمة غيره كثيرون قضوا حوالي 10 سنوات على المنابر لا يأمنون فيها على أنفسهم الرجوع إلى أهلهم سالمين، وكان لزاما على الأئمة الصمود في الميدان وتصحيح المفاهيم لكلا الطرفين. وخلال ذلك يقول المتحدث “كنا نتعرض إلى ضغوط من جميع الجهات لأن كل واحد كان يعتقد نفسه على حق.. المتعصبون في السلطة والمتعصبون من حملة السلاح”. وعليه، يجب أن لا ننسى دور هؤلاء العلماء الذين صمدوا في الميدان وكانوا يحدثون التوازن ويسعون إلى نشر خطاب الوسطية والاعتدال في أوساط المواطنين”، وأكد أن دور الإمام هو بعث الأمل في النفوس حتى في أحلك الظروف وهو ما فعلناه بالفعل ومع قلة العلماء المصابيح إلا أننا بقينا وحاولنا الإصلاح بكل ما أوتينا دون التخلي عن المبادىء الأساسية “فالظروف يمكن أن تكيّفنا لكنها أبدا لا تتلفنا”.

أما الفكرة الثانية التي أراد الإمام يوسف تمريرها فتتعلق بضرورة الاهتمام بالمستقبل وجيل المستقبل فنحن نتحدث دائما عن الماضي والحاضر ونتناسى المستقبل لذا نبه إلى أنه “لا يجب أن تشغلنا رهانات الحاضر عن ما هو آت”.

الشيخ محمد نجيب إمام مسجد الفردوس بعنابة :
النفور من السلطة إرث استعماري وعلى العلماء تغيير الذهنيات

كشف إمام مسجد الفردوس بعنابة الذي انطلقت منه حملة “كن إيجابيا” والتي جالت 14 ولاية لتستقر الآن في العاصمة أنه كان ممن يحملون التساؤل المتعلق بسبب تغييب دور العلماء في الجزائر أثناء العشرية الدموية وبعدها ولكنه لم يجد له جوابا فكل ما يتعلق بالسلطة كان منفرا لدى عموم الشعب الجزائري والجواب سمعه كما قال من أحد علماء الجزائر أثناء زيارة له إلى عنابة واعتبره جوابا مقنعا والجواب تمثل في أن الجزائريين جميعا ضحية ميراث 130 سنة استدمار وكان الآباء حينها يقومون بفصل الشعب عن كل ما له علاقة بالحكومة الفرنسية فرسخ في مخيلتنا أن كل ما له علاقة بالحكومة غير جيد ونسينا القياس مع الفارق وأن الأمر لا يتعلق بنفس الحكومة، فالآن نحن في حكومة جزائرية مستقلة، ولخص المتحدث الدور المهم للعلماء في إبراز هذه الحلقة والخروج من البوتقة التي وضعنا فيها والمشكل حسبه لا يكمن في غياب أو تغييب العلماء وإنما في هذا الإلصاق الذي يجب على العلماء إظهاره.

عبد القادر نور ممثل شعبة العلماء المسلمين بسطاوالي :
انقطاع دور جمعية العلماء بعد الاستقلال هو السبب فيما حدث بالجزائر

قال ممثل شعبة العلماء المسلمين بسطاوالي الأستاذ عبد القادر نور “لو استمر دور جمعية العلماء المسلمين بعد الاستقلال لما وصلت الجزائر إلى ما وصلت إليه فالجمعية استثمرت في الإنسان واستطاعت أن تحقق ما عجز عنه كثيرون”، وشكر المتحدث “الشروق اليومي” على المبادرة التي فتحت الأبواب أمام العلماء للتحاور مع الشباب التائب ممن حملوا السلاح يوما ما والتقرب إليهم لمعرفة تجاربهم ودوافعهم الحقيقية وهي أول مرة يستمع فيها العلماء إلى هؤلاء عن قرب.

توصيات الندوة :

1- فتح المجال لنشر أعمال العلماء، كتابة وتسجيلا، حتى يصل علمهم لمختلف الشرائح الاجتماعية.

2- تربية النشء على حب واحترام العلماء.

3- إيجاد قاسم فكري مشترك بين الجزائريين، حتى لا تكون العقول الجزائرية مرتعا للأفكار المتطرفة.

4- تسخير الإعلام الوطني لخدمة الأفكار الدينية المعتدلة، والترويج لثقافة الحوار بين كل الأطياف الفكرية.

5- لإعادة الاعتبار لجمعية العلماء المسلمين لكونها الأقرب إلى المجتمع الجزائري والأقدر على تحقيق التوافق الفكري.

6- إعادة الاعتبار للعلماء والدعاة أصحاب الفكر الوسطي المعتدل.

7- الاهتمام بالجانب الديني للمغتربين الجزائريين بالخارج من خلال مرافقتهم بأئمة وعلماء، وكذا إيلاء الاهتمام للأقليات المسلمة بالخارج.

8- البحث عن بدائل جديدة تتماشى والعصر وتتوافق مع دور المسجد والمدرسة في تربية وتعليم النشء.

9- فتح جسور الحوار المتواصل بين الأجيال، من أجل توريث الأفكار البناء والمحافظة عليها من الزوال.

10- ضرورة الاحتكاك المتواصل بين العلماء ومختلف الشرائح الاجتماعية.

الأصداء:

1- لم يفوت الدكتور وجدي غنيم فرصة الفوز بثواب تشميث العاطس، حيث قطع كلمتة الافتتاحية التي كان بصدد إلقائها لثواني وقام خلالها بتشميث أحد الحاضرين بالقاعة بعد أن عطس وهو فضل لا يدركه غير عالم جليل.

2- أبدى الشيخ أبو عبد السلام عند تناوله الكلمة تواضعا قلّ نظيره، حين علق قائلا: أتعب الدكتور وجدي غنيم من جاء بعده اقتباسا لمقولة عمر بن الخطاب “أتعب أبوبكر من جاء بعده” لعدله وإنصافه ومن شدة تواضع الشيخ أبو عبد السلام استسمح أستاذه الشيخ الدكتور محمد الشريف قاهر لإلقاء الكلمة في حضوره وقبله لعرض لوحته كما قال وهو الأقدر والأجدر.

3- تأثر الحاضرون خلال الندوة بمداخلة الشيخ يوسف إمام مسجد العربي التبسي الذي أعادنا إلى العشرية الدموية ولم تستطع معها زميلتنا الصحفية لطيفة بلحاج تمالك نفسها وحبس دموعها.

4- تصادف تاريخ تنظيم الندوة مع ذكرى تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، واعتبر بعض الحاضرين ذلك فأل خير على العلم والعلماء في الجزائر.

-- السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*