السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » ندوات ومؤتمرات » منطلقات هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في تعزيز الأمن الفكري لرعاية المصالح العامة

منطلقات هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في تعزيز الأمن الفكري لرعاية المصالح العامة

مقدمة:

الحمدُّ لله حمدًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربَّنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبيّنا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله وسلَّم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه، وأتباعه إلى يوم الدين، أما بعد:

إن الغلو في الفكر والتشدد في التعامل مع النصوص الشرعية وكذا الانحراف فيها ليس أمرًا مستجدًا في واقع المسلمين، وإنما هو ظاهرة قديمة ظهرت مع ظهور الفرق، سواءً الذين أخذوا بظواهر النصوص وكفّروا المسلمين وأحلّوا دماءهم وأموالهم، أو الذين وسّعوا دائرة الاستنباط وحملوا النصوص ما لم تحتمل، أو الذين أوّلوها على غير مستند في التأول، وقد ترتبت على هذا النمط من التفكير آثارٌ وخيمةٌ على فهم الإسلام ونشره في العالم وعلى أهله إلى عصرنا الحالي، حيث لا يزال هناك من يتعامل مع النصوص الشرعية، ويتشددون في أحكامها، معتمدين على بعض الفتاوى الشاذة من بعض صغار العلم، أو من بعض الجهّال الذين لم يبلغوا بعد درجة الفتيا في العلم الشرعي، مما عرّضوا أنفسهم وبلادهم إلى الفتن والفرقة والدماء والتخريب، أو الذين أوّلوها على غير ما تحتمل فناقضوا الأحكام الصحيحة.

وقد تسبب هذا الفكر في إثارة الفتن الفكرية والقلاقل العملية في كثير من البلاد الإسلامية، وعرّضت مصالحها العليا للأخطار، وعطّلت طاقاتها وقدراتها نحو التنمية والبناء، فانشغلت أجهزة البلاد المختلفة لصد هذه الأخطار والحد من آثارها.

فكان لزامًا على أهل العلم الشرعي والدراية كشف جذور هذا الفكر وانحرافاته، وبيان الفكر المتوازن الذي يتعامل مع النصوص الشرعية بوسطية واعتدال اقتداءً بالنبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- الذي كان إذا خُيّر بين أمرين اختار أيسرهما، وكان يقول -عليه الصلاة والسلام-: (هلك المتنطعون).

وينبغي الإشارة أيضًا إلى أن حماية الفكر المعتدل يدخل ضمن دائرة مهام الشعيرة الإسلامية: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ لا يمكن فصل الأمن الفكري عن ضرورة قيام هذه الشعيرة.

فجاءت هذه الوريقات بيانًا لشيء من منطلقات الهيئة في تعزيز الأمن الفكري لتحقيق المصالح العليا للعباد والبلاد، وأسأل الله العظيم أن ينفع بها أهل العلم وطلبته وعامة المسلمين.

وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

المبحث الأول: العلاقة بين الأمن الفكري ورعاية المصالح العامة:

ويشمل مطلبين:

المطلب الأول: مفهوم الأمن الفكري وأهميته.

الأمن الفكري: وجود حالة من الراحة والاطمئنان على عقائد الناس وأفكارهم وثقافتهم وسلامتها من الغلو والانحراف.

أهمية الأمن الفكري:

إن الأمن بجميع أشكاله مطلبٌ فطريٌ، يسعى إليه جميع البشر للحفاظ على أنفسهم وأموالهم وأولادهم ومصالحهم، وقد دعا إليها الأنبياء والرسل -عليهم الصلاة والسلام- كما قال إبراهيم -عليه السلام- لأبيه: (يَأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ الشّيْطَانَ إِنّ الشّيْطَانَ كَانَ لِلرّحْمَـَنِ عَصِيّاً{44})(1).

فثمة أمن فكري وأمن اقتصادي وأمن اجتماعي وأمن سياسي وغيرها، ولكل نوع من هذه الأنواع آثاره الإيجابية على مجالات معينة من مجالات الحياة.

ولكن أهم هذه الأنواع هو الأمن الفكري الذي يُعدُّ الأساس لتحقيق سائر أنواع الأمن، لأنَّه يحمي العقل من الانحراف والغلو، وبالتالي يتحقق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي، فأكثر المجتمعات استقرارًا تلك التي يقودها الاعتدال في التفكير دون إفراط أو تفريط، وأكثرها اضطرابًا وقلقًا تلك التي يتكاثر فيها الغلو والتشدد في التفكير
والآراء.

المطلب الثاني: مفهوم المصالح العامة، وعلاقتها بالأمن الفكري.

المصلحة العامة: هي تحقيق المنافع العامة للناس الدينية والدنيوية ودرء المفاسد عنهم بجميع الأشكال والصور.

وهي العلة التي تدور حولها أحكام التشريع في الأمر والنهي، فكل أمر شرعي فيه تحقيق لمصلحة، وكل نهي فيه درء لمفسدة، سواء عُرفت هذه المصلحة والمفسدة أو جهلت، فلا يقر الشرع حكمًا إلا وفيه مصلحة للناس، ولا ينهى عن شيء إلا وفيه درء لمفسدة أو دفع لضرر.

والمصلحة قد تكون دنيوية كحال تطبيق الحدود والتعزيرات على الجناة، كتطبيق حد القصاص حفاظًا على حياة الناس، وقطع يد السارق حفاظًا على أموال الناس، وقد تكون أخروية كالإيمان بالله وأداء الفروض والواجبات الشرعية من الصلاة والصيام والزكاة وغيرها، لأنَّها تحقق مصلحة أخروية، وهي رضا الله ودخول جناته، وكذلك ما جاء في الشرع من نهي عن فعل الخبائث والمنكرات التي تحقق المصلحة في واقع الناس؛ كالنهي عن قتل النفس بغير حق، والنهي عن الزنا، وعن الغش وقول الزور وشرب الخمور وتناول المخدرات وغيرها، لأنَّ هذا النهي يحقق الأمن والاستقرار في المجتمع من جهة، ويحافظ على قوته وتلاحمه من جهة أخرى.

فالمصلحة هي الغاية التي تتحقق من تطبيق الأمر والنهي الوارد في الشرع، وكلُّ الطرق التي تؤدي إلى تحقيق هذه المصلحة تُعدُّ وسائل، ولا بد لها أنْ تكون مشروعة وفق الضوابط الشرعية، فلا يكون فيها معصية ولا اعتداء على حقوق أو تجاوز لحدود منصوص عليها.

وبهذا المفهوم فإنَّ المصلحة العامة تتطابق مع المقاصد الكلية الخمسة للشريعة الإسلامية التي أجمع عليها أهل العلم، وهي:

أولًا – حفظ الدين: وهو الإسلام بأحكامه وتشريعاته في الكتاب والسنَّة والإجماع وسائر مصادر التشريع الأخرى، يقول تبارك وتعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ)(2) حيث يعطي الإسلام للإنسان التصور الصحيح عن الحياة والكون، وعلاقة ذلك بمفهوم العبادة وإفرادها لله تعالى وحده، وهو ما يجعل جميع أعمال الإنسان تتجه نحو إله واحد لا شريك له، وهذا يقتضي نبذ جميع الآلهة الأخرى من تصوره، سواء كانت آلهة بشرية أم مصنوعة من الأحجار والأشجار، أو كانت شموسًا وأفلاكًا وأقمارًا.

فإذا تحقق هذا التصور الصحيح عن الحياة والكون تحققت المصلحة العامة، واطمأن الناس على أنفسهم وأموالهم وأولادهم، يقول الله تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ{55})(3) فترسيخ عقيدة التوحيد في النفس بالصورة الصحيحة، والالتزام بسائر التعاليم الإسلامية يجعل الفكر متوازنًا في التعاطي مع جميع الأشياء، وبالتالي يسود الاستقرار على جميع مجالات الحياة المختلفة، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها.

وإذا غاب التوحيد من التصور الإنساني، وأهمل العمل بمتقضياته، حلت محله الآلهة المتعددة من البشر وقوانينهم الوضعية والأهواء والشهوات، ويصبح الإنسان حينها عبدًا لمجموع هذه الآلهة والقوانين، وأسيرًا لأوامرها ونواهيها، ويصبح الحمل ثقي عليه، فتكثر المظالم وتسفك الدماء وتضيع الحقوق إرضاء واستجابة لما تريده هذه الآلهة، وصدق الله العظيم القائل: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ{22})(4) لأنَّ الحق في هذه الحالة لم يعد تابعًا لمنطق التشريع والعقل، وإنّما لمنطق الهوى والنزعات النفسية المنحرفة الناجمة عن تعدد مصادر الأمر والتوجيه، قال تعالى: (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ{71})(5).

ثانيًا – حفظ النفس: التي كرمها الله تعالى فقال: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً{70})(6) وقد جعل الإسلام قتل النفس بغير حق من أكبر الكبائر وأعظم الجرائم التي يستحق صاحبها العقوبة في الدنيا والآخرة، قال جلّ وعلا: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا{93})(7).

وقد كرّم الله الإنسان وحافظ على نفسه ودمه، وجعل الاعتداء عليها بغير حق جريمة إنسانية كبيرة، وإنْ كان من غير المسلم، يقول الله تعالى: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَو جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ{32})(8) وقد وقع الخوارج في هذا المحظور، حين لغطت بهم الأفكار وفسدت عندهم الآراء، فغالوا في الأحكام، وكفّروا المسلمين، وسفكوا الدماء بغير الحق، فكانت فتنة عظيمة في التاريخ الإسلامي لا تزال الأمة تعاني من تبعاتها إلى الآن، فقد ظهرت بعض الفئات التي أخذت المنهج نفسه في تكفير الناس وقتلهم والاعتداء على الحقوق والممتلكات للأمة بالتفجير والتدمير، أخذًا ببعض الفتاوى التي لم ترع حق هذا المقصد المعظم.

ونسي هؤلاء أو تناسوا التوجيهات النبوية الكثيرة للأمة، بتجنب تكفير الناس وإباحة دمائهم، وحرمة حمل السلاح في وجه المؤمن، ومن ذلك .قوله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: (من حمل علينا السلاح فليس منَّا)(9) ويلحق بحفظ النفس داخل المجتمع الإسلامي الحفاظ على دماء غير المسلمين من أهل الذمة والمعاهدين، يقول -عليه الصلاة والسلام-: (من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإنْ ريحها توجد من مسيرة أربعين عامًا)(10).

ثالثًا – حفظ العقل: الذي تميّز به الإنسان عن سائر الكائنات، وجعله الله تعالى مناط التكليف، وهو نعمة من الله تعالى، حثّ بالحفاظ عليه واستعماله للوصول إلى الحقائق من خلال التأمل والتعلم وتنمية المواهب والمهارات وتوفير أجواء الإبداع والابتكار له، قال تعالى: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ{29})(11) عبر هذا الاستخدام السليم للعقل تخرج الأفكار معتدلة وخالية من الغلو والشطط، أو التساهل والانحراف غير المنضبط، وتصبح أعمال الإنسان وسلوكياته متوازنة ومعتدلة، لأنَّه لا يأخذ الدِّين إلا من أهله الصادقين، ولا يخضع لتأثيرات الفاسدين والمغرضين من الجهّال والمخربين.

وقد جاء التحذير الشديد من كل ما يحط من شأن العقل وقيمته من الاعتقادات الباطلة والأوهام الفاسدة التي تلغي دوره من الحياة، فقال -عليه .الصلاة والسلام-: (لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر)(12) وفي المقابل، فإنَّ الغفلة عن التأمل والتدبر يوقع صاحبه في الجهل بالدين والجهل بالحياة، والجهل بمقاصد الشرعية وبالمصالح العليا، وبالتالي الوقوع في شراك المغالين أو المنحرفين، وقد ذمّ الله تعالى الذين لم ينشِّطوا أداة العقل لديهم في المسار الصحيح، فقال جلَّ شأنه: (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا{44})(13).

رابعًا – حفظ المال: ومعلوم أنّ المال من ضروريات الحياة، ويشمل الممتلكات التي ينتفع منها الإنسان في رزقه وطعامه وسكنه وملبسه وسائر ضروريات الحياة، قال الله تعالى: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً{46})(14) والأمن الفكري سياجٌ وحمايةٌ لحفظ المال من الإتلاف أو التبذير في السبل المحرَّمة والمشبوهة، لأنَّ كثيرًا من الفتاوى التي تصدر من الجهلاء والمغالين أو المنحرفين عن الجادة المستقيمة تبيح الاستيلاء على الأموال والممتلكات، سواءً للدولة أو للأفراد، ويعدّونها بمثابة الغنائم المشروعة في المعارك مع الكفار والمشركين، فلا يتورع هؤلاء عن اتباع أي طريق من أجل الحصول على الأموال للقيام بأعمالهم التخريبية داخل المجتمع المسلم، وهذا يولّد عند الناس نوعًا من الخوف والقلق على أموالهم ومصالحهم، ربما يؤدي ببعضهم إلى إخفاء هذه الأموال وعدم استثمارها، أو الخروج بها إلى خارج البلاد من أجل المحافظة عليها وحمايتها من هؤلاء القوم.

ومثل هذه الفتاوى تفتح الأبواب للمجرمين واللصوص أن ينشطوا ويكثروا من اعتداءاتهم على حقوق الناس وأموالهم.

خامسًا – حفظ النسب أو النسل: بالحثِّ على الزواج الشرعي الذي يحافظ على استمرارية الحياة وبقاء الأنساب وصفائها، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا{1})(15).

وقد حرّم الشرع الزنا وجميع الفواحش التي تضيّع الأنساب وتخلط بينها، قال تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا{32})(16).

المبحث الثاني: أثر الأمن الفكري في تحقيق المصالح وتعطيل المفاسد إذا سلم عقل الإنسان من الأفكار الغالية والمنحرفة، وسادت ثقافة الاعتدال الفكري بين أهل العلم والدعاة والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر وعامة الناس، فإنَّ الأمة ستقبل على مزيد من الرقي والتقدم في المستويات كافة، كما ستغلق كثير من منافذ القلق والارتباك لديها، ومن أهم ثمرات ثقافة الأمن الفكري، ما يلي:

1- الأمن الفكري يحافظ على معتقدات الأمة وأداء العبادات، وقد دعا إبراهيم -عليه السلام- ربّه بتحقيق الأمن حتى يتمكن المسلمون من أداء عباداتهم ومناسكهم بسلام، قال الله تعالى على لسان إبراهيم: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ{35})(17), وقد حقق الله لهم هذا الدعاء، قال تعالى: (أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ{57})(18).

2- الأمن الفكري يجعل الوسطية والاعتدال مكان الغلو والانحراف، امتثا لقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً)(19) كما يجعل التعامل مع الناس مرنًا ولطيفًا، لقول الله تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)(20)، وقوله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «إنَّ الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه»(21). وصدق القائل:
ولا تَغْلُ في شيءٍ من الأمْر واقتصِدْ  ** كِلا طرفَيْ قصْدِ الأمورِ ذميمُ

3- يمنع الأمن الفكري من إصدار الأحكام المتشددة على الناس، مثل الكفر والفسق والبدعة والخيانة وغيرها، لأنَّ النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- يقول: «أيّما امرئ قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما إنْ كان كما قال وإلا رجعت عليه»(22).

ليس هذا فحسب، بل إنَّ الهدي النبوي أرشد الأمة إلى مراعاة ظروف الناس ومعرفة أحوالهم والمفاهيم التي تسودهم قبل دعوتهم إلى الله تعالى، والبعد عن القسوة في التعامل أو إطلاق الأحكام عليهم، ويظهر ذلك جليًا في وصية النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- لمعاذ بن جبل -رضي الله عنه- حين بعثه إلى اليمن: «إنّك ستأتي قومًا أهل كتاب فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإنْ هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أنَّ الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإنْ هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإنْ هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنّه ليس بينه وبين الله حجاب»(23).

4- الأمن الفكري يعين على استقرار العقل والفكر على الثوابت الشرعية العامة، ويمنعه من الاضطراب والقلق والشك، قال تعالى:(يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِالثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُالظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ{27})(24)، وقال: (وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ{170})(25).

5- يحافظ الأمن الفكري على وحدة المجتمع وتماسك أبنائه؛ كالحفاظ على كيان الأسرة الواحدة ومنعها من التفكك والتمزق، وكذلك برّ الوالدين وصلة الأرحام، والإحسان إلى الجار، وإغاثة الملهوف، وقضاء حوائج الناس، والتي بمجموعها يشكّل التكافل الاجتماعي داخل المجتمع المسلم، امتثا لقول الله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ{2})(26)، وقوله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «إنّه ستكون بعدي هنات وهنات، فمن أراد أن يفرّق أمر هذه الأمة، وهي جميع .فاضربوه بالسيف كائنًا من كان»(27).

6- يحافظ الأمن الفكري على الأنفس ويحقن الدماء؛ لأنَّ الأمن الفكري يدفع الناس لأخذ علمهم وفتاويهم من أهل العلم المشهود لهم بالعلم الشرعي، فلا يأخذون بالفتاوى المكفرة للناس أو المنحرفة.

7- إعطاء صورة مشرقة للإسلام وأهله: إنّ العلم بالدين وتطبيق أحكامه وممارسة تعاليمه باعتدال يؤدي إلى إعطاء صورة مشرقة عنه عند الناس، لا سيما غير المسلمين، مما يجعلهم يقبلون عليه ويدخلون فيه بقناعة ورضا، بخلاف ما يفعله الغلو في الدين من تشويه له ولأهله، وتنفير الناس منه.

8- الأمن والاستقرار: إنّ المجتمع الذي يسوده الأمن الفكري يتمتع أهله بالأمن والاستقرار على حياتهم وأموالهم وممتلكاتهم وأولادهم، لنظافة هذا المجتمع من الأفكار الغالية والفاسدة التي تهدد الحياة والجماد وفق فتاوى شاذة صادرة من صغار طلبة العلم.

9- الاهتمام بالقضايا المهمة للأمة: إذا وُجد الأمن الفكري في الأمة، فإنّه يسهم بدرجة كبيرة في اهتمام الناس بكل شرائحهم إلى القضايا المهمة ومعالي الأمور، حيث لا خوف ولا تهديد يشغلهم عن ذلك، فتتجه الطاقات والمهارات إلى التنمية والبناء ونحو التحديات الخارجية على المستويات المختلفة، العلمية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية وغيرها، ويتحقق تبعًا لذلك:

أ – الإقبال على العلوم الشرعية الأساسية في العقيدة والسنَّة والإجماع وغيرها.
ب – التقدم التقني المتعدد الجوانب، لأنَّ الأمن الفكري يقوّي مقوّمات هذا التقدم، المتمثلة في حرية الإنسان وضمان سلامته وتنمية القدرات والمواهب، والتي تتوقف جميعها أو يتضاءل أداؤها مع وجود التهديد والإرهاب.
ج – ينشغل الدعاة والمصلحون بنشر الدعوة الإسلامية بالشكل المطلوب.
د – تتجه الأمة إلى تبني المشاريع التنموية الكبرى، في القوة العسكرية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، والتي من شأنها أن تحقق الصدارة للأمة في العالم.
ه – تعمل الأمة على الاستفادة من خيراتها وثرواتها الكثيرة، التي تميّزت بها بحكم موقعها الجغرافي والاستراتيجي في العالم.
و – تعمل الأمة من أجل رفاهية أبنائها وتوفير فرص العمل وضمان سبل العيش الكريمة لهم، كسائر الشعوب في العالم المتحضر.
10 – مواجهة الأعداء بثقة وقوة: ومن نتائج الأمن الفكري على البلاد الإسلامية، نشوء نفوذ وقوة لدى الأمة عند العالم تتحكم بمصيرها دون اللجوء إلى أحد، الأمر الذي يحقق مجموعة من الإنجازات الأخرى:

أ – تقوية الأمة المسلمة في المجالات الحيوية المختلفة، الاقتصادية والعسكرية والتقنية وغيرها، فتصبح أمة ذات سيادة مستقلة.
ب – سهولة التعامل مع القوى المنافسة عالميًا.
ج – الاستفادة من ثروات الأمة وخيراتها من النفط والزراعة والصناعة والتجارة وغيرها.
ه – إخماد الفتن والنزاعات في المنطقة وإحلال الأمن والاستقرار مكانها.
و – التخفيف من شن حملات العداء والتشويه للإسلام ومصادره ورموزه، كما حدث في الآونة الأخيرة من الإساءات المتكررة إلى النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم-.
المبحث الثالث: علاقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالأمن الفكري وتحقيق المصلحة العامة لا تنفك شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن سلامة العقيدة
والتوازن الفكري، لأنَّها مستمدة من كتاب الله وسنَّة نبيه -صلَّى الله عليه وسلَّم- القائمين على الوسطية والاعتدال، لقول الله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً)(28).

وكان النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- القدوة في الوسطية الفكرية، بل إنّه -عليه الصلاة والسلام- كان يحثّ على التيسير في كل شأنه، في دعوته إلى الله، وفي حكمه بين الناس، وتعامله مع أهل بيته وصحابته، تقول أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-: «ما خيَّر النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يأثم، فإذا كان الإثم كان أبعدهما منه»(29).

وكان -صلَّى الله عليه وسلَّم- يستعمل الرفق واليسر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيقول: «إنّ الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة»(30). ويقول أيضًا: «إنّ الرفق لا يكون في شيء إلا زانه. ولا ينزع من شيء إلا شانه»(31).

إذا أمن الفكر من الغلو أو الانحراف، وسادت شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الأمة، تحققت المصالح العليا للإنسان والمجتمع والأمة على جميع الأصعدة والمستويات، ومن أهم هذه الإنجازات:

1- الحفاظ على سلامة عقيدة الأمة وحمايتها من أنواع الشرك، ومن الانحراف والغلو، ومن الدجل والشعوذة، وغيرها.

2- التمكين في الأرض والاستخلاف فيها، لقوله تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ{55})(32).

3- إنّ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضمانًا لأمن البلاد وسلامة العباد من جميع الآفات والجرائم الحسية والمعنوية، والواقع يشهد على هذه الحقيقة، حيث تقوم هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأعمال جليلة في هذا الإطار، من أجل منع ظهور الفساد والمعاصي على الملأ، الذي تمتد آثاره السلبية ونتائجه الفاسدة على المجتمع بأسره، فكان دور الهيئة الحدّ من هذه المعاصي والمنكرات.

وقد صحّ عن النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- أنّه قال: «مثل المدهن في حدود الله والواقع فيها مثل قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم في أسفلها وصار بعضهم في أعلاها، فكان الذين في أسفلها يمرون بالماء على الذين في أعلاها فتأذوا به، فأخذ فأسًا فجعل ينقر أسفل السفينة، فأتوه، فقالوا: ما لك؟ قال: تأذيتم بي ولا بد لي من الماء، فإن أخذوا على يديه أنجوه ونجوا أنفسهم، وإن تركوه أهلكوه وأهلكوا أنفسهم»(33).

4- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يدخل الطمانينة والراحة في نفوس الناس، فيشعرون بالأمن على دمائهم وأموالهم ومصالحهم، وهذا الشعور يدفعهم لتنمية مهاراتهم وإخراج طاقاتهم نحو الإبداع والابتكار في المجالات المختلفة.

5- والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سببٌ لنزول الرحمة والخيرات على البلاد والعباد ورفع العذاب عنهم، لقوله تعالى: (فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ{116}وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ{117})(34).

6- النصر على الأعداء في جميع الميادين، العسكرية والعلمية والاقتصادية والثقافية وغيرها، لقوله تعالى: (اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ{40}الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ{41})(35).

خلاصة البحث:

ونلخص من البحث مجموعة من النقاط حول منطلقات هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لتعزيز الأمن الفكري وتحقيق المصالح العليا، وهي:

1- لشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دورٌ كبيرٌ في تقويم الفكر وتوازنه وحمايته من الغلو والانحراف.

2- ضرورة دعم هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالكوادر البشرية الواعية والمؤهلة للقيام بأداء هذه الشعيرة بصورة إيجابية، وكذلك دعمها ماديًا، وتأمين أفضل أجهزة الاتصالات والإنترنت لها، لتتمكن من أداء أعمالها أداء عاليًا وناجحًا.

3- ضرورة التعامل الإيجابي مع هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إعلاميًا، من خلال بيان إنجازاتها على المستويات العقدية والدعوية والاجتماعية والسلوكية، وتوفير الأجواء الإعلامية المناسبة لإيصال صوتها إلى الناس مباشرة.

4- ضرورة إدراج هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المناهج المدرسية والجامعية، وتعريف الطلاب بها والأعمال التي تقوم بها.

5- توسيع دائرة مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى تشمل جميع ميادين الحياة ومجالاتها، فالدعوة إلى الإخلاص في العمل أمرٌ بالمعروف، والدعوة إلى التعامل الإيجابي مع المراجعين في المؤسسات والمراكز العامة أمرٌ بالمعروف، والدعوة إلى الأمانة في التجارة وممارسة المهن أمرٌ بالمعروف، وكذلك النهي عن خلاف ذلك يُعدُّ نهيا عن المنكر وهكذا.

6- القيام بعقد ندوات ودورات عامة في المناطق والمراكز كافة للتعريف بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبيان فضلها وأهميتها في حياة الناس.

وكل هذه النقاط وغيرها تؤدي إلى الأمن الفكري الذي هو غاية من الغايات المطلوبة.

الخاتمة:

وفي الختام يمكن الخروج من هذا البحث المتواضع بمجموعة من النتائج والتوصيات:

1- أهمية دور العقيدة الصحيحة في تقويم الفكر وتوازنه وتنقيته من الملوثات العقدية والأفكار الغالية، وبالتالي الحفاظ على المصالح العامة للأفراد والمجتمع والأمة.

2- أخذ العلم من أهله الموثقين الذين يعرف عنهم الورع والتقوى، وكذلك العلم في التخصصات المختلفة، فلا يؤخذ من صغار طلبة العلم الفتاوى المصيرية التي تترتب عليها فتنٌ ومفاسدٌ كبيرةٌ.

3- للاستقرار الاجتماعي وتحقيق العدالة الاجتماعية دورٌ كبيرٌ في بناء الفكر المعتدل وإزالة الغلو والتشدد بين الناس، لأنَّ هناك من يستغلون عواطف الفقراء والمحرومين للانتقام من الواقع وإشعال الفتن والفرقة فيه.

4- تفعيل دور الأسرة في البناء الفكري للأبناء منذ المراحل الأولى، امتثا لقول النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «والرجل راعٍ في أهله وهو مسؤولٌ عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها»(36)، من خلال:

أ – تربيتهم على الفكر المعتدل في جميع المجالات، لا سيما المجال العقدي والتعبدي.
ب – تنمية حب الوطن في نفوسهم، من أجل الحفاظ على استقراره وأمنه، وبيان أن أمن الوطن من أمنهم وسلامته من سلامة دينهم ودمائهم وأموالهم ومصالحهم.
ج – ربط الأبناء مع أهل العلم المعروفين بالعلم والورع والاعتدال، لأخذ الفتاوى والأحكام منهم، وتحذيرهم من مخالطة الجهلاء علميًا.
د – مراقبة الأبناء ومتابعة أحوالهم خارج البيت في المدرسة أو الجامعة، والتعرف على أصحابهم وزملائهم، من النواحي الفكرية والأخلاقية.
ه – الجلوس مع الأبناء والاستماع إليهم، والتفاعل مع مشكلاتهم ومعاناتهم، والتعامل معها بالعقل والحكمة وعدم الانفعال، وخصوصًا في مراحل المراهقة التي تتكوّن فيها شخصية الأبناء.
و – تأمين متطلباتهم المادية الضرورية، وعدم حرمانهم منها قدر الإمكان، حتى لا يلجؤوا إلى مصادر أخرى خارج البيت، حيث ينتظرهم أصحاب الأهواء والأفكار الهدامة.
ز – تربية الأبناء على طاعة ولي الأمر في غير معصية: لقوله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ)(37).

5- تفعيل دور المؤسسات التعليمية؛ كالمدارس والجامعات، من خلال البرامج الآتية:

أ – حسن اختيار المشرفين والمرشدين والمدرسين في المدارس والجامعات، من ذوي الكفاءات العالية والأفكار المعتدلة، لأنَّهم بمثابة القنوات التي تغذي أفكار الطلاب في مراكزهم.
ب – ترسيخ مبادئ العقيدة الإسلامية الصحيحة في نفوس الطلاب، ونبذ ما سواها من التصورات والأفكار التي تحرف بهم عن الجادة، وتحذيرهم من خطر الأفكار المغالية الدخيلة على عقيدة التوحيد، وبيان أضرارها الكبيرة على الإنسان والمجتمع.
ج – تدريب الطلاب في جميع مراحل الدراسة على ثقافة الحوار وتقبل الرأي الآخر ومناقشته وفق أسس علمية دقيقة، كحال أهل العلم من السلف رحمهم الله.
د – تشجيع الطلاب على الإبداع في المجالات المختلفة، وتنمية المهارات والملكات العلمية لديهم في التخصصات المختلفة، بإشراف متخصصين في تلك المجالات.
ه – استغلال أوقات الفراغ لدى الشباب عبر المناشط الترفيهية واستثمارها دينيًا وتربويًا، حتى لا تضيع في سفاسف الأمور، تصديقًا لقول الشاعر:
إنَّ الفراغ والشباب والجدة  ** مفسدة للمرء أيّ مفسدة

6- التحاور مع أصحاب الأفكار الغالية بالحكمة والموعظة الحسنة، ومحاولة إقناعهم بالرفق واللين، كما فعل عبدالله بن عباس -رضي الله عنهما- مع الخوارج حين استطاع بعلمه وأسلوبه في الحوار أن يرجّع آلافًا من الخوارج إلى طريق الصواب، وقد أثبت هذا الأسلوب نجاحه وجدارته في المملكة العربية السعودية، التي تمارسه لجان المناصحة من بعض أهل العلم المخلصين مع السجناء من أصحاب الفكر الغالي وبعض التكفيريين، حيث تم بفضل الله تعالى ثم بجهود هذه اللجان عودة مجموعات من الشباب المؤمن الذين غُرر بهم من قبل بعض الجماعات الغالية.

7- نشر تعاليم الإسلام السمحة نحو الأمم الأخرى من غير المسلمين وبيان حقوقهم الدينية والإنسانية والاجتماعية في الشريعة الإسلامية، ل- كثيرًا من هذه الشعوب ترسخت في أذهانهم مفاهيم خاطئة عن الإسلام ومبادئه الإنسانية العظيمة نحو العالم بأسره، لا سيما بعد الممارسات الخاطئة للإسلام من قبل بعض المسلمين المتشددين في أماكن مختلفة من العالم.

8- قيام المؤسسات التعليمية بواجبها في ضوء مناشط محددة ومدروسة الفاعلية، لضبط الطلاب والأجيال الناشئة على منهجية الوسطية والاعتدال في الحياة، فيما يتعلق بالإسلام وأحكامه، وما يخص الحياة العامة في السلوك والتعامل مع الآخرين، وهو الوصف الذي خصّه الله تعالى بالأمة المسلمة فقال: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً)(38).

9- ضرورة انفتاح أهل العلم الشرعي والنفسي على الناس والاستماع إليهم، ومعرفة مشكلاتهم وحوائجهم، وإيجاد الحلول لها، حتى يسدوا الطريق على أهل الأهواء من استغلال مواطن الضعف لدى الشباب ومن ثم قلب أفكارهم وتصوراتهم بصورة فاسدة.

* * *

الحواشي:

======================================

(1) سورة مريم، الآية 44 .
(2) سورة آل عمران، الآية 19 .
(3) سورة النور، الآية 55 .
(4) سورة الأنبياء، الآية 22 .
(5) سورة المؤمنون، الآية 71 .
(6) سورة الإسراء، الآية 70 .
(7) سورة النساء، الآية 93 .
(8) سورة المائدة، الآية 32 .
(9) أخرجه البخاري (6: 2591 رقم 6659) كتاب الفتن، باب قول النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم-: من حمل علينا السلاح فليس منا، وأخرجه في مواضع أخرى، ومسلم (1: 17 رقم 75) كتاب الإيمان.
(10) أخرجه البخاري (4: 120 رقم 3166) كتاب الجزية، باب إثم من قتل معاهدًا بغير إثم.
(11) سورة ص، الآية 29 .
(12) أخرجه البخاري (5: 2161 رقم 5387) كتاب الطب، باب لا صفر ولا داء يأخذ البطن، وأخرجه في مواضع أخرى في صحيحه، وأخرجه مسلم (7: 32 رقم 5928) كتاب السلام.
(13) سورة الفرقان، الآية 44 .
(14) سورة الكهف، الآية 46 .
(15) سورة النساء، الآية 1.
(16) سورة الإسراء، الآية 32 .
(17) سورة إبراهيم، الآية 35 .
(18) سورة القصص، الآية 57 .
(19) سورة البقرة، الآية 143 .
(20) سورة آل عمران، الآية 159 .
(21) أخرجه مسلم (8: 22 رقم 6767) كتاب البر والصلة، وأخرجه أبو داود (2: 311 رقم 2479) كتاب الجهاد، باب ما جاء في الهجرة وسكنى البدو، وأحمد (6: 58 رقم 24352).
(22) أخرجه مسلم (1: 56 رقم 225) كتاب الإيمان.
(23) أخرجه البخاري (3: 399 رقم 1395) كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة. وقول الله تعالى: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة)، ومسلم (1: 35 رقم 125) كتاب الإيمان.
(24) سورة إبراهيم، الآية 27 .
(25) سورة الأعراف، الآية 170 .
(26) سورة المائدة، الآية 2.
(27) أخرجه مسلم (6: 22 رقم 4902) كتاب الإمارة، وأبو داود (4: 356 رقم 4764) كتاب السنة، باب في قتل الخوارج، والنسائي (7: 92 رقم 4020) كتاب تحريم الدم، باب قتل من فارق الجماعة.
(28) سورة البقرة، الآية 143 .
(29) أخرجه البخاري (4: 230 رقم 3560) كتاب المناقب، باب صفة النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم-.
(30) أخرجه البخاري (1: 16 رقم 39) كتاب الإيمان، باب الدين يسر.
(31) أخرجه مسلم (4: 2004 رقم 2594) كتاب البر والصلة، باب الرفق.
(32) سورة النور، الآية 55 .
(33) أخرجه البخاري (6: 322 رقم 2493) كتاب الشركة، باب هل يقرع في القسمة والاستهام؟، وأخرجه الترمذي (4: 470 رقم 2173) كتاب الفتن، باب (12)، وأخرجه أحمد (4: 268 رقم 18387).
(34) سورة هود، الآيتان 116 – 117 .
(35) سورة الحج، الآيتان 40 – 41 .
(36) أخرجه البخاري (2: 305 رقم 893) باب الطيب للجمعة، وأحمد (2: 121 رقم 6026).
(37) سورة النساء، الآية 59 .
(38) سورة البقرة، الآية 143 .

* عضو مجلس الشورى

-- أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيّر*-ورقة عمل للاجتماع الدوري الخامس للهيئة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*