الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » السياسة الشرعية للأقليات المسلمة » حرمة الاعتداء على دور العبادة في الإسلام ، بين الإجماع الإسلامي وشذوذ القاعدة وتناقضها!

حرمة الاعتداء على دور العبادة في الإسلام ، بين الإجماع الإسلامي وشذوذ القاعدة وتناقضها!

 أخطاء منهجية وأصولية عميقة في الموقف من أهل الذمة، وحقوقهم ومعابدهم وواجباتهم، يقع فيه المتشددون قديما وحديثا، نذكر منها ما يلي:

أولا: تنتج عن الخلط بين حالة الذمة وحالة الأمن والحرب والخروج، التي اشتد فيها الإسلام حتى على الخارجين من المسلمين باعتبارها هرجا ومرجا وفتنة مكروهة. 

الثاني: وثاني مصدر من مصادر هذه الأخطاء هو تصور ومظنة أن الشدة وسوء المعاملة ستضطر هؤلاء للتحول للإسلام، أو تضطرهم لترك دينهم، وهو مدخل لا أخلاقي ولا إسلامي يترفع الإسلام عنه كما ترفع عنه السلف الصالح رضي الله عنهم، فقد أكرم النبي- صلى الله عليه وسلم- أسرى طيء وأكرمهم لكرامة حاتم الطائي، الذي كان على نحلة من نحل المسيحية، وقال فيما صح عنه صلي الله علي وسلم: ” إنما بعثت لأتمم  مكارم الأخلاق” .

وفي قصة إسلام الحبر اليهودي والصحابي الجليل زيد بن سعنة- رضى الله عنه- ما يخالف هذا المنطق المغلوط الذين التزموا الشدة في التعامل مع الذميين، وقال فيهم عمر بن عبد العزيز: ” إنما بعث محمد- صلى الله عليه وسلم- هاديا ولم يبعث جابيا” حيث كان همهم الجباية وجمع المال والجزية والشرطونة ( شرط ترسيم البابا أو رجل الدين من المسيحيين) وغير الشرطونة مما لا علاقة بشرع الله.

أسلم زيد بن سعنة حين رأى رسول الله يسبق حلمه غضبه، وتيقنها علامة اخيرة على نبوته ، وبين موقفه من خيانة بني قريظة وغيرهم تفريقا واضحا عليه أن يلهمنا كيف تكون الأخلاق وقيمها سلوكا وكيف يكون سلوك الحرب ضد من خان أو من أثار غبار الفتنة.

يروى لنا عبد الله بن سلام قصة إسلام زيد بن سعنة قائلا: أن الله لما أراد هدى زيد بن سعنة قال زيد: لم يبق شيء من علامات النبوة إلا وقد عرفتها في وجه محمد صلى الله عليه وسلم، حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أخبرهما منه: يسبق حلمه جهلة، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلما، قال: فكنت أتلطف له لأن أخالطه فأعرف حلمه وجهله، فذكر قصة إسلافه للنبي صلى الله عليه وسلم مالا في ثمرة. قال: فلما حل الأجل أتيته فأخذت بمجامع قميصه وردائه وهو في جنازة مع أصحابه، ونظرت إليه بوجه غليظ ، وقلت : يا محمد ألا تقضيني حقي ؟ فو الله ما علمتكم بني عبد المطلب لمطل.

قال فنظر إليّ عمر وعيناه تدوران في وجهه كالفلك المستدير، ثم قال: يا عدو الله أتقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم  ما أسمع، وتفعل ما أرى ؟ فوالذي بعثه بالحق لو ما أحاذر لومه لضربت بسيفي رأسك.

ورسول الله صلى الله عليه وسلم  ينظر إلى عمر في سكون وتؤدة وتبسم، ثم قال: ” أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر، أن تأمرني بحسن الأداء، وتأمره بحسن التباعة، أذهب به يا عمر فاقبضه حقه، وزد عشرين صاعاً من تمر.
فأسلم زيد بن سعنة رضي الله عنه، وشهد بقية المشاهد مع رسول الله”، وهكذا كانت رعاية محمد-صلى الله عليه وسلم- للحقوق ورعايته لأصحابها.

هذا هو الإسلام.. يروى ابن مسعود أن رسول الله رأى حمرة- وهي طير صغير- تفرش لما أخذ بعض الصحابة ولدها، فقال:” من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها” .

وفي الحديث المتفق عليه أن” بغيا من بني إسرائيل، رأت كلبا كاد يقتله العطش، فنزعت خفها فأوثقته بخمارها، فنزعت له الماء فسقته إياه، فغفر لها بذلك” .

أجمع فقهاء المسلمين قديما وحديثا على حرمة استهداف دور العبادة وإن اختلفوا في تقنين بنائها.

 

 

 

وروى البخاري ومسلم أيضا أن النبي-صلى الله عليه وسلم- قال: عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت، فدخلت فيها النار، لا هي أطعمتها وسقتها إذ هي حسبتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض”.

هكذا كان تقدير الإسلام للحيوان ولعدم مظلمة كائن حي، فما بال موقفه من أهل الكتاب، الذين يعدون أقرب للمسلمين من المشركين وعباد الأصنام، واستبشر القرآن في سورة الروم بنصرهم على المجوس” ألم . غلبت الروم في أدنى الأرض . وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين” حين شمت مشركو قريش في هزيمة الروم المسيحيين من الفرس المجوس، فأراد النبي- صلى الله عليه وسلم- تبشير نبيه بانتصار أهل الكتاب، كما أوصاه وأوصى المسلمين بعدم مجادلتهم إلا بالتي هي أحسن، وقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم” وسمى الله سورة من سور كتابه الكريم باسم مريم .

وفي وصية أبي بكر الصديق- رضي الله عنه- لجيش أسامه نجده يقول له:” يا أيها الناس قفوا أوصيكم بعشر فاحفظوها عني:
لا تخونوا، ولا تَغُلُّوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلاً صغيراً أو شيخاً كبيراً ولا امرأة، ولا تعقروا نحلاً ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيراً إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له” هذا هو الإسلام وهذا هو موقف الإسلام من أماكن العبادة لدى الآخرين، وكيف نهى عن قتل الأبرياء والمدنيين والنساء وعدم تخريب البلاد والغدر بالعباد..

وحين دخل المسلمون مصر أرسل عمرو بن العاص رضى الله عنه في أقاليم مصر مؤمّنا بطريرك الأرثوذكس الهارب في الفيافي من بطش الرومان، الذين يخالفونه في عقيدته،  ودعاه واستقبله وأحسن وفادته، وهو ما اعترفت به، ولم تنكره، كل الكتابات المسيحية الباكرة والحديثة مثل كتاب السير توماس أرنولد المهم: ” الدعوة للإسلام: بحث في انتشار العقيدة الإسلامية”.

وهو ما يؤكده التاريخ الرسمي للكنيسة المصرية، حيث تقول لجنة التاريخ القبطي بالكنيسة الأرثوذكسية : ” بنيامين البابا الثامن والثلاثون ( 625-664م ) : في عهده استرد هرقل ملك الروم مصر من الفرس , وأقام قِبَلِه عاملاً يونانيًا للخراج ( أي لجمع الضرائب ) اسمه جريج بن مينا وجعله فوق ذلك بطريركًا ملكيًا , وهو الملقب بالمقوقس .

وكان هرقل قد أقام أساقفة خلقدونيين ( ملكيين ) لسائر إيبارشيات مصر . فاختفى البابا بنيامين هو والأساقفة الأرثوذكسيون ودام هذا الإختفاء ثلاث عشرة سنة حاق في خلالها البلاء بأهل البلاد , إذ اضطهدهم الأساقفة الملكيون بغية إكراههم على اتباع عقيدة الطبيعتين , وقد اتبعها بعضهم فعلاً” ثم يضيف التاريخ المذكور معبرا عن سماحة المسلمين في شخص الصحابي الجليل عمرو بن العاص وحكمته بأنه عمّر ما خرب الفرس من أديرة المسيحيين في مصر، وكان ينوى إعمار كنيسة الإسكندرية بعد أن هدمت أثناء فتح الإسكندرية، وقد وهب الأنبا بنيامين مالا  كثيرا إكراما له بعد خروجه من مخبئة، يقول تاريخ الكنيسة المشار إليه في ذلك: وفي هذه الأثناء فتح العرب مصر على يد عمرو بن العاص . فكتب عمرو عهدًا بالأمان نشره في أنحاء مصر يدعو فيه البابا بنيامين إلى العودة إلى مقر كرسيه ويؤمِّنه على حياته , فظهر البابا وذهب إلى عمرو , فاحتفى به وردَّه إلى مركزه عزيز الجانب موفور الكرامة , فأخذ يعمل على أن يسترد إلى الحظيرة الأرثوذكسية الإبيارشيات التي استمالها الملكيون ( الكاثوليك ) . فكُلل عمله بالنجاح , وكذلك عمَّر الأديرة التي خربها الفرس في وادي النطرون , وجمع إليها رهبانها الباقين المشتتين , وفي آخر أيامه أراد إعادة تعمير كنيسة مار مرقس التي هدمت وقت فتح الإسكندرية , فلم تمهله المنية”  .

وكان البابا بنيامين موصوفًا بحسن الرأي حتى أطلق عليه لقب ” الحكيم ” وكان هذا من الأسباب التي جعلت عمرو يأنس إليه ويستهدي برأيه في شئون البلاد ”  بل أعاد الصحابي الجليل عمرو بن العاص رأس القديس مرقس بعد أن سرقها سارق مسيحي للكنيسة المصرية، ومرقس هو من نشر المسيحية في مصر، وهو ما يقرره البابا شنوده الثالث بطريرك الأرثوذكس في مصر في أحد كتبه .

رغم تواتر النصوص ما بقي من كنائس غير المسلمين ودور عبادتهم بعد فتوح المسلمين دليل دامغ في وجه بربرية استهدافها!

 

 

 والثالث:  وثالث مصادر الخطأ في التعامل مع غير المسلمين في المجتمع المسلم، هو خنق الأقليات غير المسلمة في المجتمعات الإسلامية بالصراع مع الغرب والولايات المتحدة، واتهامها بأنها تابعة لهم، وهو ما يعني تعميم صورة العدو الخارجي على الداخل، وإن كانت هناك حوادث عارضة لبعض المسيحيين أو اليهود في دعم قوات الاحتلال، فإن الغالب والسائد تاريخيا هو تجرد وانتماء هؤلاء للدولة الإسلامية منذ قديم، ودفاعهم عن الأرض كوطن لهم، فضلا عن أن إحساس الأمان والعدل الذي عرفه هؤلاء في ظل الإسلام، ولم يعرفوه من الأديان الأخرى، فضلا عما بينهم من خلاف، جعلهم أقرب للمسلمين من المحتل دائما، هكذا هاجر وخرج اليهود مع المسلمين من الأندلس خوفا من بطش القوط والكاثوليك، بقيادة فرديناندو وإيزابيلا الكاثوليكيين، وخرج فيهم الحبر اليهودي ابن ميمون الذي هاجر إلى مصر وكان في حماية السلطان صلاح الدين الأيوبي وجوار القاضي الفاضل ابن نباتة، وهكذا كان كثيرون وكثيرون من المسيحيين العرب في معركتهم ضد الاستعمار والاحتلال لمن يقرأ التاريخ!

ولعل السؤال الذي ينبغي أن يجيب عنه المتطرفون في هذا السياق: هل يجوز أخذ الذمي بالشبهة ؟ وإن كان يجوز أخذ الذمي بالشبهة فلماذا أجمع الصحابة على رفض فعل عبيد الله بن عمر حين قتل الهرمزان، وظلوا يطالبون عثمان بدمه! رغم وجود نسبة قليلة للشك فيهم، ولكن دون يقين يرتفع بها..

الرابع والأخطر: يعد المصدر الرابع أخطر مصادر اضطهاد المسيحيين عامة وهو ما تستند إليه الجماعات الإسلامية المتطرفة والتي تنسب للجهاد تشويها، وهو جعلها استهداف الأقليات الدينية ومعابدهم ومصالحهم جزءا من أوراق ضغطها على الأنظمة من جهة، وجزءا من سعيها لجر الشعوب للحرب الدينية الشاملة، فالقاعدة ترى الحرب مع الغرب حربا صليبية صهيونية، فيحاولون استهداف هؤلاء تخوينا لهم وتفجيرا للمجتمعات.

والدلائل كثيرة في هذا السياق، فقد استهدفت الجماعة الإسلامية المصرية- قبل مراجعاتها- وجماعة الجهاد المصرية- قبل انتهاء دورها في الداخل المصري- وانضمامها للقاعدة محلات الأقباط ورموزهم كجزء من المعركة الإعلامية مع الدولة وجرا للمجتمع المصري لمحظة التفجر الاجتماعي وهو ما لم تنجح فيه.

وتكرر القاعدة في العراق هذا الأمر بقوة وقد دأبت على استهداف المسيحيين، وكان آخر ما قامت به عملية احتجاز الرهائن داخل كنيسة سيدة البشارة في حي الكرازة ببغداد، في الأول من نوفمبر الماضي، وكانت كنيسة كاثوليكية سريانية، ورغم ذلك بررت القاعدة في العراق عمليتها التي راح ضحيتها 58 قتيلا وعشرات الجرحي، بأنها تستهدف منها تحرير أسيرتين أسلمتا في الكنيسة الأرثوذكسية المصرية، وأعطت مهلة لتسليمهما ثم أعقبها تهديد معمم لكل الأقباط والمسيحيين بأنهم قد صاروا أهدافا لهذا التنظيم.

والقاعدة في هذا التوجه إنما أرادت فقط استخدام استهداف الكنيسة ذرائعيا كأداة إعلامية لإحراج السياسيين العراقيين، ولتأجيج الحرب الدينية التي تهدف لها، بين المسلمين وغيرهم!
فقتلوا القسيس وقتلوا المصلين غير المحاربين، وكانوا أبعد ما يكونوا عن هدى الإسلام الذي أكد على حرمة استهداف دور العبادة أو هدمها، وقال الله تعالى: ” ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا، ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز” (سورة الحج آية 40).

روي الطبري في تفسير هذه الآية عن الضحاك في قوله: {ومساجد} يقول في كل هذا يذكر اسم الله كثيرا، ولم يخص المساجد، وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول: الصلوات لا تهدم، ولكن حمله على فعل آخر، كأنه قال: وتركت صلوات. وقال بعضهم: إنما يعني: مواضع الصلوات.

وقال بعضهم: إنما هي صلوات، وهي كنائس اليهود، تدعى بالعبرانية: صلوتا.وأولى هذه الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: لهدمت صوامع الرهبان وبيع النصارى، وصلوات اليهود، وهي كنائسهم، ومساجد المسلمين التي يذكر فيها اسم الله كثيرا. وإنما قلنا هذا القول أولى بتأويل ذلك ؛ لأن ذلك هو المعروف في كلام العرب المستفيض فيهم ، وما خالفه من القول وإن كان له وجه فغير مستعمل فيما وجهه إليه من وجهه إليه . قوله: {ولينصرن الله من ينصره} يقول تعالى ذكره : وليعينن الله من يقاتل في سبيله ، لتكون كلمته العليا على عدوه ؛ فنصر الله عبده: معونته إياه، ونصر العبد ربه : جهاده في سبيله ، لتكون كلمته العليا . وقوله : {إن الله لقوي عزيز} يقول تعالى ذكره : إن الله لقوي على نصر من جاهد في سبيله من أهل ولايته وطاعته، عزيز في ملكه، يقول: منيع في سلطانه، لا يقهره قاهر، ولا يغلبه غالب .

ويهرب كثير من المتطرفين من هذه الأسس الشرعية التي اتضحت في سيرة النبي- صلى الله عليه وسلم- وسيرة أصحابه من بعده ، كما نصعت به صفحات أئمة السلف في رعايتهم وحفظهم وحمايتهم لحقوق أهل الذمة ، مثل موقف أبي عبيدة بن الجراح- رضي الله عنه-  مع أهل حمص ، حين رد لهم جزيتهم بعد أن عجز المسلمون عن حمايتهم في وجه الرومان..
أو ما تواتر الحديث عنه من العهدة العمرية التي أعطاها الخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- لرئيس كنيسة القيامة، والتي رفض فيها الصلاة داخل الكنيسة وعاملهم بأحسن ما تكون المعاملة.
الإسلام بين حقيقته وفكر القاعدة:

تواترت النصوص على حقوق أهل الذمة ، التي لم تقف عند الاحترام والتق

دير والعون، بل تجاوزتها للحماية والإعانة، ولا يتوقف حق أهل الذمة على دفع العدو عنهم، بل يتعداه إلى دفع كل أذى يزعجهم، ولو كان بالقول واللسان، يقول القرافي: “إن عقد الذمة يوجب لهم حقوقاً علينا لأنهم في جوارنا وفي خفارتنا (حمايتنا) وذمتنا وذمة الله تعالى، وذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودين الإسلام، فمن اعتدى عليهم ولو بكلمة سوء أو غيبة، فقد ضيع ذمة الله وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم، وذمة دين الإسلام” .

و روى ابن زنجويه بإسناده أن عمر بن الخطاب رأى شيخاً كبيراً من

 أهل الجزية يسأل الناس فقال: ما أنصفناك إن أكلنا شبيبتك، ثم نأخذ منك الجزية، ثم كتب إلى عماله أن لا يأخذوا الجزية من شيخ كبير .

وأرسل الخليفة عمر بن عبد العزيز إلى عامله على البصرة عدي بن أرطأة يقول: “وانظر من قبلك من أهل الذمة، قد كبرت سنه وضعفت قوته، وولت عنه المكاسب، فأجرِ عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه” .

وقد روى أبو يوسف في “الخراج” ما جاء في عهد النبي – صلى الله عليه وسلم – لأهل نجران : “ولنجران وحاشيتها جوار الله ، وذمة محمد النبي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على أموالهم وملتهم وبِيَعهم، وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير… ” .
وفي عهد عمر إلى أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنهما أن: “امنع المسلمين من ظلمهم والإضرار بهم، وأكل أموالهم إلا بحلها”. وروى أبو يوسف في” الخراج” الذي وضعه لهارون الرشيد خليفة المسلمين أن خالد بن الوليد كتب لنصارى الحيرة في عقد ذمتهم: “وجعلت لهم، أيما شيخ ضعف عن العمل، أو أصابته آفة من الآفات، أو كان غنيًّا فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه، طرحت جزيته وعِيل من بيت مال المسلمين هو وعياله”  . .

وقد عصم الإسلام أموال أهل الذمة وراعى حرماتهم، فتحدث الفقهاء عن أن مَن سرق مال ذمي قُطعت يده، ومَن غصبه عُزِّر، وأعيد المال إلى صاحبه، ومَن استدان من ذمي فعليه أن يقضي دينه ، فإن مطله وهو غني حبسه الحاكم حتى يؤدي ما عليه، شأنه في ذلك شأن المسلم ولا فرق.

وبلغ من رعاية الإسلام لحرمة أموالهم وممتلكاتهم أنه يحتر

م ما يعدونه -حسب دينهم- مالاً وإن لم يكن مالاً في نظر المسلمين، فتحدث فقهاؤنا في العصر الحديث عن المال المقوم والمال غير المقوم ، فالمال المقوم هو المال الصحيح في شريعة صاحبه ، وهو رأي الحنفية ، فلا يجوز أن يتلف مسلم خنزيرا لمسيحي لأنه يعتقد في حليته ، ولكن لو كان لمسلم لم يكن مالا مقوما لأنه غير حلال في شريعته .

كما ينبغي على المسلمين السعي بذمة النصارى معهم فيمنعونهم من الأذى ولا يفرطون في أسراهم متى أسروا ، وهو ما تجلى في سيرة شيخ الإسلام ابن تيمية لما أغار أمير التتار قطلوشاه على دمشق في أوائل القرن الثامن الهجري ، وأسر من المسلمين والذميين من النصارى واليهود عدداً ، ذهب إليه الإمام ابن تيمية ومعه جمع من العلماء ، وطلبوا فك أسر الأسرى ، فسمح له بالمسلمين ، ولم يطلق الأسرى الذميين ، فقال له شيخ الإسلام: “لابد من افتكاك جميع من معك من اليهود والنصارى الذين هم أهل ذمتنا ، ولا ندع لديك أسيراً ، لا من أهل الملة ، ولا من أهل الذمة ، فإن لهم ما لنا ، وعليهم ما علينا” ، فأطلقهم الأمير التتري جميعاً .

هذا عن الأموال والحرمات وكذلك حرية التدين واحترام أماكن العبادة ورعايتها ، ولم يعرف خلاف بين علماء الإسلام- قديمهم وحديثهم- على تحريم هدم أو تخريب دور العبادة ، ولعل ما قامت به القاعدة والفئة

 الضالة من استمرار استهداف دور العبادة لأهل الكتاب ، ما بين كنائس مسيحية ومعابد يهودية ، كما قاموا باستهداف مساجد في الصومال وباكستان ، ينم ويدل دلالة بالغة على عدم امتثال هؤلاء بشريعة الإسلام ، بل امتثالهم للعنف كوسيلة للحضور والتهديد فقط ، وشذوذ لم يعرف شبيه به إلا عند الخوارج وبعض فرقهم في القرون الأولى.

أما الإسلام الصحيح فهو ما تواترت به الآثار الصحيحة التي وردت في تحريم إيذاء أهل الذمة وعدم أكل حقوقهم أو انتهاك حرماتهم وحسن معاملتهم ظلت فخرا للمسلمين على مدى التاريخ وسندا راسخا يجلى صورة هذا الدين وعظمته واحترامه لمخالفيه.
هذا هو الإسلام الذي يفيض تسامحا ورقيا مع مخالفيه ، ومع أهل الكتاب بالخصوص ، أما ما تعرضه القاعدة من شدة وغلظة وعنف موجه لمن هم في ذمة رسول الله-صلى الله عليه وسلم- والمسلمين من بعده إلى يوم القيامة ، وما يترتب على ذلك من أخطاء في حق الإسلام والمسلمين فأمر السفهاء الذين لم يعرفوا جوهر هذا الدين، ولا يستنون بسنته ولكن يعرفون فقط فكر الغيلة والغدر وعدم الأمان الذي عرفته القبائل الهمجية على مدار التاريخ!

ما سبق أن أوردناه ليس كلاما منمقا نريد به حوار الحضارات حتى لا يتهمنا من لا يرون في كل كلمة جديدة إلا مؤامرة على الإسلام ، ولكنه تذكير وعل الذكرى تنفع المؤمنين، ويتذكر من يخشى، كما أخبر القرآن.. لأن هؤلاء يرفضون أي كلام لشبهة حضارته مصرين على الهمجية والبربرية من حيث لا يشعرون ، وعلى أسانيد هشة يت

خذونها أقنعة يخفون بها أهدافهم في الحرب والفوضى والتوحش الذي يسعون إليه فقط.

وكما أعلن داعية سلفي مصري تحديه لمن يمكن القول بجواز استهداف المسيحيين في مصر أو العراق أو العالم، نكرر هذا التحدي على القاعدة بعيدا عن الدعاوى العابرة والشبهات السائرة حول إسلام مسيحية أو عدم اسلامها ، وهو ما لو ثبت لا يجيز استهداف البيع والصلوات التي حرم الإسلام المساس بها ، فهلا عادت القاعدة وأنصارها من غبار الحرب وضبابية الدليل والتأويل لنصاعة المحجة البيضاء وسماحة هذا الدين التي هي حقيقته قبل أن يكون هناك حديث عن حوار حضارات أو حوار أديان أو ما شابه مما يرفضونه!

الظواهري في التبرئة.. الفصل الرابع عشر يصف نصارى مصر بأنهم جيران في الوطن وباقون معنا، ويحرم استهدافهم ويبرأ منه، فلماذا لم يبرأ مما قامت به قاعدة العراق!

 

 

 

وسؤالنا الأخير لهؤلاء وفكرهم ألا تمثل مئات الكنائس والمعابد التي بقيت بعد الفتح الإسلامي لبلاد مصر والشام والعراق وشبه الجزيرة الهندية دليلا دامغا على تأكيد هذه الشريعة والتزام المسلمين لها على حرمة المساس بمقدسات الآخرين، وهو ما لم يشذ عنه سوى القاعدة وطالبان!

بين قول الظواهري والمقدسي وحادث كنيسة النجاة:

ليس أدل على التناقض وضعف الدليل من التناقض بين

ما أورده أيمن الظوهري من تحبيذ لعدم استهداف النصاري في البلاد الإسلامية، ونقل فيه عن المقدسي وبين ما قامت به جماعة القاعدة في العراق وغيرها من البلدان، يقول الظواهري ردا على حجة متطرف أشبه بحجة من احتجزوا الرهائن في الكنيسة المذكورة: حيث سأل الظواهري قائلا:
إن الأقباط النصارى في مصر قد طغوا وتجبروا، وأصبح لهم صوتٌ، وهذا لاستنادهم على أمريكا والغرب ، الذي بدوره يضغط على حكومة حسني العميلة، لتعطيهم المزيد من الامتيازات على حساب الأكثرية المسلمة , فمثلاً نجد أن محافظ قنا هو نصرانيٌ قبطيٌ ، واسمه مجدي أيوب إسكندر. فانظر شيخنا الفاضل ماذا فعلوا في قنا ؟ واستفاض المذكور في طرح حججه وشكايته فكان رد الظواهري كما يلي:

– التبرؤ من عمليات استهداف النصاري في مصر: حيث يقول في الفصل الرابع عشر من رسالته التبرئة” نحن -عندما كنا في جماعة الجهاد- لم نقم بأعمال ضد النصارى، وقد كان اجتهادنا أن مواجهة النصارى أمر غير عملي لسببين:

– الأول: أنهم -على عداء قيادتهم للمسلمين- فهم قوة هينة بالمقارنة بالصليبيين الغربيين وعملائهم المحليين، الذين يعدون العدو الأخطر. وأما النصارى فيكتفى بمراقبتهم، وعدم استفزازهم أو التورط معهم في معارك جانبية تصرفنا عن المجهود الرئيسي، وهي رسالة ما أدري هل فهمها النصارى أم تعمدوا عدم فهمها؟

– الأمر الثاني: أن النصارى هم جيران الوطن، وأن الاح

تلال الصليبي اليهودي زائل لا محالة بإذن الله، وهم باقون في ديارنا، وقد أمرنا الله أن نحسن لمن أحسن منهم” وهنا يتحدث الظواهري عن الوطن رغم أنه دشن الرسائل والكتابات في رفض مفهوم الوطنية والمواطنة! 

– ويؤكد الظواهري على رفض التعصب والعنصرية تجاه المسيحيين، فيقول :” المتتبع للسياق العام لتاريخ المسلمين مع أهل الكتاب عامة والنصارى خاصة، لا يجد النظرة العنصرية الغربية، فنحن لم ننشئ محاكم التفتيش لنصارى مصر، كما أنشأها نصارى الأندلس للمسلمين، وكان ذلك بإمكاننا” وينقل عن المقدسي في كتابه (التحفة المقدسية في مختصر تاريخ النصرانية) وهو يتحدث عن نصارى الشرق لما قبلوا بالدخول تحت سلطان الدولة المسلمة:

– ” حتى نعم هؤلاء في ظل حكم الإسلام بأمن وأمان لم يحل

موا بمثله في ظل أي حكم آخر، ولا عايشوه من قبل، ولا حتى في حكم قسطنطين الذي كان أول من أظهر ديانتهم وجعلها دين الدولة وفرض أناجيلها وعقائدها الشركية بقوة سلطانه ..! إذ قد تقدم أنه كان ينكل ويقتل كل مخالف لما قرره بقوته في مجامعه وإن كان من أكبر قساوستهم .. وهذا ما لم يتعرض لمثله النصارى في ظل حكم الإسلام الذي أقرهم على دينهم بشرط دفعهم الجزية ونزولهم تحت أحكام دولة الإسلام.

ويبقى السؤال للظواهري والمقدسي لماذا لم يتبرءا مما قامت به جماعة القاعدة في العراق في كنيسة سيدة النجاة! أم أنه الفجوة بين الصحيح الفقهي وممارسات القاعدة ، وكذلك براجماتية الفعل الذي تبررونه بمثل ما برر به هؤلاء فعلتهم الشنيعة! .

-- خاص بالسكينة - هاني نسيرة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*