الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » السياسة الشرعية للأقليات المسلمة » مقالات وأخبار » ضعف المسلمين وقلة حيلتهم وراء معاناة الأقليات الإسلامية في العالم

ضعف المسلمين وقلة حيلتهم وراء معاناة الأقليات الإسلامية في العالم

لاشك أن الإسلام حمى الأقليات الإسلامية وأعطاهم من الحقوق ما أعطاه لغيرهم   طالما كان ولاؤهم للدولة التي يعيشون فيها دون غدر أو خيانة وطالما أنهم احترموا عقائد الآخرين على العكس من الصورة التي يتعامل فيها الغرب مع الأقليات الإسلامية في دوله.

فهل حمى التشريع الإسلامي الأقليات وهل هناك فقه يختص بالأقليات، وكيف تعامل الرسول  “صلى الله عليه وسلم”  ودولته الناشئة مع الأقليات غير الإسلامية، كل هذه الأسئلة وغيرها نطرحها للنقاش مع الباحث الإسلامي الدكتور ياسر غريب في حوارنا معه فإلى نص الحوار:

في البداية، وضع الإسلام قواعد وأصول عامة للتعامل مع الأقليات، ما جوانب العظمة الإسلامية في احترام الأقليات؟

الإسلام هو دين الفطرة، ومن ثم فهو لا يخالفها، والله عز وجل عندما خلق خلقه امتن على خلقه جميعًا بالرزق والعدل، ونعمه التي لا تحصى لم تقتصر على المؤمن دون غيره، وقد جعل الله الحساب في الآخرة خاصا به سبحانه وتعالى، وطلب من عباده أن يكونوا دعاة لا قضاة، وجاء الإسلام وهو الدين الذي ارتضاه الله للناس ليحفظ الحقوق لجميع خلقه، وجعلهم شعوبًا وقبائل ليتعارفوا، ولم يجعل من سلطان للمؤمن على غير المؤمن سوى المعاملة الحسنة، ووضع ضمانات للمخالفين في العقيدة، بل حبب في الترابط بين الناس حتى لو لم يكونوا جميعًا من المؤمنين؛ فقال تعالى: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين} (الممتحنة: 8).

يعاني المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها وبخاصة منهم الأقليات الإسلامية في الأقطار غير المسلمة.. كيف يتعامل المسلمون مع مشاكل الأقليات من هذا النوع، ولماذا لم تتدخل الدول الإسلامية لحماية هذه الأقليات؟

أنت في هذا السؤال تتحدث في شقين كلاهما يرتبط بما آل إليه واقع المسلمين من ضعف وهوان، وليس على الأقلية المسلمة إلا الاجتهاد في الثبات أمام ما تلاقيه من مشقة في سبيل الحفاظ على دينها وهويتها.

أما الحديث عن الحكومات التي تنتمي للدول ذات الأغلبية المسلمة، فإن أولوياتها تسير في اتجاه تثبيت واقعها غير الشرعي داخل بلادها، والحقيقة المؤلمة أن واقع الأكثرية المسلمة في بلادنا أكثر مأساوية من واقع الأقليات في كثير من البلاد غير المسلمة، خاصة الغربية منها. فمن باب أولى أن نطالب تلك الحكومات بحقوق الأكثرية التي تحكمها!

كيف حمى الإسلام الأقليات غير المسلمة في المجتمعات الإسلامية، وهل هناك أمثلة ضربها في هذا الشأن؟

مصطلح الأقليات مصطلح سياسي حديث لا يعرفه الإسلام، وقد ظهر هذا المصطلح في إطار البحث عن تعديل أوضاع أصحاب العرقيات والأديان ذات الحقوق السياسية المهضومة في بعض البلدان التي تقتات على الطبقية والاستعلاء وأكل حقوق الكادحين والضعفاء.

وهذا لم يحدث في المجتمع المسلم المثالي، فقد كان اليهود يعيشون في المدينة مع الرسول  “صلى الله عليه وسلم” ، ولم يضطروا للخروج منها إلا بسبب الخيانة.

وكان الصحابة يودون أهليهم من الكفار الذين لم يسلموا، فالإيمان نعمة من الله بها على المسلم، لكن عدم الإيمان لا يسلب من غير المؤمن حقه الإنساني ويحرمه من العدل والحقوق الاجتماعية العامة.

الأقليات الإسلامية هي أكثر الأقليات التي تعاني اضطهادا على مستوى العالم دون أن تجد من يمنع هذا الاضطهاد أو يردع من يقوم به ضد هذه الأقليات؟

لاشك أن اضطهاد الأقليات المسلمة وأحيانا الأكثرية يعود إلى شيء فطري في طبيعة هذا الدين، {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} (البقرة: 217). و{لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} (آل عمران: 186) فكون الإنسان مسلمًا يجعله عرضة للاضطهاد، وهي سنة الله في الذين خلوا من قبل {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّـهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} (البروج: 8).

ترى ما السبب وراء تزايد معاناة الأقليات الإسلامية، غياب قوة المسلمين أم بطش الآخرين؟

كلاهما صحيح، لكن ضعف المسلمين هو الأساس.

هل هناك فقه يلزم الحاكم المسلم التعامل على أساسه فيما يتعلق بالأقليات وما هي حدود القبول والرفض بالنسبة لهذه الأقليات؟

الدين كله يلزم الحاكم والمحكوم بأن يتعامل بالعدل ويحثهم على الإحسان {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّـهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ. وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّـهَ إِنَّ اللَّـهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (المائدة: 8). والأمر لا يحتاج لفقه مخصوص أو مخترع، واقرأ إن شئت سيرة النبي المصطفى  “صلى الله عليه وسلم”  ستجد كيف كان يتعامل مع غير المسلمين، ولولا ذاك ما اتسعت دائرة الإسلام ولا دخل الناس في دين الله أفواجا، بل قال تعالى لنبيه مؤكدًا على صفة الرحمة التي حافظت على هذا الدين من الضياع: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّـهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} (آل عمران: 159) .

كيف تعامل النبي وصحابته مع الأقليات، وهل هناك ما يلزم الحاكم المسلم بالدفاع عن أي أقلية مسلمة تتعرض للاضطهاد؟

كانت الأقلية من غير المسلمين في مجتمع النبوة هم من أهل المدينة الأوائل من المشركين واليهود، وقصة الطفل اليهودي الذي كان يحتضر وإسلامه على يد النبي  “صلى الله عليه وسلم” ، وقصة الشاة المسمومة تدل على أنه كان يدعى إلى مآدب اليهود، ودعوته لأن يبر الصحابة ذويهم من المشركين الذين لم يسلموا، ومنهم عمر بن الخطاب الذي كان يبر أخاه المشرك ويهديه، وبعض زوجات النبي اللاتي كن يبررن أقاربهن من المشركين.

من أين استقى علماؤنا الأجلاء فقه الأقليات الإسلامية؟

فقه الأقليات ليس فقهًا محدثًا، وكل ما في الأمر أنه كان بمثابة إعادة تصنيف للفقه الإسلامي الأصل، مثله مثل فقه النساء وفقه الأولويات. وثمة تحفظ على هذه التسمية إذا كان المصطلح يعني أن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والظروف المحيطة؛ لأن في هذا السياق سيتم اتخاذ المبررات الأصولية للخروج عن تعاليم الإسلام بحجة فقه الأقليات، وقد ظهرت بعض الفتاوى التي تسير في هذا الاتجاه مثل تلك التي تبيح لمسلمي المهجر والأقليات بيع الخمور ولحم الخنزير والتعامل بالربا وغيرها من الفتاوى التي تبرر ذلك بأن فقه الأقليات يختلف عن فقه الأكثريات. وفي هذا بلاء مبين، وتلاعب بشرع الله. ويجب أن ننتبه أن الدعوة للإسلام بدأت في هيئة أقلية حافظت على دينها ودعت إليه حتى تحققت الغلبة للإسلام.

كيف تعامل المسلمون إبان قوتهم مع الأقليات؟

التجاوزات التي حصلت من بعض المسلمين المخطئين في التاريخ ضد الأقليات تعد على الأصابع، وهي التي يروج لها المغرضون دائمًا، مثلما فعل «ويل ديورانت» في كتابه «قصة الحضارة» وهو يتحدث عن بعض انتهاكات المسلمين ضد الهندوس. وهي انتهاكات مرفوضة من جانب الإسلام إذا حدثت بالفعل وثبتت تاريخيًا وتدل على جهل القائمين بها بالإسلام ومبادئه.

بينما يشهد التاريخ كله أن المسلمين كانوا أرفق على الأقليات من ذويهم، فمصر المسيحية استقبلت الفاتحين المسلمين بقلوب مفتوحة بعد أن أقر لهم عمرو بن العاص حرية العقيدة، بعد أن كانت الصراعات الطائفية تضرب في جسد المسيحيين الأقباط. كذلك كان الأمر مع مسيحيي القدس ويهودها. بل الأغرب في التاريخ أن تذوب القوات الغازية مثل التتار في المجتمع المسلم وتصبح جزءًا منه، بعد أن كانت عدوه اللدود.

ما الحلول المقترحة لحل أزمة الأقليات الإسلامية في دول الغرب وكيفية حل مشكلة الأقليات غير الإسلامية في الدول العربية والإسلامية؟

الصراع من أجل الإسلام والصراع مع الإسلام جزء من سنة الله في الكون. لكن هذا المفهوم لا ينبغي أن يدعونا إلى التكاسل في نصرة إخواننا المستضعفين في كل مكانٍ قدر الإمكان، بالنفس والمال والدعاء، لكن الواقع المأساوي والحالة التي يعيشها المسلمون اليوم تجعلنا نعول في الأساس على الأقليات ذاتها وندعوها إلى عدم الانصياع لمطالب الآخر في محو الهوية وضياع الإسلام من أجل العيش بسلام في أوساط من لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة!! لكن التعويل على الحكومات والأنظمة سيضيع القضية ويرمي بها في مجاهل النسيان أو التلكؤ أو المفاوضات الفارغة، كما هو معروف ومشهود!!

—–

الوعي الإسلامي

-- منير أديب

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*