الجمعة , 2 ديسمبر 2016
الرئيسية » السياسة الشرعية للأقليات المسلمة » مقالات وأخبار » الإسلام بين الخطاب المعاصر ونظرة الغرب الظالمة

الإسلام بين الخطاب المعاصر ونظرة الغرب الظالمة

الأعداء قبل الأتباع يرون أنه بتطبيق الإسلام بصورته الصحيحة     سيسود الخير والسلام والنماء الأمم جميعها في شتى مجالات الحياة، دينيًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا، ويرى كثيرون أنه لا سبيل لذلك إلا بشيئين أساسيين، تجديد الخطاب الديني سواء داخل العالم الإسلامي أو خارجه، وتحسين صورة الإسلام بتحسين سلوكيات أتباعه.. والحقيقة أن الآخَر لن يلتفت إلى المسلمين ويدرك عظمة دينهم إلا بتغيير الخطابات التي تتعارض يوميًّا وتظهر الإسلام بما ليس فيه.. هذا ما اتفق عليه عدد من العلماء التقتهم «الوعي الإسلامي»، وجاءتكم بالتفاصيل.
 
نبدأ أولا مع د.محمد أبوليلة، أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر الذي يرى أن النظرة الخاطئة عن الإسلام ليست عيبًا من الغرب، مبررًا ذلك بأن بعض المسلمين يتصرفون بطريقة خاطئة تسيء إلى الدين الحنيف، سواء بقصد أو عن غير قصد، مستشهدًا في ذلك بقضية النقاب، مشيرًا إلى أنه ليس ضرورة إسلامية، فإذا التزمت به المرأة تثاب عليه، وإن لم تلتزم به فلا ضرر في ذلك، لكن هناك من يختزل الإسلام في قضية النقاب وكأنه الركن الأساسي في الدين، وكأن ظهور وجه المرأة مرادف للفسق والفجور، وهذا يسيء إلى الإسلام أكثر مما يفيده.
 
وأشار إلى أن بعض المسلمين يتعاملون مع الإسلام دون فهم وتدبر، ويأخذون بالأمور دون تمحيص أو فهم صحيح، ويعطون بذلك صورة خاطئة عن الإسلام.. كما يوجد العديد من الأشخاص لا يخافون على الإسلام أو صورته، ولا يهمهم سوى مكاسبهم الشخصية، فيغذون التناحر المذهبي والطائفي، وفي ذلك إساءة بالغة للإسلام، ويتسبب في أن المواطن الغربي لا يصدق حقيقة الإسلام السمحة ولا يقتنع به كدين خاتم؛ لذلك علينا أن نسعى إلى وقف الخطابات التي تؤجج الفتن بين المسلمين والمسلمين، أو بين المسلمين وغيرهم من أصحاب الديانات الأخرى.
 
وأكد أن الخطاب الديني لا يحتاج إلى ابتكار أو استحداث شيء بعيدًا عن كتاب الله وسنة رسوله  “صلى الله عليه وسلم” ، لكن ينبغي العودة إلى الهدي الصحيح للرسالة المحمدية، وصياغتها بأسلوب عصري يقتنع به المسلم قبل غير المسلم، حتى يطبقه بالتزام داخلي يعكس حقيقة الإسلام.
 
هذا هو الإسلام
 
أما الشيخ د.ناصر الجابري، عميد كلية الدعوة بلبنان، فقال: أول خطوة لتجديد الخطاب الديني الإسلامي تعتمد على الإيمان بالله تعالى والتوجّه الصحيح إلى الله؛ لأننا يجب أن نكون أمة التوحيد ونؤمن بالله حق الإيمان، وتكون أرواحنا معلقة به، ثم علينا أن نفهم القرآن بحق ونفسره عن علم، فهذا الكتاب الخاتم هو الأساس في تربية الجيل المسلم على أسس إيمانية وعلمية صحيحة تجعله صورة متجسدة للإسلام، حتى تتغير النظرة الخاطئة المأخوذة عن المسلمين خاصة في الغرب.. فعلى سبيل المثال الكيفية التي تعامل بها بعض الليبيين مع جثمان «القذافي» تسيء إلى صورة المسلمين، وتصورهم كما لو كانوا همجًا، بينما الإسلام يحرم الإساءة إلى الموتى حتى ولو كان لجثمان كافر لا يدين بدين الإسلام.. ومثل هذه الأمور برغم أنها صادرة عن تصرفات وأهواء شخصية إلا أنها تنعكس على صورة الإسلام.
 
وأشار د.ناصر إلى أن اتهام الإسلام بالعنف والعنصرية لا يأتي إلا من حاقدين وجاهلين، فقد قال الحق سبحانه وتعالى: {يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}.. وقال  “صلى الله عليه وسلم” : «يَأَيُّهَا النَّاسُ أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ وَلَا لأَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى».. كما حرم الإسلام قتل الأنفس بغض النظر عن إسلامها أو عدم إسلامها إلا لسبب جوهري، فأي دين هذا إذن الذي يتهم بالعنف؟ وأنا أرى أن كل المؤسسات سواء الدينية أوالإعلام العربي والإسلامي حتى المسلمين العاديين جميعهم مسئولون بشكل واضح وصريح عن صورة الإسلام وتحسينها.
 
لغة الآخَر
 
بدوره، أكد د.سعيد الصاوي، الأستاذ بكلية الدعوة الإسلامية بجامعة الأزهر، أن الغرب يحكم على المسلمين من تصرفاتهم، فإلى جانب كون الغرب لديه نظرة سيئة بالفعل عن الإسلام، فإن هذه النظرة تكتمل وتزداد كراهية بمجرد النظر إلى أحوال بعض المسلمين غير الواعين بدينهم، كالجماعات التي تلجأ إلى العنف مثل تنظيم القاعدة، فهذه تسيء إلى صورة الإسلام ولا تفيده، وتعطي صورة سيئة عن الإسلام وكأنه دين عنف وإرهاب وقتل.. وهذا غير صحيح؛ لذلك علينا أن نعلم الشباب تعاليم الدين الأساسية، دون أن نجبرهم على ذات الأساليب التي تعودنا عليها، فيمكن أن يختاروا طرقًا أخرى ينشرون بها الإسلام ويغيروا بها الخطاب الإسلامي المتراجع حاليًا، ويجعلوا الغرب من خلال تواصلهم معه أكثر قدرة على استيعاب الدين الإسلامي العظيم.. وعلينا أن نفهم أن العالم لن يتلفت إلينا ما لم نغير من طريقة تواصلنا معه، ونحاول تطويع الخطاب ليناسب تعاليم ديننا وفي الوقت نفسه نحاول أن نصل إلى الآخَر باللغة التي يفهمها. 

إسلاموفوبيا
 
في الاتجاه ذاته، قال د.يوسف جوفرن، أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة ستراسبورج الفرنسية: من واقع خبرتي بالعالم الغربي وفرنسا تحديدًا، أرى أن هناك حالة من الإسلاموفوبيا في الغرب لعدة أسباب، أولها- من وجهة نظري- أن الإسلام بدأ ينتشر حاليا في الغرب بصورة كبيرة- عكس ما يقول البعض- وبدأ الناس يجدون أرواحهم في هذا الدين، خاصة أن العالم الغربي لا يعرف شيئًا عن الروحانيات ولا يفهمها، ولا يعرف كم يحتاجها إلا عندما يبدأ في دخول آخر طرق الضياع والانحلال والفساد الأخلاقي والنفسي، وفي تلك اللحظة يشعر كم يحتاج إلى الارتياح والسكينة فيجد هذا مع الدين الإسلامي، ما يجعل بعض الحاقدين يأخذون موقفًا مضادًا أكثر من الإسلام، أيضًا الإسلاموفوبيا قد يأتي بسبب تعامل المسلمين مع غيرهم سواء من الغرب أو غير ذلك بصورة لا تعكس حقيقة هذا الدين السمح.
 
أضاف د.يوسف أن الطريقة المثلى برأيه لتجديد الخطاب الإسلامي ليغير نظرة الغرب هو عمل قنوات تواصل بين الجهتين، وتكون تلك الجهات على وعي كبير بأيديولوجية الإسلام والغرب حتى تستطيع توفير أرضية جيدة للحوار والحديث وتخفيف الضغط على الإسلام والغرب والتقريب بينهم.
 
مسؤولية العلماء
 
أخيرًا، أكد د.محمد مختار المهدي، أستاذ الدراسات العليا بجامعة الأزهر، أن تغيير الخطاب الديني الحالي يقع بالأساس على عاتق العلماء باعتبارهم القدوة والأقدر على التغيير، موضحًا أن الأصل في تغيير الخطاب هو العمل بسنة سيد الأنبياء محمد  “صلى الله عليه وسلم”  وبكتاب الله، وهذا من شأنه أن يحدث نهضة إسلامية مدعمة بخطاب معاصر بتعاليم الدين الحنيف.
 
آليات التجديد
 
في دراسة حديثة بعنوان «الخطاب الإسلامي المعاصر» نشرتها الباحثة نور كركند تحدثت فيها عن آليات تجديد الخطاب الديني، وكيف يمكن الرقي به ليواكب مستجدات العصر، وضعت في الجزء الأخير من الدراسة عدة محاور أساسية يمكن الاعتماد عليها لتجديد الخطاب وتحسين صورته كخطاب إسلامي مستنير يفهمه الآخَر كما يفهمه من يدينون بالإسلام، ومن هذه المحاور تكوين هيئة إسلامية عليا من رجال الفكر والدعوة المشهود لهم بالعلم والجدية وإخلاص العمل لله؛ لتضع خططًا وبرامج علمية شاملة لتطوير الخطاب الإسلامي بكل مستوياته وصوره وأساليبه، والتأكيد على مبدأ الوسطية والاعتدال كما يراه الإسلام، وذلك من خلال المقررات الدراسية والأنشطة الثقافية والاجتماعية الترفيهية، ومن خلال خطب الجمعة، وأيضًا الاهتمام بتعويد الناشئة على النقاش وآداب الحوار وحسن الاستماع وقبول الاختلاف، وغرس مبادئ السماحة والمرونة فيهم، وذلك عن طريق التربية الأسرية والمدرسية الإسلامية، كما أوصت الدراسة الحكومات العربية والإسلامية بإعادة النظر في الخطاب الموجّه إلى خارج الدول الإسلامية، وإعداد موسوعات إسلامية شاملة بكل لغات العالم لتوصيل الفكر الإسلام المستنير إلى كل مكان في العالم.
—-

القاهرة -دار الإعلام العربية

-- دار الإعلام العربية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*