الإثنين , 5 ديسمبر 2016

حول فقه الأقليات

تُثار تساؤلات كبيرة من قبل شرائح متعددة في المجتمعات العربية والإسلامية عن مدى الحاجة لإيجاد فقه شرعي جديد يعني بحاجات الأقليات المسلمة في الخارج، ويُقدِّر ظروفهم الزمانية والمكانية المختلفة التي يعيشونها بعيدًا عن أوطانهم..؟، وتبقى هذه التساؤلات قائمة من قبل الكثيرين وعلى رأسهم الفقهاء وعلماء الشريعة والمثقفون في ظل تزايد الحاجة إلى إعادة دراسة كثير من الأحكام الفقهية والتي يصطدم بها المسلم أثناء ممارسته لحياته اليومية في الخارج وتعامله مع عادات وتقاليد الشعوب الأخرى الأمر الذي يؤدي إلى وقوعه في الحرج وعدم قدرته على التعاطي مع الواقع الجديد والسبب في ذلك بحسب ادعاء البعض يعود إلى تكبيل بأحكام فقهية غير محكمة وقطعية الثبوت من دون مراعاتها للمحيط الذي يعيشون فيه وبالتالي يتحتم على ذلك إعادة دراسة كثير من الأحكام الفقهية الفرعية من قبل المجامع والهيئات الفقهية وتبنِّي فقه شرعي يعرف بـ»فقه الأقليات» ويُكثِّف من الاهتمام به، فهل تدخل مثل هذه الأحكام ضمن إطار فقه الواقع أو فقه المآلات أو ما بات يعرف بـ»فقه المقاصد» وأيهم أقرب إلى ذلك..؟، تساؤلات مطروحة على عدد من العلماء والفقهاء في مضامين هذا التحقيق:
 بداية يَعتَبِرُ الأستاذ المساعد بقسم أصول الفقه بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الدكتور أكرم أوزيقان، بأنّ مثل هذا الأمر مهم لأنّ كثيرًا من الأقليات تختلف ظروفهم الزمانية والمكانية عن البلاد الإسلامية الأخرى، مؤكدًا على أهمية أن يكون هناك جمع من العلماء ينظرون في أوضاع الأقليات وواقعهم الذي يعيشون فيه ويدرسونه بشكل عميق ومن ثَمَّ يصدرون أحكامًا بما يتناسب مع واقعهم وأن يكون ذلك في المسائل الفرعية الفقهية، أما في يتعلق باهتمام المجامع والهيئات الفقهية لتبني «فقه الأقليات»، من أجل إعادة دراسة كثير من الأحكام الفقهية التي يصطدم بها المسلم هناك أثناء ممارسته لحياته اليومية فإنّ أوزيقان لا يرى بأنّ هناك اهتمامًا كافياً في مثل هذا الأمر، معتبرًا أنّ القرارات الجماعية في الأحكام الفقهية المتجددة للأقليات أفضل من القرارات الفردية، وينبغي على المجامع الفقهية الاهتمام بهذا الجانب.

 دراسة الأوضاع:

 ويرى أوزيقان بأنّ كثيرًا من الأحكام الفقهية التي تهم الأقليات في الخارج تدخل ضمن إطار فقه الواقع والذي يقصد به أهمية أن يقدر الفقهاء والعلماء أوضاع الأقليات وما يتعرضون له، ويدرسون أوضاعهم وطبيعة البلاد التي يعيشون فيها من ثمّ يفتون في الأحكام الفقهية المستجدة والمبنية على الأدلة الشرعية، مضيفًا بأنّ تلك الأحكام تدخل كذلك ضمن فقه النوازل التي لم يسبق للعلماء أن تكلموا فيها، مؤكدًا على أنّ العلماء والفقهاء لابدّ أولاً أن يفتوا بالواقع الذي يعيشون فيه وينزلوا الأحكام الشرعية عليها، وثانيًا لابدّ أن يفتوا ويتكلموا في قضايا جديدة نازلة على المجتمع ولم يسبق للعلماء في السابق أن تكلموا فيها أو أبدوا رأيهم فيها.

 إشكاليات قائمة

 من جهته يرى المفكر والباحث الإسلامي الدكتور جاسم سلطان، بأنّ هذا الأمر يتعلق بثقافة المسلم ووعيه في البيئة التي سوف يذهب إليها من جانب، وجزء آخر يتعلق بالإحكام الشرعية التي اقتبسها وتربى عليها في مجتمعه والتي لا تصلح للبيئة الجديدة التي انتقل إليها، ملمحًا إلى وجود كثير من الرسائل التي تصله متعلقة بمثل هذه الظاهرة والإشكاليات التي يواجهها المسلم في البيئة الجديدة التي انتقل إليها، مرجعًا سبب كثرة هذه الإشكاليات المطروحة إلى أنّ الشخص يذهب وفي ذهنه شحنة من الفتاوى المتعلقة بالطرف الآخر والتي تدعوه إلى اتخاذ سلوك عدائي أو انسحابي، فربما ينعزل عن المجتمع ويخسر كثيرًا من الفوائد التي من المفترض أن يكتسبها من المجتمع الجديد لينقها إلى مجتمعه، منوهًا على أنّ مثل هذا الأمر يتعلق بالإنسان الذي يحمل القيم والمبادئ التي قد اكتسبها من بيئة الفتاوى الشرعية فتكون عنده في كثير من الأحيان نظرة ضيقة وسلبية.

 الاستفاد من التجارب

 ويهيب سلطان بضرورة الاستفادة من تجارب المجتمعات الشرقية الآسيوية مثل:إندونيسيا وماليزيا والتي تقوم بإصدار الأدلة والنشرات الإرشادية لمواطنيها قبل التوجه إلى أي دولة معينة، حيث تحمل هذه الإرشادات كل ما يحتاجه الشخص عن المجتمع الجديد الذي سوف يعيش فيه، مؤكدًا بأنّ المجتمعات العربية يذهب مواطنوها إلى الخارج وهم متواكلون فقط وليس بطرق منظمة ومرتبة، حتى كيفية التعامل مع المشكلات ومواجهتها، وطرق التغلب عليها بأفضل الوسائل التي يمكن التعاطي من خلالها مع المجتمع، منوهًا على أنّ هناك مشكلة تواجه الفقه الإسلامي فيما يتعلق بالطرف الآخر والتي تتمثل في قضايا الولاء والبراء تجاه الشعوب الغير مسلمة، والمعاهدة مع أهل الذمة، حيث يتم فهمهما من قبل الكثيرين على أنّها علاقة إذلال وبأنّ المجتمعات الكافرة هي مجتمعات فاجرة وفاسقة ومعادية للمسلمين، وأنّ هذه المجتمعات تُعَدُّ عند البعض فتنة للذين آمنوا، مشيرًا إلى أنّ مثل هذا الفهم يعود إلى فقه القرن الخامس والسادس الهجري خصوصًا في العلاقة مع أهل الذمة، ويترتب على مثل هذا الفهم أمرين، إما أن ينعزل هناك عن العالم الخارجي، وإما أن يذوب وينصهر ويتحلل بشكل كامل مع هذه المجتمعات الجديدة.

 البعد عن المهاترات

 أما عميد الدراسات العليا في جامعة الإمام محمد بن سعود سابقًا الدكتور سعود الفنيسان فإنّه يؤكّد بأنّ السفر للخارج يُعدّ حاجة للإنسان لذاته، ومن هنا فإنّه ينتقل من بيئة لبيئة جديدة مغايرة سواءً في طريقة التعامل أو في السلوكيات والعادات وفي طريقة التعليم، ومن أهمها تلك المتعلقة بسلوكه وأخلاقه، ومن هنا فإنّه من المتعين على المسلم في البلاد الأوربية والخارجية بحسب الفنيسان أن يختار الرفقاء والأصدقاء الصالحين أو أؤلئك الذين سبقوه من أهل الصلاح والخير وعادوا إلى بلادهم وكانوا ذوو سلوك حسن، وذلك بهدف التعرف على البيئة التي سيَقدُم إليها ذلك الشخص، مشددًا على أهمية ملازمة الطاعة والمحافظة على الصلوات خصوصًا وأنّه ليس لدى المسلم هناك من يعنيه على أمور دينه، مشددًا في نفس الوقت على أهمية الإقبال على المراكز الإسلامية من قبلهم والتي يلتقي فيها الشباب المسلم والأقليات الإسلامية لتكون بمثابة الحصانة الأخلاقية والسلوكية والثقافية، محذرًا من الدخول في قضايا ومهاترات أخلاقية تخالف الشريعة الإسلامية أو في توجهات سياسية، ومؤكدًا على أنّه من الواجب على الملحقيات بالخارج متابعة مواطنيها في جميع شؤونهم.

 مدونة ومكتوبة

 ويرى الفنيسان أهمية أن يتزود الشخص بالأحكام الفقهية التي تهمه هناك وبما يعرف بفقه الأقليات، إذ انّه من المهم أن ينضم إلى الأقلية المسلمة هناك، ويعرف الأحكام الفقهية المتعلقة بهم، فهي مدونة لدى المجمعات الفقهية ومتداولة في الكتيبات والنشرات، منوهًا على أنّه إذا ما اعترضته أو صادفته مستجدات فعليه أن يبادر بمسائلة أهل العلم، حيث أنّ وسائل الاتصال باتت متاحة بشكل واسع سواء كانت في الخارج أو داخل بلاده.

 أصل من الأصول

 ويعتبر الفنيسان بأنّ الأحكام الفقهية التي تهم المسلمين بالخارج لاشكّ بأنّها تدخل في إطار فقه الواقع والمتغيرات والذي هو أصل من الأصول التي تحتاجها المجتمعات، لأنّ الأحكام تتغير بتغير الزمان والمكان، مثل:قضية جمع الصلاة، وأحكام الصيام، والأطعمة من أهل الكتاب والمشركين والذبح الشرعي، أو كيفية تعامل المرأة المسلمة مع الرجل الأجنبي هناك وما هي الحدود الجائزة لها في التعامل مع الآخرين، وعمل المسلم في الأماكن التجارية وغيرها من الأحكام الفقهية التي تهم المسلمين في أمورهم الحياتية هناك.

 متطلبات المجتمع

 وعلى الصعيد نفسه يرى الأستاذ بجامعة الملك سعود الشيخ الدكتور محمد الخضيري، أهمية مراعاة فقه إسلامي يناسب تلك الأقليات من قبل المجامع الفقهية والمؤسسات الشرعية التي يجب أن تراعي الفقه المناسب لهؤلاء، لأنّ البيئة التي يعيشون فيها تختلف عن التي عاشوا فيها من قبل، مؤكدًا على أهمية أن تراعي الأحكام والفتاوى الفقهية الواقع الجديد الذي يعيش فيها المسلمون، ومستندة في ذلك إلى الأدلة الشرعية الصحيحة، حيث أنّ تلك الأحكام الفقهية يدخل بعضها ضمن فقه النوازل التي لم يسبق للعلماء أن أشاروا إليها من قبل أو نظروا فيها، والبعض الآخر من فقه الواقع الذي يراعي في ذلك واقع ومتطلبات المجتمع، مشددًا على أنّ مثل هذه القضايا تحتاج إلى أن يُستشار فيها العلماء والفقهاء الراسخين في العلم وينظروا ويبتُّوا في قضية ما بات يعرف بفقه الأقليات مستندين في ذلك على الأدلة الشرعية الصحيحة ومراعيين في نفس الوقت الواقع التي ينزلون فيها الحكم الشرعي أو الفتوى.

 إخضاعهم لدورات تأهيلية

 وفي سياق متصل يعتبر المدير العام لقناة اقرأ الأستاذ محمد سلام، بأنّ إيجاد أحكام أو فتاوى شرعية جديدة تدخل ضمن تخصص واهتمام الشرعيين، مشيرًا إلى أنّ الدين الإسلامي على مدى التاريخ يوجد فيه كثير من الأحكام الشرعية التي تراعي الظروف الزمانية والمكانية، إذ أنّ تطور ظروف الحياة قد دفع بكثير من العلماء والفقهاء إلى إيجاد كثير من الأحكام الشرعية وإعادة دراستها، منوهًا على أنّ الظروف الحالية تحتاج إلى أن يراعي أهل العلم ظروف المسلمين الجديدة التي يعيشون فيها، لكن الأهم من ذلك هو إخضاعهم قبل السفر لدورات تأهيلية وندوات إرشادية لا تقلُّ مدتها عن الشهر، فهناك أخطاء وتجاوزات شرعية تحدث نتيجة الجهل بالأحكام الشرعية وعدم معرفتها من قبل الكثير منهم.

 4 مذاهب فقهية

 ويشير سلام إلى وجود كثير من الأحكام الشرعية التي لا تقبل التبديل أو إعادة النظر فيها، وهناك في المقابل أحكام فقهية قابلة للاجتهاد والتغيير والقياس، والدليل على ذلك أنّه وجد بعد عهد الصحابة رضوان الله عليهم 4 مذاهب فقهية كانت لكل منها آراء فقهية مختلفة عن الأخرى، ولكن في قضية الثوابت والقطعيات كانوا مجمعين عليها، منوهًا على أنّ معظم المشكلات التي يصطدم بها المسلمون في الخارج ويقعون في الحرج بها هي من الأصول التي لا خلاف عليها وليس الفروع التي يتسع فيها الخلاف بين الفقهاء والعلماء، ويبقى من الضروري توعية وإرشاد الإنسان المسلم لفترة زمنية كافية في مثل هذا الجانب.

 لا وجود لفقه خاص

 وفي نفس الإطار يرى أستاذ الفقه وأصوله بجامعة أم القرى الدكتور محمد الصواط، بأنّه لا يوجد في الفقه الإسلامي فقه خاص بالأقليات، وإنّما تكلم الفقهاء عن أحكام المسافرين والمغتربين في أبواب متفرقة من الفقه كالصلاة والزكاة والصيام والجهاد وغيرها، مشيرًا إلى أنّ كثيرًا من أحكام الأقليات تدخل ضمن قواعد فقهية عامة كقواعد التيسير ورفع الحرج وقواعد إزالة الضرر وقواعد العادة والعرف وغيرها، منوهًا في الوقت نفسه على أنّ المجامع الفقهية أولت قضايا الأقليات عناية كبيرة وخاصة تلك المجامع التي نشأت في وسط المجتمعات الغربية كالمجمع الأوربي للإفتاء ومجمع فقهاء الشريعة بأمريكا.

 فهم النصوص

 ويؤكدّ الصواط على أهمية أن ينبري أهل العلم والمتخصصون إلى بيان المسائل التي تهم تلك الأقليات وتلح عليه، وأن تعقد الدورات والمؤتمرات والندوات في هذا المجال سواءً في الداخل قبل سفرهم أو في الخارج عبر الملحقيات الثقافية والمراكز الإسلامية، موضحًا بأنّ أحكام الأقليات تدخل فيما يسمى بفقه الواقع، وهو علم يبحث في فقه الأحوال المعاصرة للأفراد والمجتمعات والعوامل المؤثرة فيها سلبًا وإيجابًا، مضيفًا بأنّ هذا النوع من الفقه مهم في فهم النصوص وتنزيلها على الواقع ولا يتحصل هذا الفقه إلاّ بتوفر مجموعة من الاختصاصات في شُعَبٍ متفرقة تحقق التكامل بين العقل والنقل والتنظير والتطبيق.

 الفقه موجود

 من جانبه يؤكدّ الداعية والباحث الشرعي الدكتور سعد السبر، بأنّ الفقه الشرعي موجود منذ 1433 سنة والدين مكتمل ولسنا بحاجة لفقه جديد وهذا الأمر المشكلة فيه هو أننا نحتاج لمن لديه فقه شرعي وأصول فقه وتعمق في الألفاظ ودلالاتها وفهم للأحوال وينزل القضايا المستجدة على القواعد الأصولية الفقهية ومعلوم بأنّ الفقه ممتلئ برخص للسفر والمسافرين والمغتربين وغيرهم ولكنّها بضوابط تحتاج فقيه ينزل نوازلهم على هذه الرخص، منوهًا على أنّ المجامع الفقهية من أعظم النعم علينا في عصرنا بل إنّها تمثل أفضل فترة للتاريخ لتكاملها وتكامل التباحث فيها، وجمع الفقهاء من أكثر البلدان ليدرسوا أي قضية تُطرح عليهم، مشددًا على أنّ من يقول بأنّ فتاوى هؤلاء الفقهاء تُكبل الأقليات ولا تراعيهم يؤكدّ بأنّ واقع المجامع الفقهية يُخالف ذلك بل إنّ من أعظم ما يميز المجامع أنّ فتاواهم لابدّ لصدورها أن يأخذوا قول المختصين من غير الفقهاء في أي مسألة كالأطباء والمهندسين وغيرهم، مشيرًا إلى أنّ الأحكام الفقهية التي تهم الأقليات تدخل ضمن فقه الواقع الذي لابد فيه من معرفة المآلات قبل إصدار الفتوى ويستحيل أن يُفتي من لم يفقه واقع السائل والمسألة والمجتمع، بل من المستحيل أن يُفتي من لم يعرف المآل وهذه أسس في الفتوى ليست موجود عند الكثيرين ممن يسمون أنفسهم فقهاء ومفتون وهم ليس لديهم أي علم بالأصول والقواعد الفقهية والأصولية والدلالات, ولاشك أنّه لا يوجد فتوى مبينة على غير معرفة قصد الشارع بل يستحيل ذلك لأنّ الشريعة كلها وضعت بقصد إيجاد المنفعة للناس ودفع المضرة حتى قرر الشاطبي في كتابه «الموافقات» بأنّ دفع المضرة يرجع في الحقيقة لإيجاد المنفعة، وعلى أثر ذلك فإنّ الشريعة كلها وضعت لإيجاد المصلحة للناس في حياتهم ومآلهم.

 لا لترويج فقه الأقليات

 من جهته يرى الأكاديمي والداعية الإسلامي الدكتور عبدالله الصبيح، بأنّه مما ينبغي التنبيه عليه هو أنّ دين الله واحد لمن هو في السعودية ومن هو خارجها، فالمسلم في الخارج يلزمه ما يلزم المسلم في بلاد المسلمين سواء كان في دولته أو غيرها، فالمحرم محرم أينما كان والمباح والواجب هو كذلك أينما كان، ولهذا لا ينبغي المبالغة في الترويج لإيجاد فقه خاص للأقليات وفقه خاص لمن ليس بأقلية، منوهاً في الوقت نفسه على أنّه قد يواجه المسلم حالات استثنائية في بلاد الغربة أو غيرها فهذا يجتهد فيه الفقيه بالقدر الذي يخرج المستفتي من المأزق الذي يواجهه، وتقدير الحال هل هو مأزق أو حالة استثنائية فهذه يدركها الفقيه وربما كان يحتاج إلى خبرة أو إلى معرفة بالبيئة الجديدة، ولهذا وجود وعي بأوضاع الأقليات يساعد الفقيه في تقدير أوضاعهم، مشيراً إلى أنّ عقد ملتقيات لمناقشة أوضاع المغتربين الفقهية مما يثري الفقه ويزيد الوعي والبصيرة بأوضاع هؤلاء المغتربين سواء كانوا مغتربين أو مهاجرين، مؤكداً على أهمية وجود وعي بأوضاع الأقليات المسلمة في بلاد غير المسلمين.

 البحث عن التيسير

 ويضيف قائلاً: «ومما ينبغي التنبيه عليه هنا أنّه لا ينبغي أن تكون الموجه للفقهاء البحث عن التيسير كما يقول البعض أو تحويل الفقيه إلى فقيه استثناءات لأنّ هذا العمل ربما يفضي إلى القضاء على الهوية الإسلامية عند هؤلاء وينعدم فيها التمييز بين المسلم وغيره في بلاد الكفر»، مشدداً على أنّ انعدام التمييز بين المسلمين وغيرهم ليس مقصداً للشريعة حتى لو كان غايته التيسير، فالشريعة جاءت الشريعة بالحث على مخالفة الكفار والمشركين، وشعور المسلم أنّه مختلف عمن حوله من غير المسلمين يدفعه إلى العمل المثمر فينشئ المؤسسة الإسلامية والمدرسة الإسلامية والمتجر الإسلامي والبيئة الإسلامية، مشيراً إلى وجود متاجر إسلامية كالتي تبيع اللحوم المذبوحة ذبحاً إسلامياً والمدارس التي تخلو من الاختلاط والمنضبط إسلامياً والتي تعنى بتعليم الدين الإسلامي ولو كان الاتجاه الفقهي إلى إزالة الفوارق بين المسلمين وغيرهم لما رأينا ذلك، مؤكداً على عدم رؤيته تخصيص فقه خاص للأقليات أو المغتربين، ولكن يعالج الفقيه الحالات الاستثنائية باعتبارها حالات فردية وليست وضعاً عاماً، وعلى أثر ذلك فإنّ فقه المقاصد إذا كان يتناقض مع الفقه العام القائم على الدليل فأحدهما خطأ لأنّ الأصل في الفقه أن يراعي المقاصد والمآلات.

 حاجة ماسة

 أما الأكاديمي والباحث الدكتور حسن شموط، فإنّه يؤكد على أنّه في ظل الانفتاح على العالم، وفي ظل انتشار الأقليات الخارجية سواء الدراسية أو الدبلوماسية أو الهجرة للخارج، فإنّه يحتاج المسلم إلى معرفة أحكام الشرع فيما يتعلق بسفرهم في تلك البلاد غير الإسلامية، التي لا تستقيم الحياة فيها من غير مخالطة غير المسلمين، سواء في الأسواق، أو الجامعات، أو السكن، فهم بأمس الحاجة إلى فقه الأقلية الذي يجهله كثير منهم، منوهاً على وجود تضارب في الفتاوى المتعلقة بموضوع الأقليات وما يعتريه من أحكام، فمن مضيق لدائرة المباح، ومن موسع لها، فأوقعت تلك الفتاوى المتناقضة الناس في إشكاليات التطبيق، ووقع المسلم في الحرج جرائها، موضحاً بأنّ كل ذلك يستدعي من فقهائنا إعادة النظر في فقه الأقليات والمغتربين والنزول إلى واقع الناس المعاش، لتتحول الأحكام من تشريعات نظرية إلى أحكام عملية نابعة من الواقع الذي يعيشه المغترب مع ضرورة المحافظة على الثوابت الرئيسية في الشرع، وعدم مخالفة النصوص القطعية الثابتة.

 اهتمام واضح

 وحول نظرته إلى اهتمام المجامع والهيئات الفقهية لتبني ما يعرف «فقه الأقليات»، لأجل إعادة دراسة كثير من الأحكام الفقهية التي يصطدم بها المسلم في الخارج يوضح شموط بأنّ هناك اهتمام واضح من المجامع والهيئات الفقهية في جانب فقه الأقليات، بل إنّ بعض المجامع تخصصت في تلك الأحكام بحسب طبيعتها كمجمع فقهاء أمريكا، لكن قد يصطدم المسلم بالتناقض الذي يصدر عن تلك المجامع مع فتاوى بعض أهل العلم، كما أنّ عدم شعور المسلم بمصداقية تلك المجامع وعدم قناعته بها يجعله غير مهتم بما يصدر عن تلك المجامع من فتاوى، منوهاً على أنّ المطلوب من المجامع والفقهية أن تمس واقع المسلمين، فأحياناً يصطدمون بفتوى صادرة عن مجمع فقهي أو عن هيئة علمية وبين الواقع المعاش، وأقصد بذلك الأحكام الظنية التي قد تكون محل خلاف بين الفقهاء، فالثوابت الشرعية والأحكام القطعية ليست محل نقاشنا، فيضطر الشخص لمحاباة الواقع العملي الذي يعيشه على حساب الفتوى الشرعية الصادرة، مضيفاً بأنّ كثير من الأحكام الفقهية التي تهم الأقليات في الخارج تدخل ضمن إطار فقه الواقع الذي يمكن من خلاله معرفة تنزيل الأحكام الشرعية ومقاصدها من خلال استحضار المقاصد والمآلات مع عدم التفريط بالنصوص الشرعية الثابتة.

 الأحكام تتغير

 من جانبه يعتبر الأكاديمي والباحث الشرعية الدكتور فؤاد خياط، أنّه من المقرر شرعاً أن الأحكام تتغير بتغير الزمان والأحوال، وفي هذا الشأن ظهر المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث كدليل على العناية بمثل هذا الفقه، موضحاً بأنّ سفر المسلمين للدراسة والعيش في بلاد الكفار يعد نازلة من النوازل، وهذا يلزم منه رفع الحرج عنهم بتبيين الأحكام التي تعرض لهم، وقد قامت المجامع الفقهية ومراكز الفتوى على قلة عددها بدور مشكور في هذا الجانب ولكن الأمر يحتاج لزيادة اهتمام وتبيين، وإنشاء المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث هو من باب سد هذه الثغرة، معتبراً بأنّ كثيراً من الأحكام الفقهية التي تسأل عنها الأقليات هي من الأمور الشائع فقهها، ولكن جهلهم بأمور دينهم جعل منها إشكاليات، أما القضايا العامة التي تعرض لهم فهي من باب فقه النوازل.

 بحاجة لتعامل جديد

 أما رئيس مبادرة المسلمين والمسلمات النمساويين المهندس طرفه بغجاتي، فيؤكدّ بأنّ المسلمين في أوروبا لم يعودوا مغتربين يقضون فترة في بلاد الغربة ويعودون بعدها إلى بلادهم، بل أصبحوا جزءا لا يتجزأ من مقومات المجتمع الأوروبي، وبهذا نحتاج إلى إصلاحات جذرية في طريقة النظر إلى الفقه الإسلامي مراعين في الفتوى الشرعية عوامل الزمان والمكان والإنسان، منوهاً على أننا لا نحتاج إلى فقه جديد بل إلى تعامل جديد مع الفقه بعيداً عن التعصب المذهبي وعن التشبث بتقاليد موروثة لا علاقة لها بالدين أصلاً، فالمسؤولية كبيرة والانفتاح واجب، فمثلاً جميع أبناء الأتراك والبوسنة وكثير من العرب وغيرهم من أتباع مذهب أبي حنيفة ومعروف عن بعض المذاهب عدم تقبلهم الجمع بين الصلوات حتى في حالات السفر والمرض والمطر وغيرها، فيؤدي ذلك من ناحية الوقت وقصر المسافة بين الظهر والعصر في الشتاء إلى إضاعة صلاة الفريضة في كثير من الأحوال وخاصة في السفر، ومن هنا يقول يشير بغجاتي إلى أنّ مشايخ الأحناف بدءوا يفتون بإمكانية الأخذ برخصة الجمع دونما أي حرج معتمدين بذلك على الأقوال المعتمدة عند المذاهب الأخرى، ومثال آخر وهو موضوع النقاب وتغطية الوجه فهو من ناحية شرعية موضوع فيه سعة لا يحبذ أن يتشبث البعض به في حين انعدام المبرر كما هو الحال هنا في أوروبا، منوهاً على أنّ من أهم القضايا الفقهية في الخارج تلك التي متعلقة بالمرأة وأحكامها وعملها وسفرها إلى ما غير ذلك.

 حساسية الموضوع

 ويضيف بغجاتي قائلاً: «هناك موضوع حساس أيضاً مثلاً هو ختان الأنثى وما أجمع عليه من ضرر وبعد عن الإسلام، فالحمدلله نرى أنّ الغالبية العظمى من العائلات المسلمة القادمة من البلاد التي ما زالت مجتمعاتها تمارس هذه العادة قد تخلت عن هذه العادة، بل أيضاً قامت بنشاطات لمكافحة هذه العادة في بلادهم الأصلية، وهذا ليس لتأثير غربي عليهم ولكن من منطلق إسلامي مبني على أقوال العلماء وبعيداً عن موروثات الماضي»، معتقداً بأنّ التحديات الحالية تواجه الجميع أقليات وأغلبيات فليست المشكلة كامنة في الفقه فقط، بل الأهم هو تعريف جديد وعميق لمقاصد الشريعة السمحة، مؤكداً على أنّه عندما نتحدث عن الدين كمقصد أول يجب علينا أن نفهم أيضاً الحرية الدينية والحرية المذهبية واحترام الآخر ولو خالفناه، وعندما نتحدث عن النفس فليس الموضوع فقط هو تحريم قتل النفس التي حرم الله بل احترام هذه النفس وكرامتها وحريتها، وعندما نتكلم عن العقل فحمايته تكمن في حرية إبداء الرأي والسؤال والتساؤل وحرية الإعلام وحرية المعارضة، وتكافؤ الفرص، وحرية المال، فهو ليس فقط للفرد بل للمجتمعات، وكذلك فيما يتعلق بتوزيع الثروات ومكافحة الرشوة، مشدداً على أنّه عندما نتفهم هذه المواضيع سنجد أنفسنا تلقائياً أمام فقه متجدد وفي نفس الوقت مبني على أسس الشريعة السمحة دونما أي تمييع أو مغالطات تناقض مقاصد هذا الدين.

السفياني: والفقه الإسلامي يراعي حاجات كثير من المسلمين في مختلف أنحاء العالم وفقه الأقليات يصب في هذا الجانب
 بداية يؤكدّ عميد كلية الشريعة بجامعة نجران الدكتور عابد السفياني، بأنّ المجامع الفقهية تقوم بالاهتمام في هذا المجال، وبأنّ الفقه الإسلامي يراعي حاجات كثير من المسلمين في مختلف أنحاء العالم، وفقه الأقليات يصب في هذا الجانب والذي خدم كثير من الأقليات الإسلامية في مختلف دول العالم وخصوصاً فيما يتعلق بالمسائل الفقهية الجديدة، والتي قد توقع كثير من المسلمين في حرج خارج بلدانهم الأصلية وتحتاج إلى البت والنظر فيها، مشيراً إلى أنّ المجامع الفقهية قدمت فتاوى وأحكام فيما يتعلق بفقه العبادات والسلوك والنواحي الإقتصادية والإجتماعية وسائر القضايا الضرورية التي تهم المسلمين هناك وتدخل ضمن الأحكام العامة، منوهاً على أنّ الأحكام الشرعية لها ضوابط معنية من أجل رفع الحرج، ومن المهم أن يكون هناك آراء متجددة في المسائل الفقهية المختلفة، مطالباً في نفس الوقت المراكز والهيئات الإسلامية في الدول الغير إسلامية ضرورة التواصل مع العلماء والفقهاء والمجامع الفقهية للبت والنظر في الأحكام الفقهية، حيث أنّه إذا ما تمّ هذا التواصل فإنّه سيعمل على مراعاة حاجات ومتطلبات الناس الحياتية في الخارج.

 دلالة المقصد

 ويرى السفياني بأنّ كثيرا من الأحكام الفقهية التي تصادف الأقليات في الخارج لابدّ أن ينظر فيها بحسب دلالة المقصد عليها، والتي تدخل ضمن ما يعرف بفقه المقاصد، وبأنّ مثل هذا الأمر لا يعرف إلاّ من خلال العلماء والهيئات العلمية والمجامع الفقهية المتخصصة في مثل هذه القضايا، والتي تعقد بشكل دوري الندوات والمؤتمرات واللقاءات المختلفة من أجل النظر في كثير من القضايا الشرعية التي تهم الأقليات الإسلامية ومناقشتها فيما بينهم، لكن من الضروري بحسب السفياني أن تتواصل المراكز والهيئات الإسلامية مع علماء الشريعة والمجامع الفقهية الموجودة في العالم الإسلامي لأجل نقل الأحكام الفقهية المستجدة والتي تدخل في الواقع الحياتي للمسلمين هناك، مشيراً إلى أنّ الأحكام الفقهية التي نظرت فيها المجامع وناقشتها كثيرة جداً ولا حصر لها.

أبو سمحة: هذا الأمر يحتاج إلى دقة في الفهم وتخصص واستيعاب للساحة التي نحتاج للحديث عنها
 وفي سياق متصل يقر مساعد الأمين العام للندوة الدولية للحديث الشريف بدبي الدكتور عبدالسلام أبو سمحة، وجود فقه شرعي يعنى بالأقليات قائلاً: «من قال أن هذا الأمر لم يشرع به، وهذا ما يسمى بفقه الأقليات، ويحتاج إلى دقة في الفهم وتخصص واستيعاب للساحة التي نحتاج للحديث عنها، والأهم من ذلك تحتاج للمتخصصين في هذه المسألة الدقيقة»، معتبراً بأهمية أن تتضافر هذه الأنواع المختلفة من الفقه بما يحقق المصلحة المرجوة للمسلم في دينه ودنياه فهذه وسائل للتعامل مع النص والتي يستخدم أي منها بفهم سديد ليحقق المصالح الحقيقة التي جاء الشرع الكريم بها فأينما تكون مصلحة فثم شرع الله، فلا مناع من استخدامها، مشدداً على أهمية الحرص على قضية الفتوى قائلاً: «من أفتى وتحدث في كل شيء فاعلم أنّه لا يفقه في كل شيء ولما كان الموضوع مطروح على مستوى المجامع الفقهية فالأمر يحترم فيه رأيهم فهم أهل تخصص ويؤكد ذلك صلاحية الدين لكل زمان ومكان».

أوزيقان: يجب على جميع العلماء النظر في أوضاعهم ومن ثَمَّ يصدرون أحكامًا تتناسب معهم
 
سلطان: هذا يتعلق بثقافة الشخص ووعيه في البيئة التي سوف يذهب إليها
الفنيسان: هذه الأحكام الفقهية تدخل في إطار فقه الواقع والمتغيرات والذي هو أصل من الأصول
الخضيري: علينا مراعاة ما يناسب تلك الأقليات من قبل المجامع الفقهية والمؤسسات الشرعية
سلام: معظم المشكلات التي يصطدم بها المسلمون في الخارج هي من الأصول التي لا خلاف عليها
الصواط: لا يوجد في الفقه فقه خاص لفئة بعينها وإنّما تكلم الفقهاء عن أحكام المسافرين والمغتربين
السبر: الفقه الشرعي موجود منذ 1433 سنة والدين مكتمل ولسنا بحاجة لفقه جديد
الصبيح: لا ينبغي المبالغة في الترويج لإيجاد فقه خاص للأقليات وفقه خاص لمن ليس بأقلية
شموط: هناك تضارب في الفتاوى المتعلقة بموضوع الأقليات وما يعتريه من أحكام
خياط: جهل الأشخاص بأمر دينهم جعل من هذه القضايا إشكاليات أما القضايا العامة فهي من باب فقه النوازل
بغجاتي: نحتاج إلى إصلاحات جذرية مراعين في الفتوى الشرعية عوامل الزمان والمكان والإنسان

————–

نقلاً عن صحيفة المدينة

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*