الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » السياسة الشرعية للأقليات المسلمة » مقالات وأخبار » المهاجرون في أوروبا وأزمة السياسات الداخلية

المهاجرون في أوروبا وأزمة السياسات الداخلية

لا يمر يوم واحد في أوروبا دون أن تسمع أو تقرأ عن مشاكل إدماج المهاجرين وبالأخص المسلمين منهم في المجتمعات؛ والمصيبة الآزفة والداهية العظمى التي ليس لها من دون الله كاشفة أن هذا الموضوع أضحى الشغل الشاغل لصناع المرشحين السياسيين وفي الانتخابات الرئاسية والتشريعية والمحلية؛ ويكفي الرجوع إلى حمى الانتخابات الرئاسية في فرنسا التي هي على الأبواب للاقتناع بذلك. 

لقد أضحت أوروبا في منعطف القرن الواحد والعشرين أرضا للهجرة، بيد أنه لم تأخذ غالبية الدول الأوروبية هذا المعطى بعين الاعتبار، حيث ظلت تعتبر الهجرة كحل مؤقت لحاجتها الملحة لليد العاملة التي تعاني منها، في حين غدت الهجرة اليوم عاملا مؤثرا في بنيتها السكانية وهويتها؛ كما طبق الاعتراف بحقوق المواطنة بنوع من التحفظ، وكثيرون هم الوطنيون الذين يقاومون اعتبار الوافدين المنحدرين من الهجرة كمواطنين جدد. ويتضح ذلك بجلاء في دول الجنوب التي انتقلت بسرعة من دول مصدرة للمهاجرين إلى دول تستقبلهم؛ ولعل هذا الواقع الذي يرتبط بحواجز راسخة في الرأي العام، وبالترسانة القانونية لدول الاتحاد، المجحف بشكل خطير لوضع الفاعلين والمواطنين وبكيفية شاملة المهاجرين وأولئك المستقرين لمدة طويلة. 

السيدة كاترين ديفندن واحدة من كبار المختصين في مشاكل الهجرة في أوروبا وفي العالم ولها كتابات وأفكار نادرة، جريئة وأكاديمية مع زمرة قليلة من المختصين ينادون بضرورة التعاون شمال-جنوب وإعطاء المهاجرين مكانتهم في هذا التعامل… 

ترى (هاتة) المختصة أن الشروط القانونية التي يجب توفيرها لكي يصبح المهاجرون وذرياتهم فاعلين بالدول الأوروبية، يجب أن تطال مستويات عديدة على غرار المستوى الدستوري، مع الاعتراف بحق التصويت المحلي وترشح الأجانب المقيمين للانتخاب على غرار نظرائهم الأوربيين. 

فبعض دول الاتحاد الأوروبي قد تبنت هذا الحق بتغيير دساتيرها منذ سنة 1975، مثل السويد فالدنمارك سنة 1981 ثم هولندا سنة 1985 وبلجيكا سنة 2004 (حق التصويت فحسب). ولكن ظلت دول أخرى كفرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا أكثر تحفظا، ولم تطرح دول أوروبا الوسطى والشرقية بعد هذا الموضوع للنقاش. في حين يحظى مواطنو دول الكومنويلت بالمملكة المتحدة وبآيرلندا بحق التصويت والترشح للانتخاب في جميع الانتخابات منذ سنة 1963. ففي القانون الوطني يتيح الاعتراف بحرية تشكيل الأجانب للجمعيات في الظروف عينها التي يتمتع بها المواطنون إمكانيات كبيرة للتعبير عن مشاكلهم في الساحة العمومية، ولتحقيق تواجد علني للجمعيات الإسلامية دون أن يظل تواجدها سريا، مما يشجع في بعض الأحيان بظهور ضروب التطرف. وفي القانون الوطني كذلك، يعتبر حمل جنسية دول الاستقبال المرن عن طريق الاستفادة من قانون الأرض ضمانا لاندماج سياسي واجتماعي ناجع لهؤلاء المواطنين الجدد الذين غالبا ما ولدوا في دول الاستقبال هذه ولم يهاجروا أبدا إليها. ويمر كذلك الحصول على حقوق جديدة على الصعيد الوطني بإمكانية كبيرة لتسوية أوضاع المهاجرين غير الشرعيين طبقا لمعايير الشغل والروابط العائلية، كما حدث بدول جنوب أوروبا كإسبانيا وإيطاليا على وجه الخصوص، بالإضافة إلى البرتغال واليونان، لأن غياب الوثائق يمثل عائقا كبيرا في مجتمع الاستقبال، كما تشمل الحقوق الجديدة كذلك اعترافا واسعا بحق اللجوء وإلا سيتم صياغة لاءات (لا تسوية لا ترحيل). وفي الأخير تفترض هذه الحقوق سهولة حركية الفئات المهاجرة المتنوعة (وتشمل طلبة أكملوا دراساتهم الجامعية، وشبابا في مرحلة التكوين المهني، ومتدربين وعمالا موسميين ومقاولين وخبراء…) بفضل تنويع متزايد لنظام التأشيرات. 

وهناك شروط قانونية أخرى تتمركز في سجل فعالية القوانين على الصعيدين الوطني والمحلي: مناهضة ضروب التمييز (المنصوص عليها في الفصل 13 من معاهدة أمستردام منذ سنة 1997) مرفوقة بتشريع وطني، وتطبيق سياسة ترتكز أكثر على المزيج الاجتماعي في الأحياء المهمشة، والحصول على حق سن سياسة تطوعية للسكن الاجتماعي، وتحسين الحق بالمساواة في الفرص فيما يتعلق بالتمدرس والحصول على الشغل، والتحسيس بالتنوع الثقافي والاجتماعي والديني في برامج التكوين المهني، ووضع سياسات للمشاركة في حياة المدينة، والاعتراف بحق العبادة الإسلامية. 

ولعل أجندة كهذه لتبدو طموحة، ومع ذلك وضعت جزئيا كورش بغالبية دول أوروبا التي شرعت في تحديد سياساتها المرتبطة بالهجرة. وقد شهد الاعتراف بحق التصويت المحلي لفائدة الأجانب تطورا بطيئا، ولكن بلدانا كإسبانيا وإيطاليا أصبحت تناقش الموضوع بكل جدية. وباتت المكانة المرموقة التي يحظى بها قانون الحق في الأرض لحمل جنسية دول الاستقبال، بما فيها دول معروفة تقليديا بارتباطها بقانون الصلة عبر الدم كألمانيا، تعد اليوم نقطة التقاء سياسات وطنية للدول الأوروبية تقرر فيها كل دولة على حدة باعتبار خصوصيتها الفرعية وليست مرتبطة بسياساتها المشتركة. 

وأصبح الوعي بضرورة فتح الحدود أمام المهاجرين من أجل عمل المؤهلين منهم وغير المؤهلين، ولكن بقانون مؤقت في إطار الشيخوخة الديموغرافية والخصاص الذي يطال اليد العاملة، موضع اهتمام مع مشروع “البطاقة الزرقاء” الذي أطلقه المفوض الأوروبي فراتيني ربيع سنة 2007، وغالبا ما يكون مقابل فرض القيود تمس شروط التجمع العائلي. 

كما اندرج النضال ضد ضروب التمييز في قانون دول أوروبا الخمسة عشر منذ إصدار اتفاقية أمستردام (الفصل 13 الذي ينص على أنواع التمييز التي يتعين محاربتها). ويعتبر التنوع العرقي حدثا لا مناص منه رغم أن التعدد الثقافي كان محل نقاش بالدول التي ذهبت أبعد من ذلك في هذا الصدد (كالمملكة المتحدة وألمانيا). 

وبالمقابل برزت أنواع من الجمود، كالتشدد في مراقبة الحدود وبطرق جد مكلفة بذريعة محاربة الإرهاب، والسياسات الأمنية مع إشراك دول جنوب المتوسط في حماية الحدود عن بعد (سياسة تصريف الحدود)، مما يولد آلاف الموتى على مشارف أوروبا، ومعاقل الاحتجاز في بلدان العبور، كما هو الشأن بالنسبة لبلدان المغرب العربي، حيث يوجد المهاجرون غير الشرعيين بين المطرقة والسندان دون أن يتمكنوا من الذهاب بعيدا. وغالبا ما يظل المهاجرون غير الشرعيين في أوروبا محرومين لسنوات من حقوقهم (باستثناء حصولهم على العلاجات المستعجلة وتمدرس أبنائهم)، كما يعملون في الخفاء في مجالات تطبق غالبا أشكال جديدة لتكريس العبودية وتجارة الرقيق. 

وما يزال التمازج الاجتماعي بعيد المنال؛ وكثيرة هي الدول الأوروبية التي تخشى شبح الضواحي، على غرار فرنسا، حيث تغلغل الفقر وحيث يولد الانغلاق في مجالات الإقصاء هوية التمرد والانطواء؛ وفي وجرائم تولوز ومونتوبان الفرنسيتين الأخيرة التي اقترفها محمد مراح وهو شاب جزائري في الثالث والعشرين من العمر على ارتباط بتنظيم “القاعدة” دليل حسب منظري (هاتة) المدرسة التي تخشى شبح الضواحي. 

كما أن محاربة ضروب التمييز ما فتئت في بدايتها باستثناء المملكة المتحدة حيث بدأ العمل بها ابتداء من سنة 1976 (خلق هيأة من أجل المساواة العرقية). وأصبحت حركية الأفراد وشرط ممارسة كاملة للمواطنة بين ضفتي المتوسط أكثر صعوبة بسبب صعوبة الدخول إلى الدول الأوروبية والخروج منها بالنسبة لأولئك الذين يوجدون في وضعية مؤقتة، أو الذين قصدوا أماكن حساسة. 

وإذا أردنا خلق شروط قانونية لكي يغدو المهاجرون فاعلين حقيقيين، يجب إعطاء مكانة كبيرة لمواطنة الإقامة حتى يتمكن المهاجرون وذرياتهم من امتلاك فضاءات للتعبير وللمداولة الجماعية والمشاركة الجمعوية والتمثيلية المحلية والوطنية والأوروبية، وذلك لإعطاء المهاجرين والمواطنين الجدد الحق في المدينة في الفضاء الأوروبي الذي يعيشون فيه أو يتنقلون عبره. 

—————–

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- د. عبد الحق عزوزي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*