الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » السياسة الشرعية للأقليات المسلمة » مقالات وأخبار » المسلمون أسسوا حضارة إسلامية راقية بدول أمريكا اللاتينية

المسلمون أسسوا حضارة إسلامية راقية بدول أمريكا اللاتينية

لم تكن مشاركتي في اجتماع رؤساء المراكز والجمعيات الثقافية الإسلامية في أميركا اللاتينية الذي عقد في العاصمة الأرجنتينية بوينس أيرس (مايو 2001)، قاصرة على متابعة أنشطة ذلك الاجتماع للوقوف على مشاكل وهموم أكثر من خمسة وعشرين مسؤولاً عن العمل الثقافي الإسلامي في هذه القارة النائية عن دول العالم الإسلامي والبعيدة عن تأثير نشاط الأقليات المسلمة الفاعلة في مجتمعاتها الجديدة في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية وكندا.. الخ، بل حرصت على الوقوف على ظاهرة تدافع الأميركيين اللاتينيين إلى الإسلام بعد دراسته وفهمه فهماً صحيحاً، ليملأ الإسلام الخواء الروحي الذي يعاني منه هؤلاء ليوطدوا صلتهم بالله الواحد الأحد عن طريق اعتناق الدين الإسلامي.  

ومن أبرز المعالم الإسلامية التي تستوقف المرء الزائر لمدينة بوينس أيرس مركز خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز الثقافي الإسلامي الذي يعدّ بلا أدنى ريب منارة للإشعاع الحضاري الإسلامي مبنى ومعنى، حيث زرناه في ضيافة عدنان بن عبد الله بغدادي السفير السعودي لدى الارجنتين، وأدينا فيه صلاة الجمعة مع وفود المؤتمر وأهل البلد. فبالفعل يمثل هذا المركز منبراً ينطلق منه صوت الإسلام لينير معالم الطريق للمسلمين وغيرهم. وكذلك زرنا المركز الثقافي الإسلامي في المدينة نفسها، وبعض المدارس الإسلامية النظامية والأسبوعية. 

وأكد لي عدد من المسلمين من الأميركيين اللاتينيين أن هناك أعداداً كبيرة من هؤلاء هجروا الكنيسة الكاثوليكية، واعتنقوا مذاهب وأدياناً أخرى من بينها الدين الإسلامي. وأن الذين أنعم الله عليهم بالهداية إلى دين الحق، جذبهم إلى اعتناق الإسلام، الجانب الروحي والعملي في هذا الدين القيم. 

وأنهم يتوقون إلى الحصول على مصادر إسلامية باللغة الإسبانية، وكذلك إلى ترجمة معاني القرآن الكريم باللغة الإسبانية ليتذوقوا حلاوة الإيمان ويتعرفوا على جلال القرآن. مع كل الصعاب والمعاناة التي واجهت المسلمين الأوائل في أميركا اللاتينية، فقد حققت الدعوة الإسلامية في هذه المنطقة خلال العقود الأخيرة، تقدماً ملموساً نتج عنه زيادة في أعداد المسلمين، وإنشاء المزيد من المؤسسات والمنظمات الدعوية والتعليمية وزيادة فعالية الصحوة وتقوية الانتماء إلى الدين الإسلامي الحنيف. 

كما أدت الهجرات المعاصرة إلى بعض دول اميركا اللاتينية، إلى تنشيط دور المسلمين وتوعيتهم ونشر الوعي الديني الصحيح، حيث بدأ المسلمون يلتزمون بمبادئ الإسلام وتعاليمه، وتظهر معالم المجتمع الإسلامي من جديد في هذه المناطق، وتصدر ترجمات لمعاني القرآن وكتب إسلامية أخرى باللغة الإسبانية، ويتمّ التعريف بالإسلام عن طريق وسائل الإعلام المختلفة.

بحارة مسلمون مع كولومبس

وبالرجوع إلى الكتب والوثائق التاريخية، وجدنا أنه كان للهجرات الإسلامية دور مهم في نشر الإسلام في هذه المنطقة، فقد أسس المسلمون هنا حضارة إسلامية راقية، كما نشروا الإسلام بين الهنود الحمر (السكان الأصليين) الذين تجاوبوا مع دعوة الإسلام، وما ثورة المسلم الإفريقي ماكندال في عام1758 الذي قاد جهاد المسلمين ضد القهر والتعصب في جزيرة إيسبانيولا (هايتي والدومنيكان) وثورة الزعيم زومبي في بداية القرن السادس عشر في البرازيل في ما بعد، إلا دليل على ذلك. 

وتؤكد الدراسات والبحوث التاريخية أنه عند اكتشاف القارة الأميركية عام1492 كان بين طاقم السفن التي قادها كرستوفر كولومبس بحارة مسلمون، نظراً إلى تفوقهم في علم الفلك وتخصصهم في الملاحة وصناعة السفن آنذاك. وهناك آثار إسلامية ونقوش معمارية وأدلة قاطعة في المتاحف البرازيلية تركها بعض الأفارقة الذين جيء بهم كعبيد اعتباراً من عام 1538. وتوجد في دار المحفوظات في ولاية باهيا بالبرازيل عشرات الملفات والوثائق والمخطوطات ومحاضر المحاكمات التي تمت عقب اندلاع الثورة الإسلامية في عام1835 في البرازيل. كما توجد عدة مخلفات مثل الملابس وصور الآلات الموسيقية والمصنوعات التقليدية الإفريقية في متاحف كوبا والبرازيل وكولومبيا والمكسيك وبيرو وهايتي وكوراساو.

تقديرات تقريبية

لمّا كانت زيارتنا إلى الأرجنتين، فحق علينا أن نتحدث عن المسلمين في هذا البلد. يقدر عدد المسلمين في الأرجنتين بحوالي 750 ألف نسمة، منهم160 ألفاً يعيشون في بوينس أيرس العاصمة وضواحيها، وهذه الإحصاءات لا ترتكز على أرقام علمية، أو عملية مسح حقيقية، وإنما هي تقديرات تقريبية، بعضها قريب جداً من الواقع، خاصة في الضواحي والقرى، حيث إن المسلمين والعائلات العربية تعرف بعضها بعضاً. وقال المهندس محمد يوسف هاجر مدير مكتب الثقافة والدعوة في الأرجنتين والأمين العام للمنظمة الإسلامية لأميركا اللاتينية: إن المسلمين في الأرجنتين ينتشرون في مختلف الولايات، ولا توجد منطقة إلا وفيها مسلمون، ولكن أهم وجود لهم في العاصمة الأرجنتينية بوينس أيرس وضواحيها، وفي الولايات الأخرى مثل مندوسا وتوكومان وسنتافيه وقرطبة ولاريوخا وخوخوي وسالنا وغيرها. 

وأضاف إنه نظراً لهذا الانتشار الواسع والممتد للمسلمين وتسهيلاً لتحقيق اللقاءات في ما بينهم، وتحاشياً لصعوبة النقل والمواصلات، فقد أنشأ المسلمون في أماكن وجودهم جمعيات وأندية ومؤسسات، سواء في المدن أو في الاحياء، يلتقون فيها ويمارسون النشاطات الاجتماعية وإحياء المناسبات الدينية والثقافية وغيرها. 

ومن الملاحظ أنه لم يكن للعامل الجغرافي وحده أثر على طبيعة ونوعية هذه المؤسسات في البداية، بل لعبت الانتماءات المذهبية والعشائرية دوراً أساسياً على طبيعة هذه المؤسسات ونوعيتها. كما لعبت أسماء المدن والقرى القادمين منها في أوطانهم الأم دوراً أيضاً في تسمية مؤسساتهم وجمعياتهم، ولكن الزمن والظروف الاقتصادية والصعاب التي مرت على الجمعيات الأدبية، أدت جميعها إلى حل بعضها وانضمام بعضها إلى بعض ودمجها، بينما استمر القادرون على الاستمرار، موضحاً أنه توجد في الأرجنتين حالياً عدة جمعيات إسلامية منها : المركز الإسلامي، ومقره في بوينس أيرس، ويعود تأسيسه إلى عام 1922، ولكن ليس بصفة رسمية. 

ويملك المركز مقراً كبيراً ومدرسة ابتدائية وروضة أطفال. ويتركز نشاط المركز التعليمي على تعليم الدين الإسلامي واللغة العربية، وإلقاء المحاضرات والندوات وكتابة عقود الزواج. كما توجد الجمعية العربية الأرجنتينية الإسلامية التي تملك مقراً مهماً في العاصمة، ومدرسة ابتدائية وروضة أطفال، وقد دشنت هذا العام مبنى المدرسة الثانوية. 

والجمعية الإسلامية البيرودية، وأعضاء هذه الجمعية يعود أصلهم إلى قرية بيرود في سورية. والجمعية الإسلامية العلوية الخيرية، وهي كما يدل عليها اسمها محصورة بالمسلمين العلويين (طائفة العلويين في الشام)، ونشاطها ديني اجتماعي. 

ومكتب الثقافة والدعوة الإسلامية، وينحصر نشاط هذا المكتب في مساعدة المسلمين في جميع الأراضي الأرجنتينية، وذلك بتزويدهم بالكتب الإسلامية الصادرة باللغة الإسبانية والحصول لهم على مساعدات مالية، وتعيين المرشدين الدينيين في بعض جمعيات الداخل، والتنسيق بين هذه الجمعيات من أجل عمل إسلامي موحد وغيرذلك من الأنشطة.

منارة حضارية إسلامية

أما مركز خادم الحرمين الشريفين الثقافي الإسلامي، فمنارة حضارية إسلامية، يجيء بناؤه في إطار الجهود التي يبذلها خادم الحرمين الشريفين على المستوى العالمي لتلبية رغبات المسلمين ومساعدتهم على تحقيق آمالهم وأمانيهم لإعمار المساجد وتشييد المراكز الثقافية الإسلامية وإنشاء المدارس لتعليم أبناء المسلمين مبادئ الدين الإسلامي واللغة العربية وبعث الدعاة إلى مختلف بقاع الأرض، خاصة تلك التي يوجد فيها أقليات إسلامية لتوعيتهم بدينهم الحنيف وتنوير عقولهم والحفاظ على تراثهم المجيد. وفي هذا الإطار الإسلامي برزت إلى الوجود فكرة إنشاء مركز إسلامي في العاصمة الأرجنتينية ليكون منبراً إسلامياً ومعلماً حضارياً. 

وقال عدنان بن عبد الله بغدادي السفير السعودي لدى الأرجنتين، إن فكرة تشييد المركز الإسلامي برزت إلى الوجود بعد زيارة كارلوس منعم الرئيس الأرجنتيني السابق إلى المملكة العربية السعودية، حيث عبر لخادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز عن رغبته في تخصيص قطعة أرض هبة للسعودية لتشيد مركزاً ثقافياً عليها. وأبدى خادم الحرمين الشريفين شكره وتقديره للرئيس منعم، ووعد بتمويل مشروع البناء على نفقته الخاصة. 

ولتحقيق كل ذلك بذلت جهود مكثفة طيلة عشرين سنة تقريباً، شارك فيها رجال مخلصون، وعلى رأسهم الأمير عبد العزيز بن فهد بن عبد العزيز وزير الدولة وعضو مجلس الوزراء ورئيس ديوان رئاسة مجلس الوزراء السعودي، الذي أولى الموضوع عناية خاصة، وكان يبدي توجيهاته وإرشاداته للقائمين على المشروع. 

وأضاف بغدادي إن من أهداف هذا المركز، الحفاظ على الهوية الإسلامية للجالية المسلمة في الأرجنتىن، وإقامة الشعائر الدينية الإسلامية، وتعليم أبناء المسلمين القرآن الكريم واللغة العربية والعلوم العصرية، من روضة الأطفال إلى نهاية المرحلة الثانوية، وتوعية المسلمين وتبصيرهم بأمور دينهم الحنىف، والتعريف بالإسلام لغير المسلمين بالحكمة والموعظة الحسنة، والتعاون مع المراكز والجمعيات والمؤسسات الإسلامية لخدمة الإسلام والمسلمين، مشيراً إلى أنه صدر أمر سام بإسناد مهمة متابعة تشييد مركز خادم الحرمين الشريفين الثقافي الإسلامي بالأرجنتين والإشراف عليه، إلى وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد في المملكة العربية السعودية. 

وأشار إلى أنه نيابة عن خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز قام الأمير عبد الله بن عبد العزيز ولي العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء ورئيس الحرس الوطني في المملكة العربية السعودية، وبحضور الدكتور فرناندو دي لاروا، بافتتاح مركز خادم الحرمين الشريفين الثقافي الإسلامي وإزاحة الستار عن اللوحة التذكارية في27 جمادى الثانية 1421هـ الموافق25 سبتمبر 2001 في حفل رسمي كبير أقيم بهذه المناسبة التاريخية، وحضره عدد من كبار المسؤولين في الحكومة الأرجنتينية وأعضاء السلك الدبلوماسي العربي والإسلامي ورؤساء المراكز والجمعيات والمؤسسات الإسلامية في الأرجنتين ودول أميركا اللاتينية. 

ويُعدُّ هذا المركز درة المراكز الإسلامية في أميركا اللاتينية، وأصبح معلماً مهماً من معالم مدينة بوينس أيرس، يزوره المواطنون والسياح، لأنه يمثل واجهة الطراز المعماري الإسلامي في الأرجنتين، ويقصد مكتبته المهتمون بأمر الثقافة والحضارة الإسلاميتين.

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*