الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » السياسة الشرعية للأقليات المسلمة » مقالات وأخبار » القبلية والعنصرية وسرقات تبرعات المحسنين.. تحديات الوجود الإسلامي في بلاد الغرب

القبلية والعنصرية وسرقات تبرعات المحسنين.. تحديات الوجود الإسلامي في بلاد الغرب

تعرف الأقلية بأنها مجموعة بشرية في قطر من الأقطار، تتميز عن الأكثرية في الدين أو العرق أو اللغة، أو نحو ذلك من الأساسيات التي تتمايز بها المجموعات البشرية بعضها من بعض ، والذي يبدو أن الأقلية المعاصرة هي الأقلية التي انتقلت إلى بلد غير بلدها، حتى لو اكتسبت الانتماء إليها عن طريق الحصول على الجنسية، هذا بخلاف الأقلية المسلمة- مثلا- والتي تعتبر من السكان الأصليين، فهؤلاء لا يعدون من الأقلية، وعلى هذا، فالأقلية تنبني على معيار المواطنة الأصيلة، فكل من كان من أهل سكان بلد أصيل فلا يعتبر من الأقلية، أما من كان من غير السكان الأصليين، أو كان مواطنا ولم يحصل على الجنسية، فهؤلاء يعدون من الأقلية, والأقلية من سنن الله تعالى في التاريخ البشري، فقد كان المسلمون الأوائل أقلية في المجتمع الجاهلي، ثم لما علا الإسلام واتسعت دولته أصبح غير المسلمين أقلية فيه، وعلى هذا فسنة الأقلية تدور على المجتمعات البشرية كلها، فليست الأقلية مسبة ولا فخرا، بل جزء من النسيج الاجتماعي في المجتمعات الإنسانية، واعتبار المسلمين أقلية يرجع إلى تاريخ ما قبل الهجرة، يوم كان المسلمون في مكة مستضعفين، وذكر الله تعالى امتنانه على المسلمين بتحولهم من الأقلية إلى الأكثرية، ومن القلة إلى الكثرة، ومن الضعف إلى القوة، فقال سبحانه: {وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (الأنفال: 26) ،وهذه سنة الله تعالى في الصالحين، وأتباع الأنبياء والمرسلين، فيبدأون قلة مضطهدين، ثم يكثرون بعد ذلك.

الأقلية المسلمة في واقعنا المعاصر

يرجع تأريخ العمل الإسلامي الدعوي بالغرب إلى تاريخ هجرات عدد من الدعاة والمفكرين من بلاد المسلمين، جراء الاضطهاد الذي طال عددا غير قليل منهم، مما حدا بهم إلى الهجرة؛ طلبا للعيش في مأمن وحرية كما كانت هناك هجرات أخرى مقصودها طلب الرزق في بلاد إسلامية ضعف اقتصادها، وأخرى لم تقدر الكفاءات العلمية في بلادها، كما كان من أهم أسباب الهجرة طلب العلم والحصول على الشهادات الدراسية الجامعية والدراسات العليا من الغرب.

معوقات العمل الدعوي للأقليات المسلمة 

ورغم المقومات التي يمتلكها المسلمون في بلاد الغرب، إلا أنهم- في الغالب الأعم- لم يستطيعوا أن يحققوا نجاحات بقدر ما يملكون من مقومات للنجاح والتأثير، لأسباب كثيرة منها:

العنصرية والمذهبية

فبناء المساجد يكون حسب العنصر والجنس والبلد، فهناك مسجد للمغاربة، ومسجد للمصريين، ومسجد للشوام، ومسجد للباكستانيين والأفغان، ومسجد للأتراك، بل تظهر العنصرية في المسجد الواحد، من خلال جماعات الصلاة، وجماعات الدعوة، وتختلط بالعنصرية المذهبية.

عدم المصداقية

ومن أهم معوقات العمل الدعوي عدم المصداقية، وخاصة ما يمكن أن نطلق عليه «التدين المغشوش» خاصة فيما يخص العمل الخيري، والأقلية المسلمة في ذلك نوعان: نوع هو محل ثقة، يتقي الله تعالى في عمله ويراقبه فيه مجتهدا قدر طاقته، مستفيدا من أخطائه، مطورا لذاته، مكتسبا خبرات متراكمة من العمل الخيري، ونوع آخر استتر وراء العمل الإسلامي ليكون ثروة، ويحقق وجاهة اجتماعية، مستفيدا من تسهيلات الدولة من عدم فرض ضرائب، وما تدفعه من تبرعات للهيئات والجمعيات الخيرية، وكذلك ما يجود به المسلمون في بلاد الإسلام حكومات وشعوبا، فيترتب على ذلك تعميم الحكم على عدد كبير ممن يعملون في الحقل الدعوي بالغرب، مما يعطل مشاريع حيوية ومهمة للمسلمين هناك. وإن مما يندى له الجبين أن بعضا ممن لا خلاق لهم ممن لبسوا زي العمل الإسلامي بالغرب كانوا يأخذون التبرعات باسم بناء جمعية خيرية أو تحت دعوى عون المسلمين في بلاد الإسلام، فإذا بهم يبنون لهم بيوتا في بلادهم الأصلية، أو يفتحون لهم مشاريع تجارية بأموال المسلمين!!

الجهل بفقه الواقع

ومن أهم معوقات العمل الإسلامي للأقليات المسلمة عدم إدراك واقع البلاد التي يعيشون بها، فهم عندما يهاجرون ينشئون أماكن كأنها قطعة من بلاد الشرق المسلم، زعما أن هذا هو الدين الذي أنزله الله على رسوله “صلى الله عليه وسلم” ، وقد يكون فكرهم أقرب إلى تقاليد راكدة، هي بنت البيئة لا علاقة للتشريع بها، وهو منها براء، ومنها بعض الاختيارات الفقهية التي تناسب الشرق دون الغرب، بل أحيانا الفتاوى المتشددة التي تقف على ما هو مسطور في الكتب دون إدراك للواقع، كمعاملة أهل البلد على أنهم كفار يحل قتالهم وأخذ أموالهم. وقد سأل طالب علم أحد المفتين- وقد كنت شاهدا الموقف- عن حكم سرقة أموال الأميركيين عبر الإنترنت، لأنهم يسرقون أموال المسلمين، كما هو الحال بالعراق وغيره، وأن هذه الأموال ربما تستعمل للمجاهدين، فأفتى المفتي بجواز سرقة أموال الأميركيين من باب المعاملة بالمثل!! فمثل هذه الفتاوى لا تراعي الواقع فضلا عن خطئها في الاستدلال والمسلك الاجتهادي.

عدم تفعيل القواعد الفقهية

ومن أهم عوائق العمل الدعوي للأقليات عدم مراعاة القواعد الفقهية الحاكمة لفقه الأقليات، فالقواعد تضبط حركة الفكر الاجتهادي، وتساعد في تحقيق الأمن الاجتماعي للمجتمعات، ومن أهم تلك القواعد: «الإسلام يجبُّ ما قبله في حقوق الله تعالى»، مما يسهم في النظرة إلى الآخر، خاصة المسلمين الجدد، وقاعدة: «الأصل أن جواب السؤال يجري على حسب ما تعارف كل قوم في مكانهم»، فمراعاة الأعراف من أهم القواعد الحاكمة في الاجتهاد والتفكير والدعوة، ومنها: «الحاجة تنزل منزلة الضرورة في حق آحاد الناس»، خاصة أن مفهوم الحاجة والضرورة والتحسين يختلف من بيئة لأخرى، فما يكون تحسينا في بيئة، قد يكون حاجة في بيئة أخرى، وقد تتحول الحاجة إلى الضرورة، ومنها: «الحاجة لا تحق لأحد أن يأخذ مال غيره»، وهذه من أهم القواعد الحاكمة لتصرفات المسلمين الأقلية، خاصة مع انتشار ما يفهمه البعض من إباحة أموال غير المسلمين، ومنها قاعدة: «الدماء والأموال لا تستحق بالدعاوى دون البينات»، وهي قاعدة مهمة في باب القضاء وما يتعلق بمسائل الاستحلال، ومنها: «الرخص تراعى فيها شرائطها التي وقعت لها الإباحة»، وذلك حتى لا يتوسع في باب الرخص دون تحقق الشرائط، ومنها: «الرخص لا تناط بالشك»، و«الرخص لا تناط بالمعاصي»، ومنها: «الضرر الأشد لا يزال بالضرر الأخف»، وهي قاعدة مهمة ونافعة في باب الموازنات التي تحتاج إليها الأقلية المسلمة، ومنها قاعدة: «الضرورات تبيح المحظورات»، و«الضرورة تقدر بقدرها»، وما يتعلق بهاتين القاعدتين من الاضطرار إلى المحظور أحيانا في بلاد غير المسلمين

ومنها قاعدة: «العادة محكمة»، وهي قاعدة عظيمة النفع، خاصة أن أعراف غير المسلمين ليست كلها شرا، ويجب التفريق بين العادة التي لم يرد فيها نص، وإنما تعود لما تعارف عليه الناس، وبين العادات التي تصادم أحكام الشريعة، ومنها قاعدة: «العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني»، وذلك لأن البيئات غير الإسلامية لا تلتزم بالمصطلحات الشرعية، فقد تسمَّى الأشياء بغير اسمها، فكان من الواجب النظر إلى مقاصدها دون النظر إلى مجرد الشكل والقالب واللفظ، ومنها قاعدة: «كل دعوى يكذبها العرف وتنفيها العادة، فإنها مرفوضة غير مسموعة»، ويرجع فيها إلى تحكيم العادة في القضاء، ومنها قاعدة: «كل طاعة لا تصل إليها إلا بمعصية لا يجوز الإقدام عليها»، فقد يوجد في بلاد غير المسلمين اختلاط بين ما هو مباح وما هو محرم، فتأتي تلك القاعدة لتضبط مسالك ذلك الاختلاط بين الحلال والحرام، ومنها قاعدة: «لا مساغ للاجتهاد في مورد النص»، وهذا مما يتعلق بالحفاظ على هوية المسلم في غير بلاده، وأن الأمور المجمع عليها لا يجوز مساسها أو التساهل فيها، لأنها ليست مجالا للاجتهاد بما يترتب عليه من تغيير حكمها، وهي تتعلق بأصول العقائد والأحكام، ومنها قاعدة: «لا واجب مع عجز ولا حرام مع ضرورة»، وهي قاعدة مهمة في بيان تيسير الدين والأحكام، ومنها قاعدة: «لا يجوز أن تعدى بالرخصة موضعها»، ومنها قاعدة: «لا ينزع شيء من يد أحد إلا بحق ثابت معروف»، ومن مآلاتها الحفاظ على حقوق الناس وملكياتهم مهما كانت عقائدهم، مما يكون له أثر كبير في احترام غير المسلمين للمسلمين، ومنها قاعدة: «لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان»، وهي من ألصق القواعد بفقه الأقليات ودعوتهم، ومنها قاعدة: «للأكثر حكم الكل»، ومنها قاعدة: «ما أحل لضرورة أو حاجة يقدر بقدرها ويزال بزوالها»، وهي قاعدة ضابطة لفقه الضرورة وجودا وعدما للمسلمين خاصة في الغرب، ومنه قاعدة: «ما حرم سدا للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة»، وفيها بيان لأنواع الحرام، فمنه ما هو محرم لذاته، ومنه ما هو محرم لغيره، وأن الحكم بالتحريم ليس قطعيا دوما، فمنه ما هو خاضع للاجتهاد وقابل للتغيير والتبديل، ومنها قاعدة: «الأصل في العادات الحل، وفي العبادات الحظر»، وهذه قاعدة تحل كثيرا من الإشكاليات الفكرية والفقهية خاصة للأقليات، فهناك عادات كثيرة عند غير المسلمين، منها ما لم يأت نص أو اجتهاد بتحريمه، فالأصل أن تبقى العادات على الحل، ما لم تأت قرينة تصرفه عن الإباحة، بخلاف العبادات فيحرم الابتداع فيها، ومنها قاعدة: «المبتلى في أمرين يختار أهونهما»، وهي من باب التيسير، ومنها قاعدة: «المجهول في الشريعة كالمعدوم والمعجوز عنه»، ذلك أن هناك طوائف من المسلمين الجدد وغيرهم ممن هم في بلاد الغرب لا يعرفون كثيرا من الأحكام، وقد يرتكبون أمورا لو وجدوا في بلاد المسلمين لكان الحكم فيهم مختلفا، ومنها قاعدة: «مراعاة المقاصد مقدمة على رعاية الوسائل أبدا»، وذلك لثبات المقاصد غالبا، وتغير الوسيلة، وأن الوسيلة تابعة للمقصد وليس العكس، ومنها قاعدة: «المشقة تجلب التيسير»، وفيها بيان لسماحة ويسر الدين، وأنه ليس دين عنت وتعب، ومنها قاعدة: «المعروف عرفا كالمشروط شرطا»، وفيها اعتبار للأعراف والعوائد والتقاليد، ومنها قاعدة عمر بن الخطاب “رضي الله عنه” : «مقاطع الحقوق عند الشروط»، فالوفاء بالشروط واجب، وهي قاعدة تدخل في كثير من مسائل الأحكام الشخصية والعقود المالية وغيرها، ومنها قاعدة: «النادر ملحق بالعدم»، فالنادر لا حكم له، ومنها قاعدة: «يتحمل الضرر الخاص لمنع الضرر العام»، وهي قاعدة مهمة في علاقة الأفراد بما يتعلق بالمصلحة العامة للمواطنين، ومنها قاعدة: «يجوز في الضرورة ما لا يجوز لغيرها»، ومنها قاعدة: «يغتفر في البقاء ما لا يغتفر في الابتداء»، وهي من أهم القواعد النافعة للإفتاء في الغرب، فالحكم على الشيء قبل وقوعه غير الحكم عليه بعد وقوعه، ومنها قاعدة: «يغتفر في التوابع ما لا يغتفر في غيرها»، لأن التابع غير الأصل، ومنها قاعدة: «اليقين مقدم على الظن، والظن مقدم على الشك، والمظنة لا يعتبر معها وجود الحقيقة»، وهي قاعدة تبين الأحكام حسب أنواع الإدراك، وتبين كيفية الترجيح في المسائل المختلف فيها بما يحفظ وحدة المسلمين، ومنها: «يختار أهون الشرين»، وما أكثر الشر الموجود في غير بلاد المسلمين، وقد يجد المسلم نفسه مضطرا لارتكاب أحد الشرين، فيجب عليه اختيار أهونهما.

الهوية والمواطنة

ومن عوائق العمل الدعوي للأقليات الصراع بين الهوية والمواطنة، فهناك طوائف من الأقليات المسلمة مازالت تعيش بين مطرقة الهوية وسندان المواطنة، ولم يستطيعوا حل المعضلة لا في دواخلهم ولا في تعاملهم مع المجتمع، فيرون في المجتمع غير المسلم الذين يعيشون فيه غير مجتمعهم الذي تربوا فيه، فالعادات والتقاليد والثقافات مختلفة، والبون بينها وبين ثفافتهم وحضارتهم المسلمة بون شاسع، وهم- في الوقت ذاته- مطالبون بالانتماء إلى هذا الوطن غير المسلم، مما يجعلهم في صراع دائم، وهذه الإشكالية من أخطر العوائق التي تهدد العمل الدعوي في الغرب، فالمسلم لا ينتمي إلى أرض بعينها، فالأرض كلها لله تعالى، ولما ضاقت على المسلمين الأوائل مكة وهي بلد الله الحرام، أنزل الله تعالى قوله: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ} (العنكبوت: 56)، بل وعد الله تعالى من هاجر من بلاده ليحافظ على دينه إلى بلد يأمن فيه على دينه ويقيم فيه شعائر الله تعالى أن يهبه الله تعالى الثواب العظيم، وقد قال الله تعالى في المهاجرين من مكة إلى المدينة قوله: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} (آل عمران: 195)). كما جعل الله تعالى من سنته في الكون أن يخرج الإنسان من أرضه طوعا، أو يُخرج منها كرها، كما قال تعالى: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (الحج: 40)، فالمسلم ينتمي إلى دينه وقيمه وأخلاقه، وهذا قد يكون على أي أرض يعيش فيها، أو وطن يسكنه، فوطن المسلم هو المكان الذي يستقر فيه محافظا على أصول دينه وعقيدته.

إشكالية الاحتكام إلى القانون

ومن أهم إشكاليات العمل الدعوي للأقليات المسلمة النظر إلى المحاكم والقضاء والقوانين في بلاد غير المسلمين، والمسلمون إزاء ذلك أنواع: – النوع الأول: يرى أن كل القوانين والدساتير كفر يحرم على المسلمين اللجوء إليها والاحتكام لها فيما اختلفوا فيه أو تنازعوا، لأن من صنعها كفار، وكل صنيعة للكفار هي كفر، خاصة فيما يتعلق بالحكم والقضاء، لأنها حكم بغير ما أنزل الله .- النوع الثاني: يرى أنه لا مناص من الاحتكام إلى تلك القوانين مهما كانت، حتى لو خالفت أحكام الإسلام القطعية، بل يصل إلى الإيمان بها بالكلية. – النوع الثالث: يدعو إلى احترام تلك القوانين والاحتكام إليها، لكنه قد يتحفظ على الاحتكام فيما يملك من الأحكام التي تخالف أحكام الشريعة القطعية، بل يسعى قانونيا إلى وجود مخارج قانونية، كالمجالس العرفية التي يقبلها القانون، فذلك لا يجعله يخالف أحكام الشريعة القطعية، أما القوانين التي لا تصادم الشريعة، أو قد تتبنى بعض الآراء التي هي محل اجتهاد واختلاف، فيرى وجوب الاحتكام إليها واحترامها، وهو يجتهد في عدم الاحتكام إلى ما هو محرم شرعا، وإن فعله فمضطرا، مع سعيه الدائم لإيجاد الحلول والبدائل الشرعية والقانونية، وذلك النوع الثالث هو المختار الذي ننصح الأقلية المسلمة به.

عقلية النفع دون الدفع

ومن أهم إشكاليات العمل الدعوي للأقلية المسلمة ببلاد غير المسلمين أن من المسلمين من يتعامل بعقلية الانتفاع، فهو مع تلك البلاد مادام ينتفع بها، بل يتفنن ويبدع في كيفية أخذ أكبر المكاسب من تلك البلاد، فيجيء إلى البلد دون إقامة، ويطلب اللجوء السياسي، ويتقاضى راتبا من الدولة، وهي ما يعرف بـ«بدل البطالة»، وحين يعمل لا يبلغ السلطات حتى تستمر في صرف الراتب له، فيجمع بين راتب العمل وراتب البطالة، ولا يدفع الضرائب، ويتهرب من كل مسؤولية تجاه الدولة التي يقيم فيها، وهو يرفع شعار تعامله مع الدولة: (النفع دون الدفع). ورغم تلك العوائق في العمل الدعوي وفي وضع المسلمين كأقلية مسلمة في بلاد غير المسلمين، فقد استطاع المسلمون أن يحققوا نجاحات كبيرة على المستويات كافة، فقد أصبح من المسلمين من هم أعضاء في المجالس النيابية، ومجالس البلديات، ومنهم من استطاع أن يوجد صلة قوية مع السلطات، وأن يبرز الوجه الحضاري للإسلام، لكن الأمل معقود أن يفيد المسلمون من معرفة تلك العوائق بما يصحح مسيرة العمل الإسلامي، ويرشد اتجاهها الجامع بين الحفاظ على الهوية، وتحقيق المواطنة الصالحة.

-- خاص بالسكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*