الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » السياسة الشرعية للأقليات المسلمة » مقالات وأخبار » دور الأندلس في نشرالإسلام بجمهورية " بيرو "

دور الأندلس في نشرالإسلام بجمهورية " بيرو "

تعد جمهورية البيرو من دول أمريكا اللاتينية الواقعة على الساحل الغربي لأمريكا الجنوبية، تحدها من الشمال الإكوادور وكولومبيا، ومن الجنوب تشيلي، ومن الشرق البرازيل وبوليفيا.

تنتمي إلى حضارة الأنكا، حيث سكنها شعوب الأنكا منذ قرون بعيدة، واحتلتها إسبانيا عام 1532، حتى حررها سيمون بوليفار وخوسيه سان مارتن عام 1824م، وضُمت البيرو إلى كولومبيا الكبرى، إلا أنها انفصلت عن الاتحاد الكولومبي بعد انهياره عام 1830.

تبلغ مساحتها نحو (1.285.126) كيلومتر مربع، ويقدر عدد سكانها حاليًا بنحو 27 مليون نسمة، عاصمتها ليما، وأشهر مدنها: (أركيبا، كالاو، تروجيلو).

نشاطها الاقتصادي الرئيس يدور حول الزراعة، حيث يعمل في مهنة الفلاحة حوالي 40% من إجمالي سكان البلاد، كما تعد بيرو من أوائل الدول المنتجة للأسماك، وإنتاجها حاليًا يقارب عشر الإنتاج العالمي، وهي رابعة دول العالم في إنتاج الفضة.

دور الأندلس في نشر الإسلام

القاسم المشترك بين دول أمريكا اللاتينية والجنوبية يتمحور حول الاحتلال الإسباني ودور الإسبان في القضاء على حضارة بلاد الأندلس، وتهجير المسلمين من الأندلس، ومحاولة نفيهم إلى العالم الجديد بغرض الإبادة، إلا أنه “رب ضارة نافعة”، فحينما هجر الإسبان مسلمي الأندلس إلى العالم، وجدت هناك بقعة جديدة للإسلام، وكان ذلك التهجير القسري والإبادة لمسلمي الأندلس سببًا في هداية كثير من مواطني العالم الجديد في أمريكا الجنوبية والشمالية واللاتينية والوسطى إلى الإسلام.

وترجع تفاصيل تلك النقطة إلى أن مئات الآلاف من العرب المسلمين ظلوا يعيشون في إسبانيا بعد خروج العرب من الأندلس عام 1492م، وكانوا يمارسون أنشطتهم المختلفة، واستطاعوا أن يحافظوا على حضارتهم الإسلامية، حيث أبدعوا في مختلف المجالات الفنية والثقافية والفكرية، واستمر وجودهم في إسبانيا حوالي 121 عامًا، كانوا خلالها يبطنون الإسلام، ويتظاهرون بأنهم مسيحيون حتى عام 1611م، حين أصدر الملك فيليب الثالث قرارًا بترحيلهم إلى المغرب والجزائر وتونس ومناطق العالم الجديد في الأمريكتين.

وقبل هذا القرار كان بابا الفاتيكان وقتها قد أصدر قانونًا يسمح بتدمير كل ما يمت للإسلام بصلة، وذلك عام 1479م، إلا أن الموريسكيين (مسلمي الأندلس) استطاعوا المحافظة على ثقافاتهم الإسلامية، وتمكنوا من نشرها في دول أمريكا اللاتينية التي هجروا إليها قسرًا بفعل احتلال إسبانيا للعالم الجديد، ورغبتها في تعمير تلك المناطق الجديدة على حساب العرب والمسلمين، ثم لم تلبث أن تقوم بتصفيتهم جسديًا، بعد أن يفرغوا من المهمة التي هجروا من أجلها إلى مناطق العالم الجديد، إلا أن الموريسكيين نجحوا في بناء حضارة إسلامية جديدة في دول أمريكا، وما زالت شواهدها موجودة حتى الآن في (المكسيك والبرازيل والشيلي والبيرو، وخاصة مدينة ليما).

كما أن المؤرخين اختلفوا في رصد بدايات الوجود العربي والإسلامي في دول أمريكا الجنوبية واللاتينية، ومنها البيرو، بطبيعة الحال، إلا أن هناك قرائن أكدت أسبقية الوجود العربي والإسلامي في بيرو ودول أمريكا الجنوبية، وهي قرائن تثبت أن المسلمين عرفوا العالم الجديد قبل اكتشاف كولمبوس له بنحو أربعة قرون تقريبًا، حيث رجحت بعض المصادر والمراجع التاريخية أن العرب والمسلمين عرفوا العالم الجديد في أوائل القرن الثاني عشر الميلادي، وحددوها ما بين عامي 1100م و1150م، فيما كانت بداية حركة الكشوف الجغرافية الغربية للعالم الجديد في عام 1490، حينما اكتشف كريستوفر كولمبوس الساحل الشرقي لأمريكا الجنوبية، ثم اكتشف فاسكو دجاما بعده، وتحديدًا في عام 1495 طريق رأس الرجاء الصالح، وفي عام 1519 اكتشف ماجلان قارة أمريكا الجنوبية، أي أن كل التواريخ السابقة تشير جميعها إلى أن العرب والمسلمين سبقوا كولومبوس إلى القارتين الأمريكتين.

الوجود الإسلامي

ومن أبرز شواهد الوجود الإسلامي في بيرو هو ذلك الطابع المعماري الأندلسي الذي يميز مساكن وعقارات العاصمة ليما، ومازالت بعض أنواع الأشجار إلى اليوم شامخة في القصر الجمهوري للقائد الإسباني “فرانسيسكو بيساروش”- والتي جيء بها من الأندلس- مما يؤكد أن المسلمين في البيرو منذ سنوات طويلة تعود إلى فترة الاستعمار الإسباني وما قبله، وليس كما يقول البعض: إن الوجود الإسلامي في البيرو جاء مع فترات الهجرات العربية والإسلامية إلى العالم الجديد إبان حقبة انهيار الدولة العثمانية في بداية القرن العشرين، وما تبعه من انكسارات العرب والمسلمين، والتي تضاعفت إبان ضياع فلسطين عام 1948، وتزايد الهجرات العربية والإسلامية من مناطق بلاد الشام، خاصة من ( لبنان وسوريا وفلسطين) إلى دول العالم الجديد، هروبًا من الاحتلال الإنجليزي والفرنسي والإسرائيلي للمناطق والدول العربية.

الواقع الحالي للمسلمين

يقدر عدد المسلمين حاليا في بيرو بنحو (1000 إلى 1500) مسلم، يتركزون بشكل مكثف في العاصمة ليما، ولهم مسجد صغير تقام فيه الصلوات الخمس والجمعة والعيدان، ورغم قلة عدد المسلمين مقارنة بإجمالي سكان بيرو، إلا أن حملات التنصير لا تهدأ ولا تتوانى عن محاولة تضييع الهوية الإسلامية لمسلمي بيرو، وتحويلهم إلى النصرانية، وهو ما أكده “ضمين عوض”– رئيس الجمعية الإسلامية في ليما- حينما أكد أن إحصاءات الجمعية أثبتت أن أكثر من 1450 مسلم في بيرو تحولوا عن الإسلام بفعل الحملات التنصيرية التي تستهدفهم، وأرجع نجاح عمليات تنصير المسلمين إلى قلة عدد المساجد والمدارس والدعاة والمؤسسات الثقافية الإسلامية، التي من شأنها أن تحتوي المسلمين في بيرو، وتدافع عنهم، وتحاول أن تجد حلولاً لمشكلاتهم الاجتماعية والدينية على حد سواء، واستشهد في ذلك بأن المسلمين في بيرو يدفنون موتاهم في مقابر النصارى؛ نظرًا لعدم وجود مقابر مخصصة للمسلمين، وهي مشكلة تجسد حقيقة المخاطر والتحديات التي يواجهها المسلمون في بيرو (أحياء وأمواتًا)

كما أن أبرز المشكلات التي يعاني منها مسلمو بيرو عدم وجود دعاة عرب ومسلمين يتحدثون الإسبانية حتى يكونوا قادرين على التواصل مع مسلمي بيرو ودعوتهم الإسلام، وتثبيت عقيدتهم، والدعوة الى الإسلام لاكتساب مسلمين جدد.

أما محمد هاجر– الأمين العام للمنظمة الإسلامية لأمريكا اللاتينية– فقد وجه انتقادًا حادًا للدول العربية والإسلامية والمنظمات الإسلامية الدعوية، محملاً تلك الأطراف مسؤولية كثير من المشكلات التي يعاني منها مسلمو بيرو، وذلك بسبب تقصيرهم في الدفاع عن المسلمين في تلك الدول، وعدم حرص تلك الدول والمنظمات على التواصل معهم ورعاية الأقليات المسلمة في أمريكا الجنوبية واللاتينية بشكل عام.

كما أن هناك مشكلة كبيرة وخطيرة تؤثر إجمالاً على أعداد المسلمين، وتنذر بخطورة الأمر على مستقبل الجالية المسلمة هناك، وهذه المشكلة هي ظاهرة الزواج المختلط بين مسلمين وغير المسلمين، وما يترتب على ذلك من ضياع الهوية الإسلامية، نظرًا لقلة أعداد المسلمين مقارنة بأبناء الديانات الأخرى، وترجع تلك الظاهرة إلى ضعف الوازع الديني عند مسلمي بيرو، وضعف ثقافتهم الإسلامية التي لو عرفوها من شأنها أن تضع حدودًا لمثل تلك الممارسات السلبية.

ورغم تلك المشكلات التي من شأنها أن تؤثر سلبيًا على إجمالي عدد المسلمين في بيرو، وضعف القدرة على اجتذاب مسلمين جدد من مواطني بيرو، إلا أن واقع الحال يشير إلى نقطة إيجابية، فرغم أن معظم المسلمين يقطنون العاصمة ليما، والبعض منهم في المدن الرئيسة، ورغم قلة أعدادهم إلا أن “تأثيرهم يفوق حجمهم”، حيث إن لهم علاقة طيبة مع السفارات العربية والأجنبية، كما أن لهم مكانة عند الأحزاب السياسية، والمنظمات الحقوقية، بالإضافة إلى صداقتهم مع جميع الطوائف النصرانية واليهودية، ومع المحطات الإعلامية المحلية منها والوطنية.

ولهذا فقد خصصت السلطات في بيرو للمسلمين هناك ساعات بث يومية باللغة العربية على إذاعة ليما، وذلك للتعريف بالإسلام، كما أن وسائل الإعلام هناك تقدم بين وقت وآخر برامج إعلامية عن الإسلام والمسلمين، وخاصة في المناسبات الدينية كمناسبة شهر رمضان، وعيدي الفطر والأضحى.

كما أن مسلمي بيرو يتمتعون بحالة اقتصادية جيدة، فمعظمهم يملكون محلات تجارية، والآخرون لديهم استثمارات صناعية ضخمة، خاصة في صناعات الغزل والنسيج والسياحة.

تحديات تواجه العمل الدعوي

تقوم الجمعية الإسلامية في ليما بدور دعوي كبير، حيث تتولى الجمعية مسؤولية حماية المسلمين، والدعوة إلى الإسلام، وتوفير كافة سبل الدعم لمساعدة المسلمين في بيرو، خاصة من سلك منهم طريق الدعوة إلى الإسلام، بشكل لا يخل بقوانين الدولة، وفي نفس الوقت يساعد رجال الدعوة الإسلامية على القيام بمسؤولياتهم تجاه المسلمين، وتجاه محاولة اجتذاب مسلمين جدد من مواطني بيرو.

وفي هذا الإطار، أكد “ضمين عوض”- رئيس الجمعية الإسلامية- أن المسلمين يستشعرون بالواجب والمسؤولية الملقاة على عاتقهم، خاصة على صعيد إدخال الإسلام والثقافة الإسلامية في بيوت غير المسلمين والمسلمين بطريقة صحيحة، كما أن الدعوة إلى الإسلام تتطلب إنشاء مدارس تبدأ بالحضانة حتى الثانوية الكاملة للبنين والبنات لتعليم أبناء المسلمين، إضافة إلى أهمية التواصل الإيجابي مع وسائل الإعلام في بيرو؛ لربط الإسلام بالأحداث الجارية، وتوضيح رؤية الإسلام في معالجة القضايا الراهنة.

كما أشار ضمين إلى نقطة خطيرة ينبغي الالتفات إليها عند الحديث عن المشكلات والتحديات التي تواجه العمل الدعوي في بيرو، وهذه النقطة هي دور الجمعيات والمراكز الإسلامية في بيرو في تعريف الدعاة القادمين من الخارج بثقافة المجتمع والشعب في بيرو، حتى تسهل عليهم عملية التواصل مع مواطني بيرو، والدخول إلى شخصياتهم من أقرب الطرق.

ولتدعيم الجهد الدعوي في بيرو، والحفاظ على الهوية الثقافية الإسلامية للمسلمين هناك، ينبغي إيجاد علاقة تواصل بين الدول العربية والإسلامية والمراكز الإسلامية في العالم الجديد عامة، وبيرو على وجه الخصوص، إضافة إلى أهمية تشجيع الجاليات والأقليات المسلمة للمشاركة في الفعاليات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في الدول التي يقيمون فيها، وأهمية العمل على إبراز صورة الإسلام الصحيحة في وسائل الإعلام المختلفة، ودحض كافة الافتراءات والأكاذيب التي تحاول النيل من صورة الإسلام والمسلمين لدى المواطن الغربي والأمريكي.

 

-- خاص بالسكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*