الأحد , 4 ديسمبر 2016

مسلمو إسبانيا وبداية الطريق

في السابع عشر من شهر نونبر الجاري شهدت العاصمة الإسبانية مدريد حدثا تاريخيا بكل المقاييس. لأول مرة في التاريخ الحديث لإسبانيا يلتئم مندوبون عن أربعة عشر فيدرالية للجمعيات الممثلة للمسلمين على طول وعرض التراب الإسباني لانتخاب مكتب مسير للمفوضية الإسلامية، المحاور الرسمي للسلطات والممثل الشرعي للمسلمين فيما يخص تسيير الشأن الديني. هذا الجمع الذي كان استثنائيا بكل المقاييس مكن من تعديل القوانين الأساسية لذات المفوضية حتى تكون أكثر انفتاحا وأكثر ديمقراطية، عشرين عاما بعد تأسيسها وبعد عقدين من الجمود الذي كان السبب الرئيسي في تضييع حقوق المسلمين بهذا البلد.

قبل خمسة أشهر كنا قد خصصنا ملفا كاملا للحديث عن حقوق المسلمين التي يكفلها الدستور وتفصلها الاتفاقية التي وقعتها الدولة الإسبانية مع المفوضية الإسلامية في السادس والعشرين من نوفمبر من سنة 1992 ، اتفاقية تضمن للمسلمين – الذين يتجاوز عددهم اليوم المليون ونصف المليون شخص – كافة الحقوق والضمانات المترتبطة بممارسة شعائرهم الدينية بكل حرية.

تم توقيع هذه الاتفاقية بين الدولة الإسبانية ممثلة في وزارة العدل من جهة والفدرالية الإسبانية للهيئات الدينية الإسلامية وإتحاد الجمعيات الإسلامية في إسبانيا من جهة أخرى “إستجابة لرغبات هاتين الفدراليتين و لرغبات المسلمين و بعد مفاوضات جرت في وقت مناسب تم التوصل إلى عقد إتفاقية التعاون هذه والتي تبحث في شؤون غاية في الأهمية بالنسبة للمواطنين المسلمين : قانون الأئمة و علماء الدين المسلمين و الذي يحدد نوع الحقوق التي يتمتعون بها نسبة إلى العمل الديني الذي يقومون به و أيضا الوضع الشخصي لهم في مصلحة الضمان الإجتماعية و كيفية ممارستهم لوجباتهم العسكرية ؛ الحماية القانونية للمساجد و أماكن العبادة ؛ إضفاء الصفة القانونية على عقود الزواج الإسلامي ؛ الإشراف الديني , الدعوة في المراكز أو الأماكن العامة ؛ التعليم الديني في المراكز التعليمية ؛ الإستفادة من الحقوق المالية التي يمكن تطبيقها و النشاطات التي تقوم بها الجمعيات المنتسبة للفدراليات المكونة للمفوضية الإسلامية ؛ للإحتفال بالأعياد الدينية الإسلامية ؛ و كذا تعاون الدولة مع المفوضية الإسلامية في حماية و تنشيط التراث التاريخي و الفني الإسلامي”.

لكن المفوضية الإسلامية التي أسندت إليها مهمة تنفيذ هذه الاتفاقية ولدت مصابة بالشلل التام وبرأسين (رئيس اتحاد الجمعيات الإسلامية ورئيس الفيدرالية الإسبانية للهيئات الدينية الإسلامية وكلاهما يشغل منصب الأمين العام) ومنذ نشأتها لم تستطع الحراك بسبب الصراع بين الهيئتين والذي في الغالب ما كانت تطغى عليه خلافات شخصية بين الأمينين العامين للمفوضية. فخلال الأربع سنوات الأخيرة لم تجتمع بصفة رسمية سوى مرتين لفض بعض الخلافات أو لسد الطريق أمام باقي الفيدراليات الصغيرة التي كانت تريد الإلتحاق بالهياكل المسيرة للمفوضية.

فخلال عقدين من الزمن عرفت إسبانيا تغيرات كبيرة في تركيبتها السكانية وتضاعف عدد المواطنين من أتباع الديانة الإسلامية عدة أضعاف بفعل استقرار مئات الآلاف من المهاجرين من المغرب والجزائر وبعض دول إفريقيا جنوب الصحراء ولم يعد أهل الشام يشكلون غالبية سواد المسلمين كما كان في عقد السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، وازداد عدد المساجد ودور العبادة الخاصة بالمسلمين ليفوق الألف مسجد بالإضافة إلى عدد كبير من الاتحادات والفيدراليات الجهوية.

وبالرغم من كل هذه التغيرات والتطورات لم تراوح المفوضية الإسلامية مكانها وبقيت دار لقمان على حالها ولم تعرف الديمقراطية لانتخاب الهياكل سبيلا إليها. وكانت النتيجة المباشرة لهذه الوضعية هو تعطيل تنفيذ مقتضيات اتفاقية التعاون بين الدولة الإسبانية والمفوضية الإسلامية.

بالنظر لكل هذه المعطيات يعتبر انتخاب مكتب مسير للمفوضية الإسلامية بطريقة ديمقراطية حدثا تاريخيا بكل المقاييس وأول خطوة لتصحيح هذا الوضع الشاذ. لكن على القيادة الجديدة للهيئة التمثيلية للمسلمين أن تعلم بأن المسؤولية تعني المحاسبة وأن عليها الوفاء بوعودها لخدمة مصالح المسلمين في هذه الديار بعيدا عن الخلفيات الإديوليجية والاختيارات السياسية والعقدية للأفراد والجماعات.

-- خاص بالسكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*