الأحد , 11 ديسمبر 2016
الرئيسية » السياسة الشرعية للأقليات المسلمة » مقالات وأخبار » زيارة للهند. القليل من يعبد الواحد القهار!

زيارة للهند. القليل من يعبد الواحد القهار!

عندما تهبط في مطار نيودلهي، ثم تنطلق إلى حيث وجهتك، فإن خليطاً من المشاعر المتناقضة بل والمتصارعة أحياناً ينتابك.. غربة في أجواء وبيئة تشبه بلادنا وغرابة وسط قوم يشبهوننا.. أرض وطقس ومزروعات تشبه إلى حد كبير أرض وطقس ومزروعات مصر، حتى طريقة العمل في الحقول متشابهة، لكن الفارق هو ثلاثة أشهر من الأمطار المتواصلة تغسل كل شيء في تلك البلاد «المتروسة» بما يقرب من المليار نسمة. كما أن الأشجار الضخمة المنتشرة في كل مكان، وتمثل غابات كثيقة تمدها بالهواء النقي الذي لا يزاحمه عوادم السيارات التي تعمل بالغاز.. أينما حللت فإن كثافة البشر هي سيدة الموقف بلا منازع، وقد تراجعت الدولة في الشارع أمام أمواج البشر المنتشر طيلة الوقت في الشارع، وتركت لهم تدبير أمورهم بأنفسهم إذ لا تقوى عليهم قوة.. أفواج من «الركشة» والدراجات بأنواعها تزاحم السيارات والمارة كل يزاحم بعضه لكن دون مشكلات، والبقر في كل ذلك الزحام الخانق هو سيد الموقف، فلكل شيء قانونه الذي عليه الالتزام به إلا البقر، فلا قانون يحكم حركته بل يتسابق الجميع على راحته.. فهو «الإله المعبود» – حاشا لله – الذي يتسابق الجميع على خدمته وراحته.. تسير البقرة في الشارع كما يحلو، وتقضي حاجتها بولاً وغير ذلك حيث تشاء، وتنام حيث تشاء، وتقتحم محلات بيع الخضراوات والفواكه فتأكل ما تشاء دون أن يتعرض لها أحد حتى ولو أجهزت على كل ما في المحل، والمشكلة إن كان صاحب المحل مسلماً يعبد الله، فإنه يحاول طردها، وهنا تحدث المشكلة والاحتكاك بين الهندوس المقدسين لإلههم والمدافعين عن كرامته، ومسلمين يرونها حيواناً لا أكثر بل يذبحونها في الأماكن النائية بعيداً عن الأعين. ليس البقر هو المعبود الوحيد عند أولئك الهندوس وإن كان المعبود الرئيس، ولكن تعددت الآلهة والعابد الأبله واحد! فعلى قوارع الشوارع لا تخلو زاوية من بناء صغير على شكل معبد هندوسي، وبداخله مجسم لكوبرا الثعبان أو حية أو حتى فأر.. وكل تلك آلهة لديهم.. حتى الشجر يتخذون من العتيق منه آلهة يحيطون جذوره ببناء من الأسمنت وسياج، ويمنع الاقتراب منه بقطع غصن أو بأي مساس! إحساس بالصدمة يصيب المرء مغلفة بالحسرة على قوم هذا شأنهم، اتخذوا من شتى المخلوقات ونسوا الواحد الديان خالق كل شيء، وفي الوقت نفسه إحساس بنعمة الله على هديه وكرمه بنعمة الإسلام.. والسلوى في أولئك المسلمين (250 مليون نسمة) الذين يمثلون نقطة في بحر متلاطم من الهندوس يقرب من السبعمائة مليون.. لكن المساجد تذهب عنك أي حزن، وفيها تشعر أنك عدت إلى بلدك، وبالانخراط بين الناس تشعر أنك بين إخوانك. جامعة الفلاح المناسبة كانت حضور احتفال «جامعة الفلاح» بمرور نصف قرن على إنشائها بدعوة من الجامعة وبحضور الأستاذ إبراهيم الصالح الوكيل المساعد لوزارة الأوقاف، والأستاذ خالد البدر مدير وقف العم أبو بدر، والأستاذ إبراهيم الصانع من وزارة الأوقاف. وقد امتدت الجولة في أروقة الجامعة لأكثر من ساعتين شاهدنا خلالها مختلف الكليات المخصصة للبنين والبنات كل على حدة، والتقينا مع أساتذتها والقائمين عليها بصحبة أمير الجماعة الإسلامية في الهند وقادة الجماعة، وقد لفت انتباهي اكتظاظ الجامعة بالطلاب والطالبات حتى تلاميذ المدارس، وتقع الجامعة ضمن مجمع ضخم ومتكامل للجماعة الإسلامية في مدينة «بنارس» يضم أقسام الجماعة وأنشطتها، ويبدو ذلك المجمع كمدينة مصغرة، وتنفصل كليات البنات وأنشطتها عن ذلك المجمع بمبان متعددة تقع على بعد كيلومتر تقريباً، ورغم بساطة الإمكانات وقلتها إلا أن العملية التعليمية تجري في الجامعة بانتظام وبحماس طوال العام، وتفرز مخرجات جيدة في المستوى.. هكذا أكد لي عدد من المختصين في التعليم من الذين حضروا الاحتفال، وتتأهب الجامعة لإجراء توسعات جديدة على كلياتها وأقسامها مواكبة التطورات الحديثة خاصة في عالم الفضاء الإلكتروني والإنترنت، وذلك وفق كافة المسؤولية عن الجامعة. تحديات في كلمته أمام الاحتفال أكد الأستاذ إبراهيم الصالح أن هناك أربعة تحديات تواجه الأمة، وينبغي أن نحدد الوسائل والأساليب لمواجهتها في المستقبل، مشيراً إلى أن الثورة التكنولوجية هي أول تلك التحديات، وقال: إن خبراء الدراسات المستقبلية يقررون بأن حجم المعرفة العلمية سيتضاعف كل سبع سنوات الأمر الذي يتطلب تنظيماً سريعاً ومستمراً لتدفق المعلومات والتعرف على طرق استخدامها لمن أراد استخدام هذا التراكم المعرفي. أما التحدي الثاني، فهو تحدي المعلوماتية وصناعة المعرفة، وإن مهمة الجامعات في هذا الصدد ليس فقط تطوير المعرفة وتدريب المختصين، بل نقل الحضارة وبناء صرح المعرفة. وقال: إن «المتغيرات الثقافية» تمثل تحدياً ثالثاً، ولذلك فإنه ينبغي أن تركز برامج إعداد المعلم على تنمية ثقافته العامة وقدرته على التفكير الناقد والقدرة على التشكيل الاجتماعي. أضاف أن التكتلات الاقتصادية تمثل تحدياً رابعاً، مشيراً إلى أن التقدم الاقتصادي يتأثر بنوع التعليم وجودته، كما تتأثر إنتاجية الفرد بمقدار التعليم الذي حصل عليه ونوعيته ومقدار ما توافر له من الخبرات الأساسية. وحيا الصالح في ختام كلمته مسيرة جامعة الفلاح على مدى نصف قرن في خدمة العلم والتعليم بين المسلمين في الهند، وهو دور يحتاج إلى دعم وتقوية ومساندة دائمة. وتحدث خالد البدر مدير وقف الشيخ عبدالله علي المطوع (أبو بدر) يرحمه الله، فأكد أن دعم العلم والتعليم وبناء معاهد العلم والتعليم كان من الأنشطة الرئيسة في جهود الشيخ المطوع طوال حياته، وهي الأنشطة التي غطت معظم بقاع العالم، وتناولت معظم فروع العمل الخيري الإنساني، مؤكداً أن وقف الشيخ المطوع يسير على نفس الطريق الذي رسمه صاحبه وسار عليه، وسيظل هذا الوقف داعماً للخير والعمل الخيري وللعلم والتعليم، وقد كان لذلك الوقف دور مهم في دعم جامعة الفلاح، وسيتواصل إن شاء الله. المرأة المسلمة وجاء دوري في الحديث، فأشرت إلى مشاهداتي لأروقة الجامعة وفرعيها للطلاب والطالبات، كما أشرت إلى أن نصف حضور هذا الحفل الكبير هو من الطالبات، يشير إلى الاهتمام بتعليم الفتاة المسملة أسوة بالرجل، ويعني أن القائمين على العملية التعليمية يدركون جيداً أسس ومقومات النهضة الحقيقية، والتي تتمثل في النهوض والاهتمام بالمرأة والرجل معاً، ولم تنهض أمة عبر التاريخ إلا بعد النهوض بالمرأة والرجل معاً عبر منظومة تعليمية متكاملة. وبعد تلك الزيارة لمدينة بنارس حيث جامعة النجاح توجهنا مرة أخرى عبر الطائرة إلى العصامة نيودلهي، وبعد ساعتين من الطيران توجهنا من مطار نيودلهي إلى مقر المستشفى الإسلامي التابع للجماعة الإسلامية، وهو مستشفى متوسط؛ لكنه يقدم كل الخدمات الصحية على مستوى جيد، وعلى مقربة من المستشفى توجد الجامعة الإسلامية التي شيدتها الدولة للمسلمين هناك، وهي من أقدم الجامعات في الهند.. ومن خلال مشاهداتنا وسماعنا للمسؤولين هناك أدركت أن المسلمين في الهند يخوضون ملحمة أخرى حضارية لبناء أنفسهم تعليمياً، ورعاية أنفسهم صحياً، وتدبير شؤونهم حياتياً، ولا شك أن تسامح الدولة بكيانها وغالبيتها الهندوسية معهم سهل كثيراً من تواصل تلك الملحمة، كما أن تفهم المسلمين لطبيعة الدولة، وفهم لمواد القانون جعلهم ينطلقون على بصيرة في مسيرة بناء أنفسهم، والعيش في سلام خاصة أن كل مظاهر العنف والتعصب وغمط حقوق المسلمين التي كنا نسمع عنها على امتداد العقود الماضية قد توارت في معظم المناطق.

 

-- خاص بالسكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*