الإثنين , 5 ديسمبر 2016

المسلمون في دوائر النسيان

هذا الكتاب محاولة متواضعة لكتابة ما يسمى “بالريبورتاج” الصحفي المطول أو التحقيق الصحفي المطول الذي يعتمد في مادته العلمية على المراجع والمصادر والأسانيد التي تناولت موضوع المسلمين خارج إطار العالم العربي، المسلمين في العالم، مشاكلهم، ما يعانونه من مآسي ومحن، أحوالهم، كيف يعاملون؟ كيف يعيشون؟

فالحديث عن مأساة الأقليات الإسلامية أو هؤلاء الذين يعيشون في دائرة النسيان، أمر حيوي، لا يوجد أي مبرر مهما كان لتجاهله، وإذا قررنا التجاهل بطريقة أو بأخرى فإننا بذلك نجعل النعام الذي يواجه حقائقه المعاشه بالإسراع بدفن رأسه في الرمال، نجعل النعام بذلك مثلنا الأعلى فندمن الهروب الذي هو سمة السلب الأعظم في واقعنا. ولكن إذا كنا بالفعل لا نعرف واقع إخواننا في الدين ولا نعرف أحوالهم فالكارثة أعظم، وبصراحة نقولها : إننا بذلك لا نكون كمسلمين جديرين بالحياة الدنيوية التي نعيشها !!

نعم، إن المسلمين الذين لا يشكلون أغلبية ساحقة في أفريقيا، وآسيا، وأوربا، والأمريكتين، واستراليا، يعانون الكثير والكثير، إنهم في محنة كبرى، تتبلور في قضية تحتاج إلى حسم جذري وسريع، ولا تحتاج إلى نظم ونثر ندبجه فيتطاير مع الرياح، أو خطب عنترية مضى زمانها دون عودة، أو شجب واستنكار لا يغني ولا يسمن.. هذه القضية أمر حيوي قائم متحرك، يعيش داخلنا، داخل ذواتنا، داخل أحاسيسنا، ووجداننا نعم قضية، قضية لا تنتهي بالتقادم، قضية تريد الطرح الدائم واستمراريته “وديموميته” ومتابعته، طرح دائم يختلط بالمشاعر وتقوده المشاركة الفاعلة والإيجابية التي تصنع شيئاً له قيمة حقيقة. 

قد يقول البعض أن هناك من الأقليات الإسلامية في عالمنا ما يتحرك على نطاق إقليمي، أو مستوى يصل في القليل النادر إلى مستوى عالمي ضيق.! هذا حق، ولكن الذي نريده أن نتحرك على الفور من منطلق تعاليم إسلامنا الخالد، نتعاون على البر، نكون كالجسد الواحد، الذي إذا شكا منه عضو تداعت له سائر أعضاء الجسم بالسهر والحمى، نكون معهم في قضيتهم كي يكون الله معنا، وقبل أن تبتلعنا مؤامرات أعداء الإسلام المحاكة ضدنا بإحكام وإتقان. 

محنة أخواننا في الدين يجب أن تتحول إلى قضية إسلامية تشغلنا نحن أهل الإسلام بجميع توجهاتنا، تشغلنا كقضية من اللازم اللازب أن تحتويها وحدة عضوية يؤطرها مشاركة وجدانية واعية. عندما أجل للقراءة والإطلاع ويكون رفيقي كتاب يتحدث عن أمجاد الأجداد العظام تحاورني نفسي وهي تلح : ما الذي حدث لكم يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم ؟ 

وما الذي جعل مصيركم هذا المصير الحزين يا خير أمة أخرجت للناس، تدعو للمعروف، وتنهى عن المنكر، وتنشر نور الله في أرجاء معمورته ؟! وتقول النفس : لا ، وألف لا ، ليست هذه الأمة التي أراها الآن التي أرادها رب العرش العظيم، أرادها خير أمة أخرجت للناس !! إن أمتكم المعاصرة كم لا كيف، شكل بلا مضمون، عرض بلا جوهر، جسد دون عقل، لفظ بلا مدلول، رسم بلا مفهوم، اسم بلا مسمى !!

حقاً أيتها النفس : إن أمتي الحالية قد نسيت خالقها، فرطت فيما دعانا المولى إليه، نسينا الله فنسينا، لقد قامت دولتنا الإسلامية الأولى، وعاشت عصر الشمس الذهبي، عاشت أعظم مراكز الإشعاع الخالد، لأن منطلقها كان الإيمان الصادق بالله سبحانه وتعالى، ولذلك احتفظت بوحدة المشاعر بين أهل الأمة الواحدة كانوا قلب رجل واحد، كانوا بناء متماسك يشد بعضه بعضاً، كانوا “الكل في واحد”.

ولاشك أن مأساة إخواننا في الدين الذين نسيناهم ومحنتهم هي صدى مباشر وشرعي لحالة انعدام الوزن واللا إيجابية والضياع، وفقدان المشاعر الذي نعيشه نحن أهل الإسلام.. كتابات كثيرة لا تجد غير شماعة الاستعمار كي تعلق عليها كل المآسي التي تعيشها الأقليات أو التي يعيشها العالم الإسلامي ككل.. ولكن : لقد رحل المستعمر منذ ربع قرن أو أكثر، رحل دون عودة إلا بأشكال وأنماط جديدة، فأين نحن أين وحدتنا وتعاوننا وتضامننا..؟؟! كتابات أخرى تلقي اللوم على الأنظمة الحاكمة التي لا تعطي أي اهتمام بمحنة أهلنا وذوينا في الدين.. 

ولكن هذه الكتابات تنسى أو تتناسى أمراً هاماً ألا وهو الدور الهام والخطير الذي يجب أن تلعبه الشعوب المسلمة وأهل الرأي فيها من المفكرين والعلماء ورجال الدين وهم دون شك المصابيح المنيرة لكل أمة وطلائعها الريادية، إنهم بكل أسف غارقون حتى النخاع في قضايا فرعية تقتل الوقت والجهد ولا تقدم ولا تؤخر، ويبدو -والله أعلم- أن المأساة لا تخطر لهم على بال !!! عندما وضعت خطة العمل في هذا الكتاب المتواضع ورسمت هيكله العام وجهزت ما أتيح لي من مصادر ومراجع، وحصلت جهاز تسجيلي الصغير وقلمي وأوراقي لألتقي بعدد كبير من أبناء الجاليات الإسلامية الذين يدرسون في رحاب الأزهر الشريف أتحاور معهم عن واقعهم في بلادهم، عن مشاكلهم، عن كل ما يعانون وسجلت ذلك واعدة إياهم ألا أذكر أي من أسمائهم كي لا أسبب لهم أي نوع من الحرج. 

كانت كلماتهم كصدى دوار في أذني، يا لها من مأساة، يا لها من كارثة، ولكن كم منا نحن أهل الإسلام يعرف شيئاً عن هؤلاء المسلمين المنسيين؟ ، كم منا نحن أهل الإسلام يعرفون شيئاً ولو بسيطاً عن محنة إخواننا في الدين وفي نفس الوقت يشعرون بها شعوراً إيجابياً واعياً فاعلاً ؟؟ هؤلاء المنسيون الذين يتعرضون ليل نهار لهجمات صليبية شرسة، وغارات تبشيرية ماكرة، واستعمار يتخذ الكثير من الأقنعة و”الماسكات” كي يجيد تمثيل دوره النفعي المقيت، وزحف شيوعي أحمر يلعق دماء الأبرياء دون هوادة، وبوذية كافرة تريد العودة برحلة التوحيد الإنسانية القهقري.. من منا فعل شيئاً له قيمة من أجل هؤلاء ؟؟!

وكان لابد من أخذ رأي أهل الرأي الذين -من المفروض- أن يوجهونا .. اتصلت بواحد من الأساتذة المقررين علينا في التلفاز صباح مساء، اتصلت به لعلي استفيد من علمه وخبرته في المزيد من المعلومات والحقائق عن إخواننا الذين نسيناهم في زحام الرحلة الفانية، اعتذر مرة، وفي الثانية قال لي كلاماً إنشائياً سطحياً، بعدها أحسست أن الرجل لا يعرف شيئاً، فزاد الألم ولكن ما باليد حيلة…؟! لقد طرحت عليك -أيها القارئ- في الفقرات التي تلت الفقرة السابقة أكثر من سؤال وأنت تعرف أن الإجابة غير سارة، بل كلنا نعرف ولكن النعام مثلنا الأعلى، يجعلنا نخفي رؤوسنا في الرمال أو التراب وإذا لم نجد فلا مانع من أن نضعها في الوحل!! هذا التحقيق الصحفي السريع الذي تجده بين دفتي هذا الكتاب “المتواضع جداً” ليس هدفه فرقعة، أو مجرد كلام يوزع المسؤولية على المسؤولين -في اندفاع متسرع- عن محنة إخواننا المنسيين!!. هذه الصفحات محاولة للوقوف على حقيقة المحنة ذاتها، والوقوف على ما يجب على أمتنا المسلمة أنظمة وقادة فكر، وعلماء وشعوباً، ومؤسسات، أن تفعله وعلى وجه السرعة التي تمثل في تاريخنا المعاصر صفحات قلقة غير ناصعة البياض. هدانا المولى جل شأنه إلى ما فيه الخير والفلاح للإسلام وللمسلمين. (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا)(البقرة: من الآية286) 

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*