الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016

الأتراك.. حيث التطوع هواية!

التطوع في تركيا له طابع خاص يميزه، لا فرق بين إسلامي أو علماني، فقير أو غني، كبير أو صغير، حكومي أو شعبي، فمفهوم التطوع منتشر بين أفراد المجتمع التركي على جميع مستوياته، فرئيس الحكومة التركية “طيب أردوغان” نفسه شارك في حفل تطوعي لجمع أموال لتعليم الطلاب الفقراء بمحافظة “سيرت” يوم 2-6-2003، وسدد تبرعا بقيمة (800$)؛ لهذا كان “صيف التطوع” مهتما بعرض التجربة التركية مع العمل التطوعي.

خصوصية تركية

يؤكد “بشير أطالاي” وزير الدولة للشئون الاجتماعية التركي أن هناك ما يقرب من 900 وقف خيري وجمعية تنشط في مجال العمل الخيري والتطوعي بتركيا، من أجل تقديم المساعدات الإنسانية للمحتاجين الذين تبلغ أعدادهم الرسمية 6 ملايين محتاج.

ويضيف الوزير أن صندوق المساعدات الاجتماعية وحده لن يكفي لمعالجة المشاكل الاجتماعية بتركيا، وإنما روح التبرع والتطوع من الأهالي هي المحك والفيصل في مواجهة هذه المشكلة، فإن مظاهر العمل التطوعي والتبرع لصالح الخير في تركيا تأخذ أشكالا متعددة وكثيرة، فالبعض يتطوع بالمال والوقت أو الدعاء أو التظاهر أو إرسال برقيات وفاكسات للمسئولين، مثلما يقوم بعض شباب المطربين والمطربات بالتبرع والتطوع بالغناء في حفلات لصالح أعمال خيرية.

ويشير الدكتور “علي مازاق” مدير مكتبة بلدية إستانبول إلى أن الشعب التركي عرف مفهوم التبرع والتطوع من المبادئ الإسلامية، ومن ثَم يُعَدّ الترك من أوائل الشعوب الإسلامية التي تدرك أهمية العمل التطوعي والتبرع من أجل الخير. ولعلّ انتشار مبدأ الوقف الخيري الإسلامي بتركيا من أبرز الأدلة الواقعية على فهم وإدراك وحب الشعب التركي للتبرع والعمل التطوعي، مثلما كانت ظاهرة الإخوة في زمن السلاجقة الأتراك أبرز الأدلة العملية على حب التطوع عند الأتراك، وبما أن كل مجتمع إسلامي له خصوصيته وظروفه وأحواله المحلية والإقليمية، فإن العمل التطوعي والتبرع الخيري يبرز في المجتمع التركي في مجالات التعليم والمساعدات الإنسانية، سواء لدى أصحاب الفكر الإسلامي أو أصحاب التوجه العلماني، على أن ظاهرة العمل التطوعي في موسم الصيف تكاد تكون معدومة بالمجتمع التركي، حيث يخصص الصيف للراحة والاستجمام والسياحة والسفر لدى الغالبية من الشباب.

التطوع الخيري والإنساني

تقول آيفر عبد الله (42 سنة): إنني أتطوع سنويًّا لتدريس وتعليم قراءة القرآن الكريم للأطفال في موسم الصيف، وتقول عائشة قيلينش (28 سنة): أنتهز فرصة ذهابي  سنويًّا لمنتجع صيفي بتركيا، لكي أجمع الأطفال هناك وأعلمهم قراءة القرآن وأداء الصلاة.

أما “الدكتور حسين فارول” الأستاذ الجامعي (متقاعد) فيقول: إنه ذهب أكثر من مرة تطوعًا لألمانيا من أجل إلقاء الخطب والوعظ والدروس الدينية على أتراك المهجر. كما يتطوع بإلقاء خطب الجمعة في جامع المحلة عند غياب الخطيب أو سفره أو مرضه.

أما برنامج فيلم كبي بمحطة قناة “دي تي في” بإستانبول فيقوم بتوفيق الصلح والسلام بين الأزواج والأبناء المبتعدين عن بعضهم.

جمعية دنيز فنري

تأسست جمعية دنيز فنري  Deniz Feneri Dernegi بتركيا عام 1995 لتقديم خدمات إنسانية للمحتاجين، وذلك عبر اتفاق مجموعة من رجال الأعمال على القيام بتقديم تبرعات لمساعدة الفقراء والمحتاجين بتركيا والخارج.

يقول “أوغور أصلان” عضو الجمعية ومقدم برنامج تلفزيوني شهير يحمل نفس اسم الجمعية في (محطة القناة السابعة بإستانبول): نحن نقوم بهذا العمل من أجل العمل الإنساني بغض النظر عن هذا الأمر أو ذاك، كما أننا لسنا مرتبطين بأي حزب سياسي أو توجه أيديولوجي معين.

ويضيف: تُعَدّ هذه الجمعية من أبرز الجمعيات الخيرية التي يمكن أن تحسب على التيار المحافظ والإسلامي بتركيا.

يقول رمضان جوزل جول الذي يقود فريق توزيع المساعدات: إن بكائي ودموعي أثناء مقابلتي مع أصحاب الحاجات يأتي تضامنًا معهم، فإنني أتطوع للقيام بهذا العمل لوجه الله تعالى، كما أن بسمتي ترتبط ببسمة الذين أذهب إليهم وأقدم لهم ما يريدون، ويعبرون عن هذا بالفرح والسرور. لقد تمكنت هذه الجمعية في العام الماضي من تقديم

مساعدات مختلفة لعدد 40 ألف أسرة بتركيا في عدد 80 محافظة.

كما تتبنى جمعية دنيز فنري أيضًا حملة تبرعات لتعليم الفقراء بقيمة 400 ألف دولار.

الوقف الخيري للتعليم

بينما يركز “الوقف الخيري للتعليم” TEV -ذو التوجه العلماني- على رعاية مسألة تعليم الفقراء؛ لذا يقدم منحا دراسية مجانية للتعليم سواء داخل تركيا أو خارجها، ومنذ عام 2001 يتبنى الوقف حملة تطوعية قومية لتعليم مليون طفل فقير، وقد شارك عدد من رجال الأعمال والوزراء والشخصيات العامة بالتبرع بتحمل مصاريف تعليم عدد معيّن من الأطفال، ويُعَدّ وزير الاقتصاد السابق كمال درويش واحدًا من تلك الشخصيات البارزة التي ساهمت تطوعًا بتحمل مصاريف تعليم 10 تلاميذ سنويًّا في هذه الحملة.

ومثلما لجأت جمعية دنيز فنري لمحطة القناة السابعة التلفزيونية لمؤازرة برامجها، فإن “الوقف الخيري للتعليم” لجأ أيضًا لشبكة أخبار “إن تي في” التركية لمؤازرة حملته القومية.

يقول “إبراهيم بتيل” رجل الأعمال ومدير وقف التعليم: إن التطوع بالوقت والمال والجهد من أجل قضية التعليم شيء مهم جدًّا؛ لأن تعليم المجتمع خطوة رئيسية نحو التقدم، إن تركيا لن تخرج من نطاق الدول النامية لنطاق الدول المتقدمة إلا برفع نسبة التعليم وخاصة عند المرأة. هذه القناعة هي التي تدفعني للتحرك والتطوع. هناك أيضًا توجه يتعلق بترسيخ حب أتاتورك في عقول النشء؛ لذا ومن باب التطوع قامت مجموعة من المدرسين وأعضاء بلدية حي “شيشلي” بإستانبول بتنظيم رحلة للتلاميذ (12 ألف تلميذ) يوم 19-4-2003 لزيارة مقبرة أتاتورك بأنقرة.

تدريب الأطفال

تلعب المدارس بتركيا وخاصة المدارس الخاصة في المدن الكبيرة دورًا في تعزيز مفهوم العمل التطوعي والخيري عند النشء، فهناك مدارس تركز على تقديم المساعدات الإنسانية، ومدارس أخرى تهتم بمشاكل البيئة، ومدارس تهتم برعاية كبار السن. فعلى سبيل المثال وليس الحصر، قامت مدرسة “شينار كوليج” بإستانبول في موسم الشتاء الماضي، بتنظيم مجموعات عمل تطوعي خيري، من التلاميذ والتلميذات ذهبوا مع المدرسين إلى أحياء فقيرة في إستانبول؛ ليقدموا فيها مساعدات عينية ومادية ومعنوية للمحتاجين.

تقول التلميذة سندس عبد المجيد (11 سنة): لقد دفعت مبلغ 5 ملايين ليرة (حوالي 4 دولارات)؛ للمساهمة في شراء إعانات غذائية وعينية للفقراء.

أما المدرس مراد أصلان فيقول: إن المشاركة في العمل التطوعي مع التلاميذ شيء يبعث على الراحة والإحساس بالمسئولية تجاه المجتمع، كما أن المشاركة في التخفيف عن معاناة الفقراء والمحتاجين من بين الواجبات الإسلامية. إننا نقوم بهذا العمل التطوعي كل موسم شتاء لكي ندرّب ونعلم التلاميذ على روح التطوع والأعمال الخيرية والإحساس بالآخرين.

————-

– تركيا – اسلام اون لاين. نت

-- سعد عبد المجيد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*