الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » السياسة الشرعية للأقليات المسلمة » مقالات وأخبار » الأثر التربوي والتعليمي للمدارس الإسلامية والمناهج الدراسية في أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي

الأثر التربوي والتعليمي للمدارس الإسلامية والمناهج الدراسية في أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أمابعد ..

فإن موضوع الأثر التربوي والتعليمي للمدارس الإسلامية والمناهج الدراسية في أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي، موضوع مهم لصلته بشكل أساسي في نهضة الجالية المسلمة في هذه البلاد النائية عن بلاد المسلمين، وهو موضوع لم ينل حظه من الدراسة والبحث ويحتاج إلى دراسات ميدانية لقياس مدى هذا الأثر على الجالية المسلمة .

تعريف التربية

علم “التربية”  يعني توجيه المتربص (المتعلم) بأفضل طريقة نحو التحصيل المعرفي، وعرفها بعضهم بأنها عملية صناعة الإنسان، أو تحصيل للمعرفة وتوريث للقيم كما هي توجيه للتفكير وتهذيب للسلوك، وتطلق التربية على كل عملية أو مجهود أو نشاط يؤثر في قوة الإنسان أو تكوينه .

والمفهوم الشامل للتربية يرى بأنها هي الوسيلة التي تساعد الإنسان على بقائه واستمراره ببقاء قيمه وعاداته ونظمه السياسية والاجتماعية والاقتصادية .

فيما يرى البعض أن التربية تأخذ منظورا دينيا ويعتبره البعض عملية هدفها هو الحصول على الإنسان السوي المعتدل كما أقرت بذلك كل الديانات السماوية .

أما أحدث التعاريف المتداولة في معظم الكتابات عن التربية فهي : “عملية التكيف أو التفاعل بين الفرد وبيئته التي يعيش فيها وعملية التكيف أو التفاعل هذه تعني تكيف مع البيئة الاجتماعية ومظاهرها وهي عملية طويلة الأمد ولا نهاية لها إلا بانتهاء الحياة” .

ضرورة التربية

التربية عملية ضرورية لكل من الفرد والمجتمع معا فضرورتها للإنسان الفرد تكون للمحافظة على جنسه وتوجيه غرائزه وتنظيم عواطفه وتنمية ميوله بما يتناسب وثقافة المجتمع الذي يعيش فيه والتربية ضرورية لمواجهة الحياة ومتطلباتها وتنظيم السلوكيات العامة في المجتمع من أجل العيش بين الجماعة عيشة ملائمة .

و تظهر ضرورة التربية للفرد بأن التراث الثقافي لا ينتقل من جيل إلى جيل بالوراثة ولكنها تكتسب نتيجة للعيش بين الجماعة وإن التربية ضرورية للطفل الصغير لكي يتعايش مع مجتمعه كما أن الحياة البشرية كثيرة التعقيد والتبدل وتحتاج إلى إضافة وتطوير وهذه العملية يقوم بها الكبار من أجل تكيف الصغار مع الحياة المحيطة وتمشيا مع متطلبات العصور على مر الأيام .

أما حاجة المجتمع للتربية فتظهر من خلال الاحتفاظ بالتراث الثقافي ونقله إلى الأجيال الناشئه بواسطة التربية وكذلك تعزيز التراث الثقاقي وذلك من خلال تنقيتة من العيوب التي علقت به والتربية هنا قادرة على إصلاح هذا التراث من عيوبه القديمة وبهذا الإصلاح مع المحافظة على الأصول .

معنى التعليم

التعلم هو عملية تلقي المعرفة، والقيم والمهارات من خلال الدراسة أو الخبرات أو التعليم مما قد يؤدي إلى تغيير دائم في السلوك، تغير قابل للقياس وانتقائي بحيث يعيد توجيه الفرد الإنساني ويعيد تشكيل بنية تفكيره العقلية .

يري أبو حامد الغزالي  ” إن صناعة التعليم هي أشرف الصناعات التي يستطيع الإنسان أن يحترفها وإن الغرض من التربية هي الفضيلة والتقرب إلى الله ” .

ونستطيع تقسيم مراحل التربية والتعليم التي تمت في أمريكا اللاتينية إلى ثلاث مراحل

المرحلة الأولى : الأثر التعليمي والتربوي للمدارس خلال فترة العبيد المسلمين .

المرحلة الثانية : الأثر التعليمي والتربوي للمدارس خلال فترة الشيخ عبد الرحمن البغدادي .

المرحلة الثالثة : الأثر التعليمي والتربوي للمدارس خلال فترة في المرحلة الحديثة .

المرحلة الأولى

الأثر التعليمي والتربوي للعبيد المسلمين

دور علماء المسلمين الأفارقة في عملية التربية والتعليم

قبل وصول العبيد المسلمنين من إفريقيا إلى أرض البرازيل تمت أكبر عملية لغسيل العقول في محاولة للقضاء على أي مظهر من مظاهر العقيدة والثقافة الإسلامية، وحال وصولهم لأرض البرازيل تم تعميدهم قسرا لإستكمال عملية طمس الهوية الإسلامية .

ولكننا لاحظنا ومن خلال المتابعة التاريخية أنهم ظلوا محافظين على إسلامهم، يمارسون شعائرهم الإسلامية خفية ويحتفظون بصفحات ونسخ من القرآن الكريم، وساهم في ذلك علماء ومشايخ فضلوا وآثروا الوقوع في الأسر والعبودية لمرافقة هؤلاء المسلمين ليقوموا بأكبر عملية تربوية وتعليمية، وظلوا يوجهونهم للتمسك بدينهم، وقد أقاموا داخل أكواخهم حلق القرآن ومجالس العلم .

لقد كان للعلماء والمشايخ الأفارقة دورا بارزا وتضحية تكتب لهم في ميزان أعمالهم يوم القيامة،كانوا يقعون في الأسر مختارون حتى يقومون بمرافقة هؤلاء العبيد في طريقهم للأرض المجهولة، كان هدفهم واضحا في الحفاظ على إسلامهم، وتقوية عزائمهم، وتعليمهم شعائر الدين، وعدم تركهم عرضة لمصير مجهول لايعلمه إلا الله .

يذكر الشيخ عبد الرحمن البغدادي # في مخطوطته مسلية الغريب ” وكم مرة سألتهم عن سبب هذا التستر الشديد( أي ممارسة شعائر الدين في السر )  مع أن الدول أطلقت من الحرية لكل شخص مايريد فأخبروني بأن حربا وقع بينهم ( أي المسلمين الأفارقة ) وبين الخرستيان وحاول السودان أن يملكوا منهم البلدان وكانت النصرة للنصارى …. وكلما رأيت الإسلام فيما ذكرته من التغطيس ( التعميد الإجباري ) والدفن ( في مقابر النصارى ) والاكتتام ( ممارسة شعائر الإسلام في السر ) تهطل من عيوني الدموع السجام وأتأسف على بلاد الإسلام وأتذكر وطني وبعد المسافة ولا أجد لي حرا أرتجي إسعافه سيما في بلدة عدم بها النصير وجار بها الحقير ودقت النواقيس وكثرت وساوس إبليس ”  #.

شاهد العلماء كيف كانت تتم عملية غسل عقول العبيد وتغيير أسمائهم قبل شحنهم في السفن، وشاهدوا عملية التعميد الجماعية التي كانت تقام لهم لدى وصولهم البرازيل، وكانت وصيتهم للمسلمين بالصبر والثبات، وبدأ هؤلاء العلماء رحلة طويلة وشاقة لتعليم العبيد شعائر الإسلام والمحافظة على دينهم دون شعور من الأسياد، ونجحت هذه العملية التربوية في الحفاظ على العقيدة الإسلامية لدى العبيد وأن تكون حافزا للكثير من الثورات التي تمت بعد ذلك، ” كانوا يلحقون بالعبيد متطوعين لإرشادهم إلى الدين، وينزلون معهم في الأكواخ، ويلقنونهم القرآن والكتابة ومباديء الشريعة … كانوا يحبسون أنفسهم معهم، وفي إطار عبوديتهم، ليستنقذوا البقية الباقية من تمسكهم بالدين في الظروف الوحشية التي يعيشون ” # .

هؤلاء العلماء كان عليهم الدور الكبير في عملية التربية والتعليم لهؤلاء المسلمين ” جاءوا مؤدبين ووعاظا وأئمة صلاة ومعلمي دين، وكانوا في معظمهم من ممالك البورنو وسوكوتو وغاندو ذوات التنظيم السياسي المتقدم، والأدب الديني الإسلامي الكامل، ولهم مؤلفاتهم المحلية باللغة العربية، وفنهم القوي الأصيل الذي لايقارن بتفاهات البرتغاليين ” # ، ” كان ” الماليز ” يتمتعون بمستوي ثقافي عال إذا ماقورن بمستوى البرازيليين، وكانوا قادرين على القراءة والكتابة باللغة العربية ” # ،” فى باهيا كانوا قادرين أن يكتبوا العربية بمهارة و كانوا أعلى ثقافة من أسيادهم بكثير ” # .

يذكر الدكتور على الكتاني” وصادف أن كان من بين هؤلاء علماء في الدين فنجحوا في الحفاظ على علمهم وأسسوا جاليات قوية ومنظمة بين المستعبدين في ولايات بهية وريودي جانيرو وسان لويس دو مرانيون، ونجحوا في إدخال كثير من العبيد الآخرين في الإسلام، وكانت لهم المدارس الإسلامية والمساجد وشيء من الحرية الدينية، وكان يسميهم البرتغاليون بالمعلمين ” # .

وهذا ماأكده الدكتور خالد محمد أبو الحسن ” فقد وجد من هؤلاء العبيد شيوخ كبار كانوا يقومون بمهمة جليلة في البرازيل وهي مهمة الوعظ والإرشاد والتفقيه فقد كانوا ينزلون مع العبيد الصغار الأكواخ ويعلمونهم القرآن ومباديء الشريعة الإسلامية السمحاء ” # .

ويؤكد الباحث الإثنوغرافي ” روجيه باستيد “# الذي اهتمت أبحاثه بالديانات الأفريقية في البرازيل، وفي دراسة صدرت له سنة 1971م، أن المسلمين الزنوج كانوا يوجدون خلال الثلث الأخير من القرن التاسع عشر في جل مناطق البرازيل، وأنهم وبحسب المصادر الشفوية التي اعتمدها، كانت لهم مساجد في الأغواس، وبرنامبوكو وباهية “# ، نفس النتيجة وصل إليها جواو خوسيه رايس حينما ذكر ” أن الثورة الإسلامية جاءت في وقت انتشار الإسلام بين الأفارقة الذين يعيشون في باهيا ” # .

الإعداد العلمي والتربوي للمسلمين الأفارقة

إتبع العلماء والمشايخ أسلوبا تربويا وتنظيما راقيا، حيث كانوا يقسمون الأفارقة مجموعات كل مجموعة تضم عددا من الأتباع بين الخمسة إلى العشرة ويباشر الشيخ تعليمهم القرآن ويؤدي معهم الصلوات، ولقد أشار القس إتيان ” أن الإسلام قوي وتفرع في البرازيل، وأضاء ظلمة أكواخ الرقيق،الذين جاءوا من أفريقيا معلمين ووعاظا لتعليم القراءة والكتابة باللغة العربية والقرآن الكريم، حيث كانت توجد المدارس والمصليات المحمدية ” # .

ونستطيع التأكيد على أن هذه العملية التربوية للعبيد المسلمين كانت الدافع لتجمعهم وتوحدهم ” إن الدين الإسلامي … هو الذي أوجد للمهاجرين إلى البرازيل كيانا، وربما كان سببا في تقوية تجمعهم وتعضيد استقرارهم، رغم حياة الشتات التي كانوا يعيشونها ”  #، فالأغلبية الساحقة من هؤلاء العبيد كانوا من المسلمين الذين أرغموا على ترك دينهم تحت التهديد والتعذيب، وعليه تقهقر الإسلام في أمريكا اللاتينية #.

يذكر الدكتور مايكل جوميز ” إن العبيد المسلمين عاشوا في مجموعات متراصة وكانوا يشدون من أزر بعض ويطورون أنفسهم ومجتمعهم، وخلقوا مساحة لهم بعيدا عن بقية السكان، وضرب مثلا برفضهم مصافحة غير المسلمين باليد وسخريتهم من نظرائهم ممن اعتنقوا المسيحية بسبب وضعهم لصور القديسين في بيوتهم، وكانوا يعملون على التجمع في منزل محدد للصلاة وقراءة القرآن الكريم،بعض العبيد  كانوا يدرسون العربية لغيرهم، ووجد الكثير من المخطوطات في ملابس القتلى والأسرى منهم تتضمن آيات قرآنية وأدعية وأحاديث شريفة، وعمدوا إلى ارتداء الملابس البيضاء لتمييز أنفسهم، بالإضافة إلى تناول المنتجات الحلال والابتعاد عن الخمور ” #.

وقام العلماء المسلمون بإحياء المناسبات الإسلامية كفرصة لالتقاء أكبر عدد من المسلمين والعمل على تنظيمهم، يقول جواو خوسيه ريس# ” لقد تحولت أكواخ العبيد إلى مدارس قرآنية، ليس هذا فحسب بل كانوا يجتمعون يوميا للصلاة، وللإفطار الجماعي خلال شهر رمضان، ويصف خوسيه رايس آخر احتفال قام به المسلمون في باهية قبل ثورة 1835م فيقول : وكانوا يجتمعون لإحياء المناسبات الإسلامية المختلفة وهنا يمكننا أن نلاحظ أن آخر اجتماع عام قام به المسلمون كان لإحياء ليلة المعراج ( صعود النبي محمد إلى السماء )  قد حدث في  يوم السبت  29 نوفمبر عام 1834م “# .

وخلاصة هذه المرحلة تتبين في الحرص الشديد لعلماء المسلمين الأفارقة لتوجيه الجالية المسلمة لتعلم القرآن واللغة العربية، وأنهم اتخذوا من الأكواخ محاضن تربوية لتنمية دور الجالية والارتقاء بثقافتهم الإسلامية .

الإعداد التعليمي والتربوي للشيخ عبد الرحمن البغدادي

كان الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله البغدادي الدمشقي، عالما أديبا ذو مواهب متعددة، يكتب الشعر والأدب، ويتقن العلوم المختلفة إضافة للعلوم الشرعية، ويتقن اللغتين العربية والتركية، وكان محبا للسفر والتجوال، ولقد سافر إلى الدولة العلية  العثمانية في الأستانة وكان ذلك في عهد السلطان عبد العزيز الأول #، وترقى في المناصب ليصير إماما للبحرية العثمانية، وحينما علم أن هناك سفينتان ستسافران إلى البصرة مرورا برأس الرجاء الصالح طلب الإذن لمرافقة إحداهما وكان ذلك في عهد أمير البحار محمد صالح آتيش باشا، وكان قصد الشيخ كما ذكر” فطلبت المسير بإحداهما قصدا للسياحة والتأمل بكل ساحة، إذ هي تزيد اليقين ويتأكد بالنظر لعظمة القدير المبين” #، وقد بدأت الرحلة في أوائل جمادى الأولى سنة 1282 هجرية، وحينما وصلت السفينتان للمحيط الأطلسى هبت عاصفة قوية، وحملتهما إلى بلاد بعيدة تبين بعد ذلك أنها ” ريو دي جانيرو ” # عاصمة دولة البرازيل في ذلك الوقت، وهناك قرر الشيخ البغدادي أن يبقى في البرازيل بقصد تعليم المسلمين ” وهناك تركت البوابير لأجل تعليم المسلمين الذين بهذه البلاد مقيمين محتسبا لوجه رب العالمين ” # .

وحال إقامته وسط العبيد لاحظ الشيخ البغداي أن المسلمن قد فقدوا الكثير من تعاليم الإسلام فبدأ رحلة من العمل التربوي والعلمي لإنقاذ المسلمين وكان يعول على تعليم أبناء المسلمين، وقد اتبع المسالك التالية :

حصر الشيخ مظاهر ضعف المسلمين وكان منها عدم حفظهم للقرآن الكريم ومن كان منهم يقرأ إلى سورة عم كانوا يعدونه عالما كبيرا، وكانوا يحتفظون بالمصاحف في الصناديق بغاية البركة، وعند تلاوتهم للقرآن يصعب نطقهم 10 أحرف من حروف اللغة العربية، ومخالفة طريقة صيامهم للتعاليم الإسلامية، وعدم حجاب نسائهم، وشربهم للخمور، وعدم معرفتهم بالمواريث واتباعهم للعادات البرازيلية في ذلك، وانتشار الكهانة، وحب زعمائهم للرئاسة والدنيا على حساب السعي لتوحيد المسلمين .

إبتدأ الشيخ بالعناية بأمور التعليم لأهميتها وقسم النهار أقسام، لكثرة من كانوا يترددون على الدار حتى وصلوا 500 مسلما، وقد قام باختيار الأطفال والراغبين في التعليم من الرجال، ولاطفهم في الأقوال والأعمال وأيقظ همتهم وبالهم، حتى ظهر فيهم الصلاح، واستطاعوا أن ينطقوا الحروف بشكل سليم .

وقام بعمل درس عام لأجل تعليم قواعد الإسلام بعد صلاة الظهر، وقام بتحفيظ الصغار والكبار حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ” بني الإسلام على خمس “، وقام بتأليف رسالة خطها باللغة العربية وكلامها باللغة البرتغالية، جمع فيها التعريف بصفات الله تبارك وتعالى، وكذلك التعريف بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وفرائض الوضوء والصلاة والصوم والحج والزكاة، وضمنها كلمات نافعة ومواعظ مختلفة، قال الشيخ ” وأغلب القوم حفظوا الرسالة واستوعبوا المقالة فظهر عليهم تغيير الحالة وصاروا يتوضؤون وللخمس يصلون وبالصلاة يقرأون ” .

نلاحظ من خلال استقراء المخطوطة أن عملية تعليم اللغة العربية للمسلمين أخذت حيزا كبيرا من تفكير وتربية الشيخ لهم وشهدت هذه العملية تقدما ملحوظا، تمثل في إخراج الناس المصاحف من الصناديق بغرض القراءة، ولمس المسلمون حاجتهم لأعداد جديدة من المصاحف لقلة ماكان في حوزتهم، وكان الشيخ البغدادي لايدخر جهدا في البحث عن مصادر للحصول على كتب تعينه في التعليم ” صادف أني نزلت يوما للأسواق للفرجة على بديع الخلاق فمررت على دكانة رجل يبيع الكتب الخرستانية فدخلت لعلي أرى كتابا في ترجمة العربية والبرتكيزية “، حيث وجد بين الكتب مصحفا باللغة العربية مطبوع في فرنسا، وبسرعة تلقاه وراجعه فلم يجد فيه تحريفا، فاشتراه بليرة فرنسية وأخبر صاحب المكتبة بحاجته للمزيد من المصاحف ودفع له عربونا، وفعلا وصلت المصاحف واشتراها المسلمون حتى كثرت بينهم، كتب الكونت جوزيف آرثر دو كوبينو( 1816-1882 ) الممثل الديبلوماسي الفرنسي في البرازيل أن الفرنسيين فوشون وديبون كانوا يبيعون سنويا للمستعبدين وللذين نالوا حريتهم حوالي 100 نسخة من القرآن الكريم، إضافة إلى كتب قواعد اللغة العربية مع شرح بالفرنسية # .

لقد وفق الشيخ في اختيار مجموعات من أطفال المسلمين بغرض التعليم نظرا لأهمية تربية النشىء والوصول لأفضل جيل مسلم يحمل راية الإسلام ويعتز بأصوله الإسلامية .

المرحلة الثالثة : الأثر التعليمي والتربوي للمدارس في المرحلة الحديثة

المدارس في البرازيل

شهدت المرحلة الحديثة هجرة الكثيرين من البلاد العربية إلى البرازيل وبدأت هذه الهجرة عام 1880 وكان أغلبهم من النصارى واستقر أغلبهم بولاية ساو باولو، وكان لديهم هم كبير في استمرار تعليم اللغة العربية ولذلك انتشرت في ذلك الوقت الصحف والمجلات باللغة العربية .

وتم إنشاء بعض المدراس العربية لتقوم بعملية التربية لأبناء الجالية العربية، ونجد أن هذه المدارس قد بدأت الاندثار مع مرور الزمن، ومع بداية هجرة الجالية المسلمة 1920م لم يكن في تفكير الأوائل الاستقرار في البرازيل، ولكنهم وجدوا أهمية إنشاء المدارس ووجود معلمي اللغة العربية حينما بدأوا مرحلة الاستقرار في البرازيل .

فقاموا بتأسيس الجمعية الخيرية الإسلامية 1929م وكانوا يقومون بعمل دروس للغة العربية واستمر هذا الحال حتى وصول الدكتور عبد الله عبد الشكور كامل أول داعية يبتعث من وزارة الأوقاف المصرية عام 1956م، والذي تنبه مبكرا لعملية التربية وتعليم اللغة العربية وأثرها على الأجيال القادمة من أبناء المسلمين .

كان الشيخ حريصا على الأجيال الجديدة من أبناء المسلمين ولذلك عمل بكل جهده لتأسيس المدرسة الإسلامية البرازيلية بحي ” فيلا كارون ” بمدينة ساو باولو عام 1966م، والتي مازالت إلى اليوم تؤدي رسالتها وهي المدرسة الوحيدة في البرازيل التي تدرس منهج اللغة العربية والدين الإسلامي داخل ساعات الدوام الأساسية وبتصريح من وزارة التربية البرازيلية .

وكان يساهم بشكل فعال في تربية أبناء المسلمين يقول الأستاذ على حسين الزغبي وهو واحد من الذين درسوا بتلك المدرسة ” مازلت أذكر تعاهده لنا بالتربية من خلال إتقان بعض المقاطع المسرحية حول بعض المواقف التربوية في التاريخ الإسلامي، والتي مازالت محفورة في ذاكرتي إلى اليوم ” .

في أواخر التسعينات تولى الشيخ محمد أمامه إدارة قسم اللغة العربية في المدرسة وقام بجهد مشكور في تنمية وإدارة هذا القسم فعمد للاستفادة من المناهج الخاصة بتدريس اللغة العربية في بعض المدارس الخاصة في لبنان واعتمدها وكانت الكتب المعتمدة هي التي تدرس في مدرسة سبيل الرشاد للأستاذ المربي إبراهيم العزنكي، والذي قام بعمل دورات لتدريب معلمي اللغة العربية لتدريسها على أكمل وجه .

غير أن هذا المنهج كان يحتوي على بعض النصوص التي تخدم البيئة اللبنانية مما يقتضي إعادة صياغتها بما يتناسب مع بيئة المستهدف بالعملية التربوية والتعليمية أقصد بها البرازيل .

وقامت المدرسة الإسلامية بعد ذلك باعتماد برنامجا لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها وهو عبارة عن سلسلة من الكتب تم تأليفها في المملكة العربية السعودية، غير أن مايعيب هذه السلسلة أنها ألفت لاستهداف غير الناطقين ممن يعيشون في بلاد ناطقة باللغة العربية مما يستدعي بعض التعديلات عليها حتى تتناسق مع وضع الدارسين في البرازيل .

واعتمد في تدريس الدين الإسلامي على سلسلة سفير للأطفال وبعض الكتب التي تم إعدادها محليا باللغة البرتغالية .

كان من أثر هذه المناهج أن أنشأت جيلا يجيد استخدام اللغة العربية قراءة وكتابة وتحدثا وهذا كان القصد من تلك العملية، غير أن ضعف المتابعة في المحيط الذي يعيش فيه المستهدف بالعملية التعليمية وقلة وضعف الحديث باللغة العربية أدى إلى نسيان اللغة في كثير من الأحيان .

أما العملية التربوية للمدرسة الإسلامية البرازيلية فيمكننا حصرها في المحضن التربوي الذي تم تهيئته من خلال تأسيس مسجد داخل المدرسة تقام فيه الصلوات وصلاة الجمعة وانتشار الحجاب وإظهار للأعياد والمناسبات الإسلامية خلال احتفالات تربوية معدة بشكل جيد ونشر الثقافة والأناشيد الإسلامية بين الأطفال من خلال طابور الصباح وحفظ بعض السور من خلال دروس التربية الإسلامية .

وتوجد مدرسة عربية كذلك في مدينة فوز دو إيجواسو تتبع المركز الثقافي الخيري الإسلامي وتقوم بتدريس اللغة العربية ومباديء الدين الإسلامي، إعتمدت كذلك على مناهج لبنانية للأستاذ إبراهيم العزنكي .

وتوجد مدرسة عربية 24 مارس بمنطقة ” سانتو أمارو “، ويدرس فيها عدد كبير من أبناء الجالية العربية وتدرس اللغة العربية والدين الإسلامي لمدة ساعة يوميا قبل الدوام، وهذه المدرسة تحتاج لعناية لتطوير برنامجها التعليمي حتى يؤتي ثماره .

وقام مركز الدعوة الإسلامية لأمريكا اللاتينية بإنشاء مدرسة لتعليم اللغة العربية لمرحلة الروضة وهي تعتمد على المناهج الإسلامية في العملية التربوية، وكذلك بعض الكتب لتدريس اللغة العربية، وقام كذلك بإنشاء مدرسة داخلية لتحفيظ القرآن الكريم وتهتم بالعملية التربوية للأطفال وكان لها أثر في حفظ الكثير من الطلاب لبعض أجزاء من القرآن الكريم، ويوجد بها مناخ طيب لقرب الطلاب من مسجد أبي بكر الصديق رضي الله عنه .

وقام بعض أهل الخير بشراء مدرسة في منطقة ” سان برناندو ” تقوم بتعليم اللغة العربية ومباديء الدين الإسلامي ويشرف عليها مكتب الندوة العالمية للشباب الإسلامي .

وتوجد محاولات في مناطق مختلفة لتدريس اللغة العربية بعد ساعات الدوام الرسمية أو في مدارس نهاية الأسبوع كما يحدث في رابطة الشباب المسلم ” براس “، وجمعية علي بن أبي طالب ” فيلا سان جوزيه ” ، ومدرسة جمعية ” فلوريانابوليس ” .

ونلمس وجود بعض الخريجين من تلك المدارس السالفة الذكر وخصوصا المدرسة الإسلامية البرازيلية الذين حفظوا بعض أجزاء القرآن الكريم، ومنهم من توجه لدراسة العلوم الإسلامية .

وبمتابعة تطور المفهوم التربوي والتعليمي في أمريكا اللاتينية وجدنا توجه جديد من خلال التفكير في إنشاء المعاهد الإسلامية، فكان تأسيس المعهد اللاتينيي الأمريكي للدراسات الإسلامية بمارنجا عام 2009م والذي يقوم عليه الشيخان الدكتور محمد القاسم الرهيدي وعبد الباقي عثمان .

ويعتمد المعهد على طريقة التدريس عن بعد ويقوم من خلال برنامج محدد بتدريس اللغة العربية والدراسات الإسلامية عن طريق دورات ولقاءات مستمرة مع طلابه والقيام بعملية تقييم مستمرة ويعطي شهادة بذلك، والمعهد لديه عدد لابأس به من الطلاب المعتنقين للإسلام ومن أبناء المسلمين المنحدرين من أصول عربية .

وتم اعتماد بعض المناهج الدراسية لبعض الجامعات الإسلامية في العالم الإسلامي، وقد استفادة الكثير من هؤلاء الطلاب من البرامج المعدة لتأهيلهم سواء للعمل في مجال الدعوة الإسلامية أو متابعة دراستهم الجامعية في البلدان الإسلامية .

المدارس في دول أمريكا اللاتينية

المدرسة العربية الكولومبية دار الأرقم ويوجد فيها عدد كبير من أبناء المسلمين ونظرا لتواجد المسلمين في محيط المدرسة فإنها تمثل لهم مكانا للالتقاء وتربية الأبناء، وهي تعتمد على بعض المناهج اللبنانية في تدريس اللغة العربية وكذلك بعض الكتب التي تعتني بالثقافة الإسلامية .

الخلاصة :

يتبن من خلال الدراسة أن كل المدارس تعتمد على مناهج مطبقة في البلدان الإسلامية، وهي بحاجة لتأليف مناهج تتوافق مع البيئة البرازيلة وتعنى بتدريس اللغة العربية لغير الناطقين بها في بلدان غير عربية .

التوصيات :

العمل على إنشاء مدارس نموذجية في بلدان أمريكا اللاتنية تعنى بتدريس اللغة العربية والدين الإسلامي الحنيف .

إعارة مدرسي اللغة العربية من البلدان الإسلامية للنهوض بشأن تعليم اللغة في بلدان أمريكا اللاتينية .

مراجعة مناهج تدريس اللغة العربية والدين الإسلامي من قبل متخصصين للوصول إلى أفضل السبل لتدريس اللغة وإيصالها لأبناء المسلمين .

إنشاء كراسي للغة العربية في الجامعات الرئيسية في أمريكا اللاتينية .

عمل برامج صيفية لتبادل الطلاب بين المدراس في أمريكا اللاتينية والدول العربية .

وفي الختام لايسعني إلا أن أتوجه بالشكر لمركز الدعوة الإسلامية في أمريكا اللاتينية ممثلا برئيسه الحاج أحمد علي الصيفي وجميع القائمين على هذا المؤتمر، لدعوتهم الكريمة للمشاركة والمساهمة في جلساته، ونسأل الله أن يوفقنا جميعا للنهوض بشأن الدعوة الإسلامية وتعليم اللغة العربية في أمريكا اللاتينية، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

-- خاص بالسكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*