السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » السياسة الشرعية للأقليات المسلمة » مقالات وأخبار » الاستشراق اليهودى فى المرحلة الإسرائيلية وأهدافه الصهيونية

الاستشراق اليهودى فى المرحلة الإسرائيلية وأهدافه الصهيونية

طور المشروع الصهيونى على أرض فلسطين ، مدرسة ضخمة للدراسات الاستشراقية المتعلقة بالإسلام والعرب، ويطلق عليها مدرسة لأنها تميزت بسمات وأهداف ومناهج ومجالات ومواضيع متكررة وثابتة، كما تم إدراج هذه الدراسات تحت لواء الاستشراق لتبنيها لنفس الغاية التى كانت لدى الاستشراق الغربي، من حيث كونها دراسات موجهة لخدمة الصراع الحضارى / الدينى / السياسى / العسكرى بين العرب وإسرائيل، مثلما كان الاستشراق الأوربى حلقة من حلقات الصراع الدينى / الحضارى بين الشرق المسلم والغرب المسيحي، وقد كان ليهود أوربا دورا مهما فى حركة الاستشراق الغربى ، وبزغ منهم العديد من المستشرقين ولمع نجمهم فى داخل مدارس الاستشراق الأوربى وبلدانه المتعددة  .

الغربي إحلالي واليهودي تشويهي:

وتتميز مدرسة الاستشراق الاسرائيلى ( تكتب معظم دراساتها باللغة العبرية) بأنها أكثر تحديدا وتخصصا فى موضوعاتها ومجالاتها عن الاستشراق الأوربى ، فلقد ارتبط الاستشراق الأوربى فى مرحلة من مراحله المبكرة بالتبشير ( المسيحى ) .. ، و بالتالى كان هدفه الدينى إحلالى ( المسيحية كبديل يأخذ مكان الإسلام )  ، و أى نقطة ضعف كان يتخيرها ويضخمها فى سيرة الرسول ( ص ) و أحاديثه أو القرآن أو المعاملات الفقهية والعقائدية ، كانت هذه النقطة ( التى كان يتخيلها علماء الاستشراق الأوربى ) تساعدهم فى تشويه الإسلام والحط من قدره من ناحية ، ومن ناحية أخرى تعلى من شان المسيحية الأوربية كبديل حضارى / دينى أرقى وأسمى … ! ولكن لأن الديانة اليهودية التى ينتمى إليها المستشرقون الإسرائيليون ، ليست ديانة تبشيرية  دعوية ، بل هى ديانة منغلقة على أصاحبها ، ديانة قومية تخص عرق واحد أو قومية واحدة وهم ” بنى إسرائيل ” أو اليهود شعب الله المختار كما تقر الديانة اليهودية ( حيث أن معيار دخول الديانة اليهودية هو معيار عرقى قومى  وليس إيمانى ، فاليهودى فى الشريعة اليهودية هو الذى يولد من أم يهودية فقط وليس من يؤمن بالتوراة أو التلمود ) ..، فجاءت الدراسات الاستشراقية الإسرائيلية المعاصرة خالية من فكرة التبشير ( اليهودى ) ، ولكنها عوضا عن ذلك اهتمت فى موضوعاتها الدينية بقضايا عملية / دنيوية / متعلقة بالصراع العربى / الصهيونى ، و بأهداف سياسية صهيونية ( تخدم فكرة فلسطين كوطن قومى لليهود وتؤسس لها ) .

قضية القدس:

وقام الاستشراق الاسرائيلى فى جانبه أو مجاله الدينى ، بالتركيز على عدة موضوعات تصب فى نهاية الأمر فى مصلحة الكيان الصهيونى (إسرائيل) ، فتم وضع ” القدس ” أو ” أورشليم ” على قمة جدول أعمال المستشرقين الإسرائيليين ، وقال مستشرقوهم  أن مدينة  ” القدس  ” لم تذكر صراحة باسمها ولا مرة واحدة فى القرآن الكريم كله ، وهو ما يجعل القدس – من وجهة نظرهم – والأرض المقدسة ( المسجد الأقصى ) فى فلسطين ليست حقا دينيا / تشريعيا يحق للمسلمين المطالبة به والدفاع عنه ونذكر فى هذا المجال المستشرقين الإسرائيليين “إسحق حسون ” و ” كستر “، كما تحدث الاستشراق الاسرائيلى  عن موضوع ”  أرض فلسطين ” عموما والأراضى المقدسة ( الوعد الإلهى ) ، وذكروا الآيات التى تتحدث عن منح الله أرض فلسطين لبنى إسرائيل فى القرآن الكريم  . كما استغلوا هنا الآية التى تتحدث عن نزول القرآن مصدقا لتوراة موسى ( عليه السلام ) ، كدليل لإثبات صحة الوعد الإلهى فى التوراة لبنى إسرائيل بعطية الأراضى المقدسة ، حتى يبرروا الوجود الصهيونى على أرض فلسطين ويرسخوه دينيا من داخل عقيدة الإسلام.

استهداف مفهوم المقاومة:

كما هاجموا فكرة وفرض ” الجهاد فى سبيل الله ” لتفريغ الجهاد من معناه بهدف تسفيه النضال الفلسطينى / العربى ( ذى المرجعية الإسلامية ) ووضعه فى إطار بربرى وحشى لا إنسانى قائم على فكرة الانتحار وكراهية الحياة وإفراغه من نبل الدفاع المشروع عن الوطن المحتل ، وفى هذا يقول الأكاديمى الاسرائيلى ” عزرائيل كارلباخ ” : ” الخطر يكمن فى تصور المسلمين الاستبدادى للعالم  ، من حبهم للقتل المتأصل فى دمائهم ، من افتقارهم للمنطق ” ،  وتحدثوا بخبث شديد أيضا فى موضوع فضل اليهود على الإسلام و الصلة التاريخية بينهما كوسيلة للتقارب والتعايش ( السلام ) والوجود المشترك وقبول وجود ( التطبيع )  الكيان الصهيونى المقام على الأرض العربية المحتلة وفى هذا يقول المستشرق الاسرائيلى ” شالوم زاوى ” : ” مطلوب إعادة تفسير القرآن ونقده تاريخيا من قبل المسلمين ليعرفوا ما يدينون به لليهودية ولبنى إسرائيل ” ، كما تطرقت دراساتهم لفكرة التشويه ( هدم الآخر ) عموما كإرث قديم ورثوه عن الاستشراق الغربي.

مصدرية الإسلام:

وركزوا هنا على فكرتين جذريتين هادمتين للإسلام ،  أولهما  المصدر البشرى للإسلام وأنه من تأليف سيدنا محمد ( ص ) وليس ديانة سماوية منزلة من عند الله ( سبحانه وتعالى ) ، والثانية المصدر اليهودى للإسلام .. فحاولوا رد كل الشرائع والعقائد الإسلامية لأصول توراتية ويهودية ، ونجد هذا المنهج واضحا عند المستشرقة الإسرائيلية الشهيرة و المعاصرة ” حافا لازروس ” رغم اهتمامها المتخصص بأعمال ” الغزالى ” . ولقد قدم مجموعة من علماءنا جهودا فردية تطوعية – عادة – فى التصدى لمدرسة الاستشراق الاسرائيلى وتفنيد ادعاءاتها ، و على رأسهم     د /  محمد خليفة حسن بأبحاثه المتعمقة عن الاستشراق عموما ومدرسة الاستشراق اليهودى وتطورها بالأخص ، وأيضا د / جلاء إدريس  فى كتابه المهم ” الاستشراق الاسرائيلى ” الذى اعتنى بالرد على بعض ادعاءات المستشرقين الإسرائيليين ، والكتاب الضخم والسباق فى هذا المجال للكاتب و الباحث / إبراهيم عبد الكريم تحت عنوان ” الاستشراق وأبحاث الصراع لدى إسرائيل .

القومية العربية:

وفى المجال غير الدينى (العلوم الإنسانية والاجتماعية والتاريخية ) قدم الاستشراق الاسرائيلى العديد من الدراسات التى تخدم وجهة النظر الصهيونية وتصب فى صالح المشروع الصهيونى ( إسرائيل ) ، وفى واحدة من أولى هذه الدراسات التى تدرس حال العرب تحت عنوان ” الحركة العربية ” ، قال ” يتسحاق بن تسفى ” ( الذى كان ثانى رئيس لدولة إسرائيل ) أن العرب ليسوا أمة واحدة إنما هم خليط غير متجانس من عدة طوائف وقبائل ، وهو بالطبع ما يهدفون من ورائه إلى هدم فكرة القومية العربية ( باعتبارها تاريخ ولغة و دين وعادات مشتركة ) كعدو محتمل فى مواجهة القومية اليهودية ، هذه القومية التى قد توحد العرب فى مقابلهم ، فيتحقق لهم ضرب العدو ( العرب ) عقائديا ( إسلاميا بعد تفريغهم للجهاد من معناه ) ، و سياسيا ( باعتبار القومية فكرة سياسية صمدت فيما بعد فى عهد عبد الناصر فى وجه الصهيونية ).

اللغة العربية:

وتطرق الاستشراق الاسرائيلى لموضوع اللغة العربية  ، فقام بعمل قاموس عبرى / عربى وعمل مسح شامل للهجات الفلسطينية ، وهو الجهد الذى – عسكريا – تم الاستفادة منه من قبل جهاز الأمن الاسرائيلى فى عمل وحدة ” المستعربين ” التى كانت تدخل فى نسيج الشعب الفلسطينى على أنهم عرب وتقوم بعمليات اعتقال واغتيال وإرهاب ، بفضل تمكنهم من اللهجة الفلسطينية واللغة العربية وإتقانهم لها اتقانا لا يفرقهم عن الفلسطينيين أصحاب الأرض ، كما انتبه المستشرق اليهودى الأشهر ” يهوشفاط هركابى ” بأبحاثه عن السكان الفلسطينيين وعاداتهم إلى خطورة المشكلة الديموغرافية ( السكانية ) وتفوق الفلسطينيين العددى على اليهود الصهاينة وسبل مواجهة ذلك ، وهو ما أثر فيما بعد على توجهات الحكومات الإسرائيلية بفتح باب الهجرة على مصرعيه أمام يهود روسيا ( السوفيت سابقا ).

الشخصية العربية:

قام “معهد الدراسات الشرقية فى الجامعة العبرية ” وهو أحد المراكز الاستشراقية فى القدس المحتلة ، بمشروع ضخم لتسجيل الشعر العربى القديم وتفسير معانيه ، بهدف دراسة التطور الذى طرأ على الشخصية العربية ومحاولة التنبؤ بمحددات سلوكها وأنماطها الفكرية المتكررة ، واهتم الاستشراق الاسرائيلى أيضا بترجمة أعمال الروائيين المصريين ودراستها باعتبار مصر بلد المواجهة الرئيسى ضد المشروع الصهيونى.

المركز الأكاديمي فى مصر:

وكذلك نشط المركز الأكاديمى الاسرائيلى فى القاهرة بصفته أحد منابر الاستشراق الاسرائيلى فى عمل مسح شامل للمجتمع المصرى تاريخيا ودينيا واجتماعيا وعرقيا ، وركز على فكرة تفتيت المجتمع المصرى من الداخل فى دراساته بما يضعف الدولة المصرية فى مواجهة إسرائيل ويشغلها بشكل مستمر بأمورها الداخلية .. ، وقدم فى سبيل ذلك دراسة بعنوان ” الأصول العرقية للمجتمع المصرى ” ، وهو نفس التوجه الذى تدعمه الولايات المتحدة ، من حيث تركيزها على مشكلة الأقليات وموضوع أهل النوبة وتضخيمها لفكرة اضطهاد الأقباط طائفيا فى مصر ، وفى مجال الأدب وتحليله للوصول لفهم أعمق للشخصية العربية.

الآثار والفلكلور الفلسطينى:

كما تركزت جهود الاستشراق الاسرائيلى بشكل رئيسى على قطاع الآثار بما يخدم الرواية الصهيونية / التوراتية للتاريخ ، التى تقول بالحق التاريخى لليهود فى فلسطين ، فنشط هذا القطاع لمحاولة استخراج ما يثبت ذلك من باطن الأرض ، متبعين مناهج التلفيق والاختلاق وتبديل الوقائع ، كما نشط الاستشراق الاسرائيلى فى دراسة الفنون الشعبية الفلسطينية ، بغرض انتحال ( سرقة ) الفلكلور الفلسطينى ونسبه للتراث اليهودى ، واهتم الاستشراق الاسرائيلى تاريخيا بفترة الحملات الصليبية على الشرق العربى / الإسلامى ، محاولا معرفة أسباب فشلها ، وبهدف الخروج بنتائج ودروس وعبر ، يقدمها للقيادة السياسية لتتحاشى الوقوع فى نفس الأخطاء ، ويقدم لها على طبق من فضة السبيل الأمثل فى التعامل مع العرب ، وظهر فى هذا المجال المستشرق الاسرائيلى المخضرم « يهوشع براور»  .

مراكز موجهة:

كما – وفى ملاحظة ذات دلالة – نجد أن عددا من مراكز الاستشراق الاسرائيلى ،  حمل أسماء سياسية / وظيفية مرتبطة بمهمة أو وظيفة محددة وموجهة سياسيا، ولم تحمل أسماء علمية أو موضوعية كما كان يستخدم قديما كغطاء فى الاستشراق الغربى ( كأن يسمى الاستشراق الأوربى مثلا كرسى علمى لمادة الأدب العربى أو للتاريخ الإسلامى ) ، فجاءت العديد من المراكز الاستشراقية الإسرائيلية تحمل أسماء على شاكلة : معهد ترومان لدراسات الوفاق والسلام ، معهد مارتن بوبر للتقارب اليهودى – العربى ، مؤسسة أبحاث الشرق الأوسط ، معهد أبحاث الجولان – كتسرين ، مركز الدراسات الاستيطانية – رحبوت ، معهد الدراسات العربية / جفعات حفيفا ، جمعية المشروع العربى – الاسرائيلى للبحوث والعلاقات ، المركز الدولى للسلام فى الشرق الأوسط ، مشروع بنك معلومات الضفة الغربية.

خطورة الاستشراق الاسرائيلى:

والنقطة ذات الدلالة هنا هى غلبة الدور الوظيفى (القائم على الهدف)، على الدور العلمى ( القائم على المنهج ) فى معظم الدراسات الإسرائيلية الاستشراقية ، فغلب على مناهجهم الإسقاط والاجتزاء والقصور وعدم الشمولية وغياب المراجع والمصادر الأصلية وعدم دقة المعلومات وسرعة القفز للنتائج وتصدير الآراء المسبقة والانتقائية وغياب الفهم والرؤية الشاملة للإسلام  ،  وهو ما جعل الاستشراق الاسرائيلى لا يزيد – فى مجمله – عن كونه حركة أو أداة استخباراتية / موجهة  فى يد المشروع السياسى الصهيونى ، و لكن يعود مكمن الخطورة فى الاستشراق الاسرائيلى ، إلى مرجعيته العلمية وموثوقيته لدى الدوائر الأكاديمية فى الغرب ، فهو يقدم نفسه كأنه رسول المدنية الأوربية الحديثة للشرق المتخلف ، ويجعل الغرب يعتمد على كتبه ودراساته كمصادر ومراجع حديثة ومعاصرة لدراسة العالمين العربى والإسلامى.

غياب دور العربي المقابل:

وهو ما يتطلب سرعة إنشاء حركة علمية عربية مقابلة للرد عليه ، وتفنيده دوليا أمام الرأى العام العالمى ..، و تحويل الجهود الفردية التطوعية المبذولة من عدد من علماءنا المتخصصين ، إلى جهود منظمة ومؤسسة تحظى بدعم ورعاية الدولة وأجهزتها ، من حيث توفير المصادر العبرية وتشكيل فريق البحث وإعداده علميا وتوفير التمويل اللازم للنشر والدعاية للأبحاث والدراسات على الصعيد الدولى ..، بهدف التأثير على الرأى العام العالمى وفى داخل محافله العلمية .. الرأى العام العالمى الذى سقط لفترة ليست بالقصيرة من الأجندة الرسمية العربية فى تصديها للمشروع الصهيونى ثقافيا وحضاريا ، ناهيك – كما أسلفنا – عن دور مدرسة الاستشراق الاسرائيلى الخطير و الوظيفى فى تدعيم المشروع الصهيونى ، وتغلل المستشرقون الإسرائيليون داخل الجهاز الإدارى للكيان الصهيونى ( إسرائيل ) ، على كل المستويات السياسية ( الحزبية ) والأكاديمية ( التعليمية ) والدبلوماسية ( الوظائف الحكومية الرفيعة التمثيل ) و الاستخباراتية ( الأجهزة الأمنية ) ، ودورهم فى بناء الصورة النمطية و التقليدية ( المتخلفة والقبيحة والبربرية ) عن الشخصية العربية / الإسلامية .. بصفتهم المتخصصون (بالنسبة للمجتمع الصهيونى والغربي) وأصحاب الرأي والمشورة فى هذا المجال .

-- خاص بالسكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*