الأحد , 11 ديسمبر 2016
الرئيسية » السياسة الشرعية للأقليات المسلمة » مقالات وأخبار » جريمة مترو نيويورك وكراهية المسلمين

جريمة مترو نيويورك وكراهية المسلمين

حاولت مرتكبة جريمة نيويورك أن تبرر فعلتها بأنها بدافع الكراهية للمسلمين، لأنها ظنت أن ذلك دافع مشروع في ظل حملات الدعاية والكراهية ضد المسلمين التي ازدادت حدتها، ولكن أهل نيويورك بدؤوا في تنظيم أنفسهم لمناوأة تلك الحملات

صُدم كثيرون من سكان مدينة نيويورك خلال إجازة أعياد الميلاد ورأس السنة بحادثة قتل مهاجر هندي في مترو الأنفاق، ثم شعروا فوق ذلك بالاشمئزاز حين علموا أن دافع الجريمة كان الكراهية العنصرية للمسلمين.

ففي يوم الخميس27 ديسمبر 2012، قامت (إريكا مننديز)، إحدى سكان منطقة كوينز في مدينة نيويورك، بدفع شخص لا تعرفه هو المهاجر الهندي (سناندو سن)، وهو من سكان المنطقة نفسها، عمره (46) سنة، أمام قطار الأنفاق لدى دخوله المحطة في حي (سَنيسايد)، مما أدى إلى مقتله في الحال.

والحي الذي وقعت فيه الجريمة (سنيسايد) حي صغير نسبيا (35,000 نسمة) من أحياء نيويورك، ولكن يقطن فيه مزيج عجيب من السكان من المهاجرين القدامى والحديثي عهد بالهجرة إلى أميركا، فالأغلبية (نحو 50%) هم من أصول أوروبية وشرق أوسطية، خاصة أيرلندا، وإيطاليا، واليونان، وألبانيا، ورومانيا، بالإضافة إلى اليهود والأتراك والأرمن. ويشكل المهاجرون من آسيا نحو (25%)، من كوريا، والصين، واليابان، والتبت، والهند، وباكستان، وبنجلاديش. ويمثل المهاجرون من أميركا اللاتينية النسبة المتبقية، من كولومبيا، وإكوادور، وجمهورية الدومينيكان، وبورتو ريكو. ويعيش سكان الحي في جو من التسامح والاعتزاز بهذا التنوع الحضاري والعرقي، وتنتشر فيه المحلات والمطاعم والمقاهي والمؤسسات الثقافية التي تعبر عن هذا التنوع. 

ولدى سؤال مرتكبة الجريمة عن دوافعها قالت للمحققين، حسب تقرير صحيفة نيويورك تايمز: “إنني دفعت هذا المسلم أمام القطار لأنني أكره الهندوس والمسلمين منذ عام 2001 حينما دمروا برجي التجارة العالمية”. ونظراً إلى أن مثل هذه الدوافع تُعتبر عناصر مغلظة للجريمة، فإن المحققين وجهوا إليها تهمة الكراهية العنصرية بالإضافة إلى جريمة القتل العمد من الدرجة الثانية. ويُلاحظ أن (سن) هو من الديانة الهندوسية، ولكن بالنسبة لها فإن المسلمين والهندوس شيء واحد.

وما لفت نظري على وجه الخصوص هو “تبريرها” لجريمة القتل، ومدى تأثير وسائل الإعلام والدعاية في نيويورك على فكرها المحدود. فربما دافعها إلى استخدام “العداء للمسلمين” أمام المحققين كمبرر لجريمتها هو اعتقادها بأن مثل هذه الجريمة مقبولة اجتماعياً، نظراً إلى انتشار الدعاية ضد المسلمين في نيويورك. ففي منطق المجرمين، قد تختلط الأمور، فاعتقدت أنها بوضع جريمتها في سياق العداء الثقافي للمسلمين فإن المحققين قد يتفهمون دوافعها، باعتبار كراهية المسلمين أصبحت شيئاً عادياً بعد أحداث 11 سبتمبر 2001.

ونظراَ إلى أنني عشتُ في مدينة نيويورك نحو عقدين من الزمن، فإنني أعرف أن الدعاية المناهضة للعرب والمسلمين ليست شيئاً جديداً. فبعض الصحف الشعبية وبرامج الإذاعة والتلفزيون فيها قد اعتادت على تصويرهم مسؤولين عن شرور الدنيا ومصائبها، قبل أن تعطيهم أحداث 11 سبتمبر 2001 مادة تغذي تلك الدعاية. 

ولكن ما استجد مؤخراً هو حملة الإعلانات الكبيرة ضد المسلمين في محطات مترو الأنفاق والباصات. ففي العام الماضي قامت إحدى المنظمات المتطرفة، وتُسمّى بـ(مبادرة باميلا غلر للدفاع عن الحرية الأميركية)، باستئجار مساحات إعلانية في نحو أربعين محطة من محطات مترو الأنفاق في مدينة نيويورك، ووضعت فيها ملصقات إعلانية ضخمة تهدف إلى تشويه صورة المسلمين ووَصمهم بأنهم (برابرة) يسعون لتدمير أميركا.

وفي هذا العام، قامت المنظمة نفسها بوضع ملصقات، أكثر خُبثاً وخطورة، في تلك المساحات الإعلانية، تتضمن صوراً لبرجي مركز التجارة الدولي وقت الهجوم عليهما في 11 سبتمبر 2001، ومرفقة بترجمة محرفة قصداً لآيات من القرآن الكريم، تقصد فيها إلى تصوير المسلمين على أنهم إرهابيون يسعون لتدمير العالَم غير المسلم.

وردة فعل غالبية أهل نيويورك على هذه الإعلانات هي الاشمئزاز والترفع عن مثل هذا الإسفاف، أو اللامبالاة، وهناك أقلية تتبناها وتوافق عليها، ولكنهم يترددون في المجاهرة بذلك، لأن ذلك غير مقبول اجتماعياً. ولكن العقول المريضة والإجرامية تجد عوناً لها في هذه الإعلانات ودافعاً لارتكاب أفعال أكثر شناعة، كما رأينا في حالة (إيريكا مننديز) التي اعترفت باعتداءاتها المتكررة ضد المسلمين لسنين طويلة، منذ سبتمبر 2001. وكان قتل (سناندو سن) آخر جرائمها وأخطرها. 

وأعرف كذلك من حياتي في نيويورك، وهي عاصمة الدعاية والإعلام في العالم، أن أهلها هم في الغالب متسامحون وأذكياء، لا تؤثر فيهم مثل هذه الدعايات الفجة ضد العرب والمسلمين، خاصة دعايات مترو الأنفاق التي أشرتُ إليها، ويعتبرونها نابعة من الجهل أو مدفوعة بدوافع سياسية لأغراض غير شريفة.

وقد بلغ الأمر إلى أن دفع بعض سكان نيويورك إلى اتخاذ خطوات عملية لمكافحة هذه الدعايات. ففي العام الماضي، قامت مجموعات أهلية ودينية بتصميم إعلانات مضادة ووزعتها على محطات القطار، وتؤكد هذه الإعلانات على الطبيعة المحبة للسلام في الدين الإسلامي وبين المسلمين.

وفي هذا العام، قامت حملة جديدة لرفع مستوى الوعي والاهتمام في نيويورك لمكافحة حملة الإعلانات المعادية للمسلمين والتي انتشرت في محطات المواصلات العامة في نيويورك وبعض المدن الأميركية الأخرى.

وتُعرف الحملة الجديدة بحملة (الرد على الكراهية)، وتسعى إلى نشر إعلانات توضيحية عن الإسلام والمسلمين لمواجهة حملات الكراهية والعداء لهم. ويقود هذه الحملة (أكيفا فريدلين)، الذي يقوم بتصميم الإعلانات ونشر الوعي من خلال وسائل التواصل الاجتماعي (فيسبوك، تويتر وغيرهما)، ويأمل أن يتمكن قريباً من نشر تلك الإعلانات في محطات القطار ووسائل المواصلات المختلفة، في نيويورك أولاً ثم في المدن الأُخرى.

-- عبدالعزيز حمد العويشق

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*