الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » السياسة الشرعية للأقليات المسلمة » مقالات وأخبار » المؤتمر الدولي لتطوير الدراسات القرآنية.. الواقعة الثقافية

المؤتمر الدولي لتطوير الدراسات القرآنية.. الواقعة الثقافية

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على نبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: 

في عام 1990 ميلادية تقريباً، زرت معرض المملكة بين الأمس واليوم المقام في مدينة واشنطن دي سي عاصمة الولايات المتحدة الأمريكية، 

وكان بصحبتي مجموعة من المهندسين من دول مختلفة، كان المعرض يحكي عن الإنجازات العمرانية في المملكة العربية السعودية في مختلف المجالات، وكان من بين صالات العرض صالة تعرض نسخاً متنوعة من القرآن الكريم خلف واجهات زجاجية. 

أثناء جولتنا في تلك الصالة، كنت أسرع الخطى ظناً مني أن ليس هناك ما قد يثير اهتمام مجموعة من المهندسين الذين لا يعرفون القرآن أو اللغة العربية، ولكني لاحظت أن أحد المهندسين، وكان مسيحياً من دولة الأرجنتين، قد وقف في ذهول أمام إحدى الواجهات الزجاجية وهو يقرأ ترجمة باللغة الإنجليزية لصفحة من صفحات القرآن الكريم، كانت هيئته وسحنة وجهه قد تبدلت تماماً وهو يقرأ تلك الصفحة، وركض نحوي وهو يسأل: ما هذا الكتاب المعروض ومن هو مؤلفه؟! 

أجبته أن هذا هو القرآن الكريم، أنزله الله عز وجل على نبيه ورسوله محمد، ثم سألته عن سر ذهوله وتغير حالته، فأخبرني أنه منذ أن بدأ يعي الحياة ويبدأ رحلته في عالم الثقافة الواسع، وهو يبحث عن إجابات لأسئلة استعصت على فهمه، وقد وجد أغلب الإجابات على أسئلته في تلك الصفحة المترجمة من القرآن الكريم. 

كانت تلك القصة بالنسبة لي فيما بعد واقعة ثقافية نادرة، استنبطت منها أن سلاحنا الثقافي والمعرفي في حوار الثقافات بين الأمم المختلفة هو القرآن الكريم. 

أسرد تلك الواقعة بين يدي القارىء الكريم بكل دلالاتها المتنوعة كمقدمة للحديث عن واقعة ثقافية قرآنية عشت بين جنباتها في مدينة الرياض في الأيام القليلة الماضية، وهي واقعة (المؤتمر الدولي لتطوير الدراسات القرآنية) الذي ينظمه كرسي الدراسات القرآنية وعلومه في جامعة الملك سعود بالتعاون مع مركز تفسير للدراسات القرآنية في مدينة الرياض، وقبل أن يدهش القارىء ويتساءل ما علاقة ذلك المؤتمر بالثقافة والوقائع الثقافية، أود سرد الحقائق الثقافية التالية عن المؤتمر: 

أولاً – يهدف هذا المؤتمر إلى تطوير الدراسات القرآنية، وعملية التطوير كما هو معروف تحتاج إلى الإدراك التام الشامل للواقع الحالي للدراسات القرآنية المراد تطويره وإدراك للواقع المراد الوصول إليه، وهذا هو مفهوم الثقافة من حيث إنها الإدراك التام الشامل للواقع. 

ثانياً – المؤتمر يجمع الباحثين من مختلف أنحاء العالم والمهتمين بالقرآن الكريم وبحوثه ودراساته، حيث يشارك فيه أكثر من 140 باحثاً وباحثة قدموا من أكثر من 20 دولة إسلامية وغيرها ويشاركهم بعض الباحثين من المهتمين بالقرآن الكريم ودراساته من غير المسلمين، وقد تنوعت تخصصات المشاركين واهتماماتهم إلى حد كبير، وهذه سمة ثقافية فريدة للمؤتمر. 

ثالثاً – الأوراق العلمية التي طرحت في المؤتمر، وإن كانت تُعنى بتطوير الدراسات القرآنية بشكل عام إلا أنها تناولت مواضيع إدارية وعلمية وتقنية ذات طابع ثقافي متنوع، كما أن الدورات المصاحبة للمؤتمر كانت ذات سمات ثقافية تخص اللغة ونظرياتها الحديثة مثل اللسانيات وما يتعلق بتوظيفها في تفسير القرآن، وما استجد في علم الأصوات، وعلم الحوسبة. 

رابعاً – جمع المؤتمر بين أساتذة يُمثلون مدرسة التفسير التقليدية في الشرق التي تقوم بشكل عام على تبني ما ورد في التراث العربي حسب ثوابت علمية محددة ومدرسة التفسير في بلاد المغرب العربي التي تحاول الاستفادة من العلوم والنظريات الحديثة التي ظهرت في الغرب، وهذا التلاقح في الاستفادة مما في المدرستين من ميزات يصنع سمة ثقافية جديدة في تناول التفسير والمواضيع القرآنية. 

لهذه الأسباب الأربعة التي ذكرت، أعتقد أن انفتاح المؤتمر على الخبرات والنظريات الإدارية والمالية والعلمية والتقنية الحديثة نحو تطوير الدراسات القرآنية، أعطى هذا المؤتمر سمات ثقافية عامة، وهذا ما جعلني أقول إن الرياض عاشت واقعة ثقافية جديدة كان يجب أن تمتد إلى أبعادها الثقافية بمشاركة أرباب الثقافة والفكر والمهتمين بالثقافة لدينا، لاستغلال هذه الفرصة في انطلاق حركة ثقافية قرآنية طموحة ضمن ضوابط علمية دقيقة، ليقود القرآن الكريم الموجة الثقافية الجديدة التي أرى بداياتها الجادة القوية تتعاظم شيئاً فشيئاً نحو تقديم كتاب الله العزيز الحكيم للبشرية في أنحاء الأرض كافة، وفي هذا الإطار يجب تقييم منجزات مثل هذه المؤتمرات ضمن الإجابة على تساؤلين: 

التساؤل الأول: كيف يُمكن للدراسات القرآنية أن تضع الأمة الإسلامية، أمة القرآن الكريم، في مركز الصدارة العلمية الإنسانية في زمن ثورة علمية عارمة؟ 

التساؤل الثاني: كيف يُمكن أن تخدم الدراسات القرآنية القضايا الإنسانية المعاصرة المختلفة في عصر التناقضات والصراعات التي تكاد أن تقضي على الناس جميعاً؟ 

خلاصة الأمر، أن هذا المؤتمر قد تضمن رؤى فكرية جديدة تُعتبر بحق علامة ثقافية جديدة تستحق من المتابعين والمهتمين إعادة النظر في فهمنا للدور الذي يُمكن أن تقوم به الدراسات القرآنية وهو دور ثقافي بكل امتياز. 

وفي الختام، أُوجه الشكر إلى جامعة الملك سعود على دعم ذلك المؤتمر الكريم ولجميع من قام وشارك في تنظيم ذلك المؤتمر الذي أعتبره خطوة ثقافية كبيرة نحو تطوير الدراسات القرآنية. 

أجل، كان المؤتمر واقعة ثقافية قرآنية حقيقية، كان لها ما قبلها وسيكون لها ما بعدها – إن شاء الله -. 

————————–
نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- عبدالرحمن بن عبدالله النور

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*