الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » السياسة الشرعية للأقليات المسلمة » مقالات وأخبار » الإسلام في البلقان ورؤية غربية

الإسلام في البلقان ورؤية غربية

تعتبر شبه جزيرة البلقان من أهم المناطق الإسلامية في القارة الأوروبية.ومن أهم معابر ومنابر الدعوة الإسلامية في هذا الجزء من العالم,وقد خضعت البلقان للحكم الإسلامي منذ عام 797 ه – 1394م.بينما عرفت الإسلام منذ بدايات القرن الهجري الأول.وقد حافظ المسلمون في دول البلقان على هويتهم العقائدية رغم المعاناة التي لاحقتهم من خصوم الإسلام والمسلمين .

البلقان هو الفاصل بين المسيحية الكاثوليكية والأرثوذكسية,في ذات الوقت الذي يمثّل فيه البلقان فاصلاً بين أوروبا والإسلام.فمن وجهة النظر الأوروبية يشكّل البلقان جسمًا غريبًا عن أوروبا المسيحية,وهو المنطقة الفاصلة التي لا بد من عزلها,لأنها الجسم الغريب عن أوروبا.والتي تعتبره جرثومة ربما تنقل إليها عدوى الأسلمة,لذلك كانت نظرتهم إلى شعوبه المسلمة.

يمثّل مسلمو البلقان خليطًا مجتمعيًا متنوعًا سياسيًا و عرقياً ولغويًا وثقافيًا,بل وحتى دينيًا-مذهبياً-.وهم في الغالب سكان المنطقة الأصليون اعتنقوا الإسلام على امتداد قرون طويلة.

هذا ولم يحظ مسلمو البلقان إلا بقليل من الاهتمام في سياق الأبحاث عن الإسلام، ويرجع ذلك جزئيا إلى أنهم قد اعتنقوا الإسلام بعد أن أنشئت المؤسسات الإسلامية الرئيسية. 

ومما دعم هذا الإهمال أن جميع الدول القومية البلقانية في القرن العشرين،من الممالك الهشة التي وجدت في بدايات القرن، إلى الدول الاشتراكية/الشيوعية التي نشأت في الخمسين سنة التالية، قد ازدرت ماضيها العثماني.

وفيما عدا البوسنة،عاملت كل هذه الدول الإسلام كخطأ ارتكب في الأزمان الغابرة، كما عاملت المسلمين كما لو كانوا يعانون من وجود إشكالية في بنيتهم الأيديولوجية القومية. وسعت هذه الدول إلى الابتعاد عن ماضيها العثماني في سياق طموحها للتحول إلى جزء لا يتجزأ من أوروبا.

ومما ساعد على دعم تلك النظرة الغربية العنصرية لمسلمي البلقان,أن الوثائق الخاصة مسلمي شعوب البلقان منيت بخسائر فادحة بسبب الدمار الذي لحق بالآثار والأرشيفات الإسلامية في الحروب التي نشبت في البوسنة وكوسوفا في تسعينات القرن العشرين.

ومن هذه الخسائر الجسيمة الدمار الذي أصاب معهد الدراسات الشرقية في سراييفو، الذي كان يمتلك مجموعة شهيرة من وثائق وسجلات مسلمي البوسنة، وقد كان هذا المعهد هدفاً لهجوم مباشر دمره تدميرا، كما دمرت العديد من المساجد الكبرى مثل مسجد “بانيا لوكا” و”فوتشا”، والمدارس الدينية، والجسر العثماني الشهير في موستار،ومقابر المسلمين. وفي عام ١٩٩٩ م نقلت سجلات بلدية كوسوفا إلى مكان آخر، ودمر مسجد ثالث من مساجدها.

أيضاً فإن انتماء الكثير من المسلمين إلى أقليات عرقية جعل لهم هويات مزدوجة،فمسلمو البلقان يتوزعون إلى عرقيتين كبيرتين، هما: الإليرية (الألبان)،والسّلافيّون الذين يضمون البوشناق, والتُّربشيين, والغورانيّين،ومسلمي بلغاريا البوماك.هذا ويتحدث مسلمو البلقان عشر لغات مختلفة أوسعها استعمالاً الألبانية والبوسنية والتركية ولغة الغجر والبلغارية.

و يتبع مسلمو البلقان المذهب الحنفي في الغالب,كما يوجد حوالي 20%من البكتاشيين في ألبانيا وبعضهم في مقدونيا,إلى جانب وجود أقلية علوية في بلغاريا,وينتمي جُلّ مسلمي البلقان إلى الحضارة والثقافة العثمانية.

تشير الحقائق التاريخية أن وصول الإسلام إلى جنوب شرق أوروبا كان في القرن الثامن الميلادي على خلفية حصار مدينة تساري جراد وتمكّنت بعض سرايا الجيش الإسلامي من بلوغ الجزر اليونانية وأدرنة.

أما مسلمو البلقان الحاليون فيعود وجودهم إلى زمن الفتح العثماني عندما اعتنق عدد كبير منهم الإسلام, ثم ما لبثوا أن تحولوا بعد الانسحاب العثماني من المنطقة إلى أقليات مبعثرة بين دول عدة وباتوا أقليات مهمشة ومضطهدة,باستثناء مسلمي ألبانيا وكوسوفو والسنجق والبوسنة الذين حافظوا على وحدتهم ودينهم رغم ما تعرضوا له بدورهم من عمليات تصفية عرقية,وقد أحصى بعض المؤرخين عشر مجازر كبرى تعرض لها مسلمو البلقان منذ الانسحاب العثماني.

مع خسارة العثمانيين أراضي المجر وأجزاء من كرواتيا بعد 150 عامًا من الوصول إليها وحكمها,تعرض المسلمون إلى عمليات تنصير شاملة وقُتِل منهم عدد كبير من الذين حاولوا الصمود أو رُحّلوا أو غادروا بمحض إرادتهم.

أضف إلى ما سبق,استقلال عدد من دول البلقان التي سعت إلى بناء الدولة العرقية الخالصة,وكان ذلك على إثر حرب البلقان الأولى عام 1912, وعرفت تلك الفترة تصفية حسابات واسعة وقاسية مع مسلمي البلقان بصفتهم خونة وعملاء تعاملوا مع المستعمر العثماني ضد أبناء جلدتهم من الأرثوذكس,فعرف المسلمون في البلقان عمليات هجرة جماعية نحو تركيا أساسًا والبلدان العربية والإسلامية الأخرى.

ثم كانت الضربة التي قصمت ظهر البعير التي مني بها مسلمي البلقان مع وصول الشيوعيين إلى السلطة في كل دول البلقان باستثناء اليونان, فخضع المسلمين حينها إلى عمليات طرد وملاحقة باعتبارهم أصحاب ديانة مختلفة وأقليات غير مرغوب فيها,وقد عرف مسلمو ألبانيا نوعًا آخر من الملاحقة,بصفتهم أغلبية في بلدهم, فعمدت السلطات الشيوعية إلى إخضاعهم إلى عمليات مُمنهجة حاولت من خلالها القضاء على كل ما له علاقة بالدين لديهم,وقد عرفت تلك الفترة هجرة مئات آلاف المسلمين أغلبهم من مقدونيا.

أما الفترة الأكثر مأساوية في تاريخ مسلمي البلقان تعود إلى تسعينيات القرن الماضي؛ ففي تلك الفترة لاحقت السلطات البلغارية المسلمين من الأتراك وأجبرتهم على ما سُمي حينها ببلغرتهم وكان ذلك في سنوات حكم تودور جيفكوف الأخيرة,وتلا ذلك عمليات التطهير العرقي الأشرس الذي عرفته أوروبا في البوسنة والملاحقات في السنجق والحرب المفتوحة على مسلمي كوسوفو ومقدونيا,وأسفرت هذه الحملة الحاقدة على المسلمين في البلقان إلى قتل حوالي 250 ألفًا منهم وتهجير مئات الآلاف إلى أميركا وأستراليا وأوروبا الغربية فتغيرت مرّة أخرى خارطتهم العرقية في البلقان.

هذا و لا توجد إحصاءات رسمية دقيقة حول عدد المسلمين في البلقان,لكن أكثر ما ورد حدد أعدادهم ما بين 8,5 إلى 11 مليون نسمة,أو ما يعادل 11-15% من مجموع سكان المنطقة البالغ 77 مليون نسمة.

يشكّل مسلمو ألبانيا وكوسوفو أغلبية مطلقة في بلديهما,في حين تبلغ نسبة مسلمي البوسنة أغلبية نسبية مقارنة بأعداد الصرب والكروات الذين يقاسمونهم نفس الأرض,والمسلمون أغلبية أيضًا في إقليم السنجق الذي لا يتمتع باستقلال ذاتي،وقد أصبح مسلمو السنجق يتوزعون على دولتين، هما: صربيا والجبل الأسود, ويبلغ المسلمون في مقدونيا حوالي نصف مجموع السكان, وفي بلغاريا حوالي 15%, أما في رومانيا واليونان وكرواتيا وسلوفينيا والمجر فيشكّل المسلمون أقليات لا ثقل لها.

لم يكن يُعرف تحديدًا عددُ المسلمين في يوغسلافيا قبل انهيار نظامها الشيوعي الملحد,لكن هناك بعض التقديرات التي تشير إلى أن عددهم قد يبلغ أربعة ملايين أو أكثر قليلاً في بلد يصل عدد سكانه إلى حوالي 22,5 مليون نسمة بحسب إحصاء 1981م,ومع قولنا ذلك فإنّ عدد المسلمين الممارسين لعقيدتهم بين هؤلاء لا يمكن تحديده على وجه الدقة.

وتعد أكبر الجماعات المسلمة في البوسنة والهرسك,ومسلموها سلافيو الأصل في أغلبهم,اعتنقوا الإسلام على امتداد القرون الماضية,إلى جانب وجود أعداد من أصول تركية وعربية وغيرها,ويبلغ عدد مسلمي البوسنة حوالي 2مليون نسمة من مجموع أربعة ملايين ونصف.

تليها تلك التي توجد في كوسوفو ويبلغ عددها الإجمالي حوالي 1,2 مليون نسمة, أما المجموعة الثالثة فتتواجد في مقدونيا وتتوزع بين مسلمين مقدونيين يُجهل عددهم على وجه الدقة, مع وجود تقديرات ترجح أن عددهم يبلغ حوالي 100 ألف نسمة,يُضاف إليهم نصف مليون نسمة من الألبان و100 ألف من المسلمين الأتراك,ويُضاف إلى هذه المجموعات الكبرى أعداد أخرى من المسلمين يتوزعون في الجبل الأسود ويُقدَّر عددهم بعدة عشرات من الآلاف,وحوالي مائة ألف مسلم آخرين من أصول غجرية وأصول أخرى تنتمي إلى كل الأعراق المشار إليها أعلاه وتتوزع على مختلف المناطق والمدن والقرى اليوغسلافية.

إذا كان عقد التسعينيات قد مثّل لمجمل شعوب أوروبا الوسطى والبلقان عقد استعادة الحريات المغتصبة من قبل الحكومات التسلطية الشيوعية, فإن تلك الحقبة كانت بالنسبة لمسلمي البلقان إحدى الحقب المحزنة,بل و الأكثر سوءاً وإيلامًا وخطورة في تاريخهم منذ فترة ما بعد سقوط الخلافة العثمانية.

إخوتي أخواتي نكتفي بهذا القدر في حلقة اليوم مع وعد بمواصلة المسير في الحلقة القادمة إن شاء الله مع التحديات والمصاعب التي تواجه مسلمي البلقان فإلى اللقاء.

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*