الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » السياسة الشرعية للأقليات المسلمة » مقالات وأخبار » المسلمون في تشيلي.. مخاوف الذوبان والضياع

المسلمون في تشيلي.. مخاوف الذوبان والضياع

مقلقة جدا هي أوضاع الأقلية المسلمة الصغيرة التي تعيش في تشيلي، هذا البلد البعيد الذي يقع في أقصى غرب قارة أمريكا الجنوبية، ذلك أن تلك الجالية المسلمة التي لا تزيد عن أربعة آلاف مسلم في بلد يصل سكانه الي 17 مليون نسمة، لا يعرف الكثير منهم أبسط قواعد الإسلام ولا شعائره، ومنهم من لا يعلم كيفية أداء الصلاة، وتطلق تلك الأقلية الصغيرة نداء الاستغاثة للعالم الإسلامي، لإنقاذها من الضياع والذوبان في هذا البلد البعيد المتعطش لنداء الدعوة الإسلامية، الذي مازال خافتا ليس في تشيلي وحدها ولكن في أمريكا الجنوبية كاملة.

دخول الإسلام

للإسلام قصة طويلة مع بلدان قارة أمريكا الجنوبية، بدأت مع اكتشاف الأسبان لتلك القارة في القرن الخامس عشر، أو ربما قبلها، فوفقا لكثير من المصادر التاريخية، سبق العرب المسلمون الأسبان إلى أرض أمريكا الجنوبية ومنها تشيلي، لكن المؤكد أن الموريسكيين، وهم من أجبروا على اعتناق المسيحية بعد سقوط الأندلس، قد صاحبوا رحلات اكتشاف العالم الجديد، وبحسب المؤرخ أوربليو دياز ميزا، فإن قصة الإسلام بدأت على أرض تشيلي، حينما قدم المستكشف (دييغو دي ألماغرو) وهو من الموريسكيين، وهم مسلمون أرغموا على اعتناق الكاثوليكية بعد غياب الحضارة الإسلامية عن الأندلس، وأغفل الاستعمار الإسباني وجود المسلمين وتأثيرهم في بناء الحضارة التشيلية، لكن الوجود الإسلامي سرعان ما تلاشى من هذا البلد، الذي يمثل شريطا ساحليا ضيقا على الساحل الغربي للمحيط الهادي، لكن بقيت آثار وتأثير الحضارة الإسلامية في الأندلس والمغرب، على الحضارة والبناء والثقافة في تشيلي.

عودة الإسلام

عاد الإسلام مجدد إلى أرض تشيلي، مع الرحلات العربية الشهيرة لبلاد الأمريكتين في منتصف القرن التاسع عشر، وقد بدأت الموجة الرئيسة لوصول المسلمين إلى شيلي عام (1856)، بوصول المهاجرين العرب من سوريا ولبنان وفلسطين، والذين أسسوا (اتحاد المجتمع المسلم).

لكن المهاجرين العرب إلى تشيلي كان أغلبهم من المسيحيين، وقد انعكس ذلك على قلة أعداد المسلمين هناك، فالعرب في تشيلي يصل عددهم إلى 150 ألفا، ليس بينهم سوى ما يقرب من أربعة آلاف مسلم .

المساجد والمراكز الإسلامية

تأسست في العاصمة سانتياجو أول مؤسسة إسلامية في تشيلي، وهي جمعية الوحدة الإسلامية، عام 1926، كما تم تأسيس الجمعية الخيرية الإسلامية للتبرعات والمعونات عام 1927، غير إن دور وتأثير تلك المؤسسات ضعف حاليا وتلاشى تماما، بسبب ضعف إمكانات الأقلية المسلمة في شيلي على كل المستويات.

وعدد المساجد حاليا لا يتخطى خمسة مساجد، منها مسجدان في العاصمة ومصليان آخران تلبية لحاجة المسلمين.

مسجد الإسلام

ففي عام (1988) بني مسجد (سانتياغو العاصمة)، من قبل الشيخ (توفيق رومية)، الذي قاد الجالية الإسلامية لأكثر من ستين سنة، انتهى بناء المسجد عام (1989)، وافتتح من قبل سلطان ماليزيا عام (1996)، وأطلق عليه اسم مسجد الإسلام، وكان تدشينه إيذانا ببدء مرحلة جديدة في حياة المسلمين في تشيلي؛ حيث اعتنق الكثير من سكان تشيلي الأصليين الإسلام.

و في عام (1997)، اشترى التجار الباكستانيون أرضاً لبناء مسجد ومدرسة بلال في مدينة إكيكي، والذين تم بناؤهما عام (1999).

معهد العلوم الإسلامية

في عام 1998م أسس معهد العلوم الإسلامية بمدينة سانتياغو، وبجهد ذاتي من بعض المسلمين المقيمين هناك. ومن أبرز أنشطة هذا المعهد تدريس القرآن الكريم وتحفيظه، تدريس اللغة العربية للصغار والكبار، إعطاء دروس لتعليم المسلمين أمور دينهم، إضافة إلى توفير المطبوعات الإسلامية باللغة الأسبانية، كما يصدر المركز دورية شهرية تعنى بمعالجة القضايا المستجدة التي تهم الجالية.

كما يقوم المركز بمعظم النشاط الدعوي في تشيلي، وخصوصًا في العاصمة، رغم حداثة عمره، مستفيدًا من الوعي الإسلامي المتزايد بين الشباب من المهاجرين أو أبناء الجالية..

في المقابل يوجد مركز إسلامي شيعي، تقوم إيران بدعمه وتمويله، ومركز آخر يتبع إحدى الطرق الصوفية.

كما أعطى ملك المغرب محمد السادس في عام 2004، أثناء زيارته لتشيلي أمرا ببناء مركز ثقافي ومسجد في تشيلي على نفقته الخاصة، وبالفعل تم تأسيس مركز محمد السادس الثقافي في مدينة كوكيمبو.

مشكلات المسلمين

تعاني الأقلية المسلمة من الذوبان شبه الكامل في المجتمع التشيلي، وأحوالهم الاقتصادية متوسطة إذا ما قورنوا بالأقليات الأخرى، خاصة اليهودية، التي تسيطر على معظم المؤسسات البنكية وقطاع المحاماة والإعلام، وتعمد إلى تشويه الإسلام والمسلمين.

وفي ظل قلة المساجد، تواجه الجالية المسلمة في تشيلي تحديات خطر الذوبان في المجتمع، كما تعاني من الجهل الشديد بقواعد الدين الحنيف وشعائره، وعدم الالتزام بتعاليم الإسلام، سواء في العبادات أو المعاملات وضعف الوازع الديني، حيث تطالعنا بعض الصحف الصادرة لديهم بأسماء لأشخاص يجمعون بين الإسلام والنصرانية، فمثلا نجد (جون عبد الله- ومايكل محمد… وهكذا) وإن دل ذلك على شيء، فإنه يدل على الهوة السحيقة بين أبناء الجيل الجديد وآبائهم، ممن كانوا على دين الإسلام.

والعمل الدعوي في شيلي يعاني من عدة مشاكل، أهمها الوضع المالي السيئ، وكذلك عدم توفر بعثات تعليمية لأبناء الجالية المسلمين، وخصوصا في التخصصات الشرعية.

وتعاني الأقلية المسلمة أيضا من الضعف الشديد، في التواصل بين المسلمين من جهة والعالم الإسلامي والمؤسسات والجامعات الإسلامية من جهة أخرى، إضافة إلى قلة الدعاة المجيدين للغة الإسبانية السائدة في تشيلي، وضعف الاهتمام بتعلم اللغة العربية.

مطالب

لا تحتاج الدعوة الإسلامية إلى بذل المزيد من الجهد والوقت والمال، ومن قبلهم الإخلاص، في تشيلي فقط بل في قارة أمريكا اللاتينية، تلك القارة البكر، التي تتلهف إلى معرفة صحيح الإسلام وسماحته، في ظل الحرب الإعلامية العالمية الشعواء على الدين الحنيف.

والعالم العربي والإسلامي، مطالبان بمزيد من الاهتمام بدول أمريكا الجنوبية وتوثيق العلاقات مع تلك البلدان، التي لا تحمل تاريخا عدائيا للعرب أو المسلمين، وتعيش فيها أقلية عربية وإسلامية، بحاجة إلى بذل المزيد من الجهد لدعمها ومساندتها.

والعمل الدعوي في تشيلي يحتاج إلى توثيق العلاقات بالأقلية المسلمة هناك، وبناء المزيد من المساجد والمراكز الإسلامية، وتقديم الدعم المالي والمعنوي للأقلية المسلمة هناك، إضافة إلى إرسال الدعاة لنشر صحيح الدين، وتعليم أبناء المسلمين قواعد دينهم السليمة، وانتشالهم من الجهل والأمية الدينية، التي تكاد تعصف بوجودهم وهويتهم الإسلامية.

****************

رسالة الإسلام 

-- ثروت البطاوي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*