الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » السياسة الشرعية للأقليات المسلمة » مقالات وأخبار » المستشفيات في التاريخ الإسلامي

المستشفيات في التاريخ الإسلامي

كما رأينا فإن إسهامات المسلمين في مجال الطب لا تُحصى.. ولعل من أجَلِّ هذه الإسهامات وأعظمها غير ما سبق أن المسلمين هم أول من أسسوا المستشفيات في العالم، بل إنهم سبقوا غيرهم في ذلك الأمر بأكثر من تسعة قرون!!

فقد أُسِّس أول مستشفى إسلامي في عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك، الذي حكم من سنة 86هـ إلى سنة 96هـ، وكان هذا المستشفى متخصصًا في الجذام ، وأنشئت بعد ذلك المستشفيات العديدة في العالم الإسلامي، وبلغ بعضها شأوًا عظيمًا، حتى كانت هذه المستشفيات تُعدّ قلاعًا للعلم والطب، وتُعتبر من أوائل الكليات والجامعات في العالم.. بينما أُنشِئ أول مستشفى أوربي في باريس بعد ذلك بأكثر من تسعة قرون!!

وكانت المستشفيات تُعرف بـ(البيمارِسْتانات)، وكان منها الثابت ومنها المتنقّل؛ فالثابت هو الذي يُنشَأ في المدن، وقلَّما تجد مدينة إسلامية -ولو صغيرة- بغير مستشفى، أما المستشفى المتنقل فهو الذي يجوب القرى البعيدة والصحارى والجبال..!!

وكانت المستشفيات المتنقّلة تُحمَل على مجموعة كبيرة من الجِمال (وصلت في بعض الأحيان إلى أربعين جملاً!! وذلك في عهد السلطان محمود السلجوقي، الذي حكم من سنة 511هـ إلى سنة 525هـ)، وكانت هذه القوافل مُزوَّدة بالآلات العلاجية والأدوية، ويرافقها عدد من الأطباء، وكان بمقدورها الوصول إلى كل رقعة في الأمة الإسلامية .

وقد وصلت المستشفيات الثابتة في المدن الكبرى إلى درجة راقية جدًّا في المستوى، وكان من أشهرها المستشفى العضُدي ببغداد الذي أنشئ في سنة 371هـ، والمستشفى النوري بدمشق الذي أنشئ في سنة 549هـ، والمستشفى المنصوري الكبير بالقاهرة الذي أُنشئ سنة 683هـ، وكان بقرطبة وحدها أكثر من خمسين مستشفى !!

وكانت هذه المستشفيات العملاقة تُقسّم إلى أقسام بحسب التخصص؛ فهناك أقسام للأمراض الباطنة، وأقسام للجراحة، وأقسام للأمراض الجلدية، وأقسام لأمراض العيون، وأقسام للأمراض النفسية، وأقسام للعظام والكسور وغيرها.

ولم تكن تلك المستشفيات مجرد دور علاج، بل كانت كلّيات طب حقيقية على أرقى مستوى؛ فكان الطبيب المتخصص (الأستاذ) يمرُّ على الحالات في الصباح، ومعه الأطباء الذين هم في أولى مراحلهم الطبية، فيعلّمهم، ويدوّن ملاحظاته، ويصف العلاج، وهم يراقبون ويتعلمون، ثم ينتقل الأستاذ بعد ذلك إلى قاعة كبيرة ويجلس حوله الطلاب فيقرأ عليهم الكتب الطبية، ويشرح ويوضّح، ويجيب عن أسئلتهم.. بل إنه يعقد لهم امتحانًا في نهاية كل برنامج تعليمي معين ينتهون من دراسته، ومن ثَمَّ يعطيهم إجازة في الفرع الذي تخصصوا فيه.

وكانت المستشفيات الإسلامية تضم في داخلها مكتبات ضخمة تحوي عددًا هائلاً من الكتب المتخصصة في الطب والصيدلة وعلم التشريح ووظائف الأعضاء.. إلى جانب علوم الفقه المتعلقة بالطب، وغير ذلك من علوم تهمّ الطبيب.

ومما يذكر على سبيل المثال -لنعرف ضخامة هذه المكتبات- أن مكتبة مستشفى ابن طولون بالقاهرة كانت تضم بين جنباتها أكثر من مائة ألف كتاب!!

وكانت تُزرَع -إلى جوار المستشفيات- المزارع الضخمة التي تنمو فيها الأعشاب الطبية والنباتات العلاجية؛ وذلك لإمداد المستشفى بما يحتاجه من الأدوية.

أما الإجراءات التي كانت تُتخذ في المستشفيات لتجنُّب العدوى فكانت من نوع خاص فريد؛ فكان المريض إذا دخل المستشفى يُسلِّم ملابسه التي دخل بها، ثم يُعطَى ملابس جديدة مجانية لمنع انتقال العدوى عن طريق ملابسه التي كان يرتديها حين مرض، ثم يدخل كل مريض في عنبر مختص بمرضه، ولا يُسمح له بدخول العنابر الأخرى لمنع انتقال العدوى أيضًا، وينام كل مريض على سرير خاص به، وعليه ملاءات جديدة وأدوات خاصة!!

قارنْ كل ذلك بالمستشفى الذي أُنشئ في باريس بعد هذه المستشفيات الإسلامية بقرون، حيث كان المرضى يُجبرون على الإقامة في عنبر واحد، وذلك بصرف النظر عن نوعية أمراضهم، بل ويُضطرون لنوم ثلاثة أو أربعة، وأحيانًا خمسة من المرضى على سريرٍ واحد!! فتجد مريض الجدري إلى جوار حالات الكسور إلى جوار السيدة التي تلد!! كما كان الأطباء والممرضون لا يستطيعون دخول العنابر إلا بوضع كمّامات على الأنف من الرائحة شديدة العفونة في داخل هذه العنابر! بل كان الموتى لا يُنقلون إلى خارج العنابر إلا بعد مرور أربعٍ وعشرين ساعةً على الأقل من الوفاة!! ولك أن تتخيل مدى خطورة هذا الأمر على بقية المرضى !!

وإذا أردنا أن نستعرض بعضًا من المستشفيات الرائدة في التاريخ الإسلامي، فكان من أعظمها: المستشفى العضُدي، الذي أنشأه عضد الدولة ابن بويه عام 371هـ في بغداد، وكان يقوم بالعلاج فيه عند إنشائه أربعة وعشرون طبيبًا، تزايدوا بعد ذلك جدًّا. كما كان يضم مكتبة علمية فخمة وصيدلية ومطابخ، وكان يخدم فيه عدد ضخم من الموظفين والفرَّاشين، وكان الأطباء يتناوبون على خدمة المرضى بحيث يكون هناك أطباء بالمستشفى أربعًا وعشرين ساعة يوميًّا.

ومن المستشفيات الإسلامية العظمى أيضًا: المستشفى النوري الكبير بدمشق، الذي أنشأه السلطان العادل نور الدين محمود الشهيد، وذلك في سنة 549هـ، وكان من أجَلّ المستشفيات وأعظمها، واستمر في العمل فترة طويلة جدًّا من الزمان، حيث بقي يستقبل المرضى حتى سنة 1317هـ (1899م) أي قُرابة ثمانمائة سنة!!

كذلك من أعظم المستشفيات في تاريخ الإسلام: المستشفى المنصوري الكبير، الذي أنشأه الملك المنصور سيف الدين قلاوون في القاهرة، وذلك سنة 683هـ، وكان آية من آيات الدنيا في الدقة والنظام والنظافة، وكان من الضخامة بحيث إنه كان يعالج في اليوم الواحد أكثر من أربعة آلاف مريض!!

ولا ننسى في هذا المضمار مستشفى مراكش، الذي أنشأه المنصور أبو يوسف يعقوب ~، ملك دولة الموحدين بالمغرب، والذي حكم من 580هـ إلى 595هـ، وكان بناء هذا المستشفى آية من آيات الإتقان والروعة! فقد غُرست فيه جميع أنواع الأشجار والزروع، بل كانت في داخله أربع بحيرات صناعية صغيرة!! وكان على مستوى عالٍ جدًّا من حيث الإمكانيات الطبية والأدوية الحديثة والأطباء المهرة .

لقد كان -بحق- درّة في جبين الأمة الإسلامية.

ليس هذا فقط، بل كانت هناك المستشفيات المتخصصة، التي لا تعالج إلا نوعًا معينًا من الأمراض؛ كمستشفيات العيون، ومستشفيات الجذام، ومستشفيات الأمراض العقلية، وغير ذلك.

وأعجب منه وأغرب: أنه كانت توجد في بعض المدن الإسلامية الكبرى أحياء طبية متكاملة؛ فقد حدَّث ابن جبير في رحلته التي قام بها في سنة 580هـ تقريبًا، أنه رأى في بغداد -عاصمة الخلافة العباسية- حيًّا كاملاً من أحيائها يشبه المدينة الصغيرة، يتوسطه قصر فخم جميل، تحيط به الحدائق والبيوت المتعددة، وكان كل ذلك وقفًا على المرضى، وكان يؤمّه الأطباء من مختلف التخصصات، فضلاً عن الصيادلة وطلبة الطب، وكانت النفقة جارية عليهم من الدولة ومن الأوقاف التي يجعلها الأغنياء من الأمة لعلاج الفقراء وغيرهم .

وبعد، فهذه نماذج أربعة من مئات المستشفيات التي كانت منتشرة في شرق العالم الإسلامي وغربه، يوم كانت أوربا تتيه في ظلام الجهل، ولا تعرف شيئًا من هذه المستشفيات ودقتها ونظافتها وسموّ العاطفة الإنسانية فيها. وإليك ما قاله المستشرق الألماني ماكس مايرهوف عن حالة المستشفيات في أوربا في العصر الذي كانت فيه المستشفيات في حضارتنا كما وصفناها… قال الدكتور ماكس: إن المستشفيات العريية ونظم الصحة في البلاد الإسلامية الغابرة لتلقي علينا الآن درسًا قاسيًا مُرًّا لا نقدره حق قدره إلا بعد القيام بمقارنة بسيطة مع مستشفيات أوربا في ذلك الزمن نفسه. مرّ أكثر من ثلاثة قرون على أوربا، اعتبارًا من زمننا هذا، قبل أن تعرف للمستشفيات العامة معنى، ولا نبالغ إذا قلنا بأنه حتى القرن الثامن عشر (1710م) والمرضى يعالجون في بيوتهم أو في دور خاصة كانت المستشفيات الأوربية قبلها عبارة عن دور عطف وإحسان، ومأوى لمن لا مأوى لديه، مرضى كانوا أم عاجزين.

وقالت زيجريد هونكه: “إن كل مستشفى مع ما فيه من ترتيبات ومختبر، وكل صيدلية ومستودع أدوية في أيامنا هذه، إنما هي في حقيقة الأمر نصب تذكارية للعبقرية العربية، كما أن كل حَبَّة من حبوب الدواء، مذهَّبة أو مسكَّرة، إنما هي -كذلك- تذكار صغير ظاهر، يُذكِّرنا باثنين من أعظم أطباء العرب ، ومُعلِّمي بلاد الغرب” .

ونختم هذا الحديث بالنتائج التي نحب أن نلفت الأنظار إليها بعد هذه المقارنات، أننا في حضارتنا كنا أسبق من الغربيين إلى تنظيم المستشفيات بتسعة قرون على الأقل، وأن مستشفياتنا قامت على عاطفة إنسانية نبيلة لا مثيل لها في التاريخ ولا يعرفها الغرييون حتى اليوم، وأننا بلغنا في تحقيق التكافل الاجتماعي حدًّا لم تبلغه الحضارة الغربية حتى اليوم؛ حين نجعل الطب والعلاج والغذاء للمرضى بالمجَّان، بل حين كنا نعطي الفقير الناقه من المال ما ينفق على نفسه حتى يصبح قادرًا على العمل.. إن هذه نزعة إنسانية بلغنا فيها الذروة يوم كنا نحمل لواء الحضارة، فأين نحن منها اليوم؟! وأين منها هؤلاء الغرييون؟!

————

المصدر: كتاب (قصة العلوم الطبية في الحضارة الإسلامية) للدكتور راغب السرجاني.

-- كتب : سراج الدين العجري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*