الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » السياسة الشرعية للأقليات المسلمة » مقالات وأخبار » على مسلمي أمريكا تجاوز ذهنية الأقليات

على مسلمي أمريكا تجاوز ذهنية الأقليات

غدا المسلمون في الولايات المتحدة ظاهرة تفرض نفسها على واقع الحياة في المجتمع الأمريكي.. ظاهرة تتجاوز حالة التواجد إلى حالة الوجود، وتتعدى مرحلة العمل إلى مرحلة الإبداع، وتقفز فوق حواجز الشراكة إلى آفاق الريادة.

فالعنصر المسلم الأمريكي هو الحاضر الغائب عند الحديث عن الاستثمارات المليونية في وول ستريت وهو “البروفايل” اللامع عند الحديث عن الرموز الهامة في قاعات المحاكم وساحات القضاء.. ولكن يبقى دائما السؤال يطرح نفسه: هل يستطيع هذا العنصر في ظل الظرف الراهن أن يتجلى عن المزيد؟؟

قضية تشابكت فيها مجلة Islamic Horizons في عددها الأخير “نوفمبر ديسمبر 2011″ الصادرة عن الجمعية الإسلامية في أمريكا الشمالية مع المفكر الإسلامي الكبير، البروفيسور طارق رمضان، الذي يعد أحد أهم رموز مشروع الإثراء الحضاري بين الإسلام والغرب و”مارتن لوثر الإسلام” كما أطلقت عليه صحيفة واشنطن بوست على لسان كاتبها “بول دونلي”، و”المجدد الأكثر أهمية في القرن الحادي والعشرين”، كما أكدت صحيفة تايمز، وأحد أعظم مفكري العالم في العام 2010، بحسب استفتاءات صحيفتي “فورين بوليسي” الأمريكية و”بروسبكت”البريطانية.

مجالات الشراكة الإسلامية

بدأ رمضان حواره -كعادته من حيث ما ينبغي أن يكون- انطلاقا مما هو كائن، فالواقع الإسلامي في المجتمع الأمريكي في جوهره، وإن بدا على غير ذلك في مظهره، ينبغي أن يتجاوز حدود خطاب الأقلية الدينية إلى الانخراط الكامل في نسيج المجتمع لأن المواطنة حق للجميع ولأن حقوق الوطن فرض على الجميع.

والمسلمون من خلال نسقهم القيمي ليسوا أقلية لأنهم في حقيقة الأمر يتشاركون ذات المفردات القيمية التي تؤمن بها الأغلبية في الغرب عامة وفي الولايات المتحدة خاصة، ومن ثم فإن أحد أبرز المسئوليات الملقاة على عواتقهم هي تجاوز الجمود الديني إلى فعاليات تغيير المجتمع نحو الأفضل.

إلا أن هذه الديناميكية الاجتماعية -بحسب رمضان- تحمل من التحديات والمخاطر ما يتناسب مع سمو الغاية ونبل الهدف، لأنها تقتضي من المسلم أن يكون أشبه “بترس أخلاقي” في “آلة تدور دائما في اتجاه السلطة والمال” ولا تلتفت نحو الأطر الدينية والجوهر الإنساني، الأمر الذي يتطلب إعدادا أخلاقيا وتسلحا دينيا لمواجهة النزوع المادي الغالب على هذه المجتمعات.

إن هذا -بحسب رمضان- يفرض على المسلم دائما أن يحدد بوضوح قائمة أولوياته على المديين القريب والبعيد، وأن يتزود بالتكوين المعرفي الديني طوال رحلة الشراكة والتفاعل لتحقيق هذه الأولويات، الواحدة تلو الأخرى.

ويؤكد رمضان أن المسلمون قد بلغوا مرحلة المساهمة لا سيما في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا، فضلا عن بعض الدول الأوربية، والمساهم دائما يجود بما ليس موجود إلا عنده، ويفتقر إليه الآخرون؛ وفلسفة المسلمين في الحياة تنبع عن منظومتهم الروحانية التي تجعل لكل موجود دلالته الخاصة ومعناه المستقل في إطار النظرة الإسلامية المتكاملة للوجود بوجه عام ولرسالة المسلم العمرانية ودوره الحضاري في هذا الوجود. 

ومن ثم تبقى المساحة الروحانية -بحسب رمضان- هي الأرض البكر التي تحتاج لإسهاماتنا كمسلمين في مجتمع يتسم بتعدد مشاربه الحضارية وروافده الثقافية، وتبقى هذه الإسهامات تحمل الصبغة الحضارية الإسلامية بقدر نزوعها نحو الأخلاق وتمركزها على القيم واحترامها للجوهر الإنساني على اختلاف هيئته الإثنية ونوعه الجندري ومرجعيته الدينية.

الإسهام في الفضاء التربوي

أما الفضاء الثاني الذي ينبغي أن يتوجه إليه الإسهام الإسلامي في المجتمع الأمريكي فهو الفضاء التربوي، وهذا يعني ضرورة انخراط كافة العناصر من معلمين وطلاب وأولياء أمور في العمل التربوي من خلال المنظومة المدرسية.

كذلك يشير رمضان إلى مجال الحقوق المدنية كمساحة ثالثة تحتاج إلى مزيد من الانخراط من قبل العنصر المسلم في المجتمع الأمريكي؛ والمسلمون في هذا السياق بحاجة إلى مزيد من الوعي بالحقوق المدنية التي يكفلها الدستور الأمريكي ليس للمسلمين فحسب، وإنما لكافة المواطنيين الأمريكيين وتفعيلها للوقوف في وجه العنصرية بكافة اشكالها والحصول على حقوق الفقراء والمهمشين وتحقيق المواطنة القائمة على العدل والمساواة.

أما المجال الرابع الذي ينبغي على المسلمين أن يولوا وجوههم شطره فهو البيئة؛ إن ثمة العديد من القضايا -بحسب رمضان- التي تلح على موائد الجدل الأمريكي، ولا يحظى العنصر الإسلامي فيها بوجود فعال أو شراكة إيجابية حقيقة، ويمثل رمضان لهذا النوع من القضايا بإشكاليات مثل الاحتباس الحراري والمحافظة على البيئة واحترام الطبيعة وغيرها من المشكلات التي لا تزال تعاني قدراً كبيراً من الجدب في الإسهام الإسلامي. 

ويؤكد رمضان على أن المسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية لا يزالون بحاجة إلى مزيد من الشراكة والإسهام في فضاء القضايا الجندرية؛ وبرغم ذلك يشير رمضان إلى الدور المحوري الذي تقوم به المرأة المسلمة في المجتمع الأمريكي من خلال موقعها في الأسرة والجامعة بل وفي السوق الأمريكية حتى استحالت بفضل هذا الدور إلى قوة إصلاحية إيجابية وفاعلة في مستقبل البلاد.

ثقافة الفن البنَّاءة

ويمضي رمضان أبعد من ذلك ليتحدث عن دور المسلمين كأحد أطياف النسيج الاجتماعي في مجال الترفيه، أو ما يعرف بثقافة البوب، لا سيما في المساحات التي ينظر إليها المسلمون نظرة كلاسيكية باعتبارها حما محرم لا ينبغي عليهم أن يقعوا فيه، مثل الموسيقى والتمثيل وغيرهما من ألوان الفنون.

وفي هذا السياق يؤكد رمضان على حاجة المسلمين لتطبيق الأدبيات الإسلامية من خلال مبدعون يتمتعون بحس عال وانتاجية إبداعية ومسئولية أخلاقية نحو الفنون المختلفة لتتحول إلى عنصر بناء وإضافة حضارية بعد أن كانت معول هدم في البناء الأخلاقي وخصم على الذوق المجتمعي العام.

فهذه الفنون -كما يراها رمضان- تحتاج إلى نزوع جوهري نحو الروحانية والأخلاقية، وهذا الأمر لا سبيل لتحقيقه إلا بوجود فن إسلامي له مقوماته الخاصة، وفي هذا السياق يمكن أن يكون هناك “أغاني إسلامية” من حيث كونها تعبر عن القيم الأصيلة لهذا الدين دون أن يذكر فيها اسم الإسلام صراحة.

الهوية الدينية والهوية الوطنية

في هذا الباب يؤكد رمضان على ضرورة تجاوز خطاب الاندماج إلى خطاب الانتماء الحقيقي للمجتمع الذي يعيشون في كنفه دون أن يتنازلوا عمدا أو يفقدوا كرها ذاتهم الحضارية ومرجعيتهم المعرفية المتمثلة في القرآن الكريم والحديث الشريف كمرجعية نظرية والسيرة النبوية كمرجعية عملية حياتية؛ بل يذهب رمضان إلى أن المزيد من المشاركة المجتمعية يتطلب المزيد من الممارسة الدينية وأن الانخراط يستلزم اختيار الأفراد ممن يحملون نظما قيمية وأطرا أخلاقية سواء من المسلمين أو غيرهم.

والمسلمون -وفقا لرمضان- ليسوا سواء من حيث انفتاحهم على المجتمع، بل أن ثمة اختلافات في التوجهات داخل الدائرة الإسلامية الكبيرة تكاد تصل إلى حدود التناقض، فثمة مسلمون يحملون توجهات انعزالية ويميلون إلى حياة الغيتو الذي تفصله عن المجتمع العام أسوارا ثقافية وحضارية لا سبيل لتجاوزها؛ وعلى الطرف الآخر هناك توجهات انفتاحية استيعابية حتى لتكاد تفقد في هوجة انفتاحها نقطة الجاذبية الحضارية ومركزيتها الثقافية؛ وبين التوجهين، يكمن التوجه المعتدل الذي ينفتح على المجتمع بكل ما فيه من ثقافات دون أن يفقد الحبل المتين الذي يشده أبدا لهذه الجاذبية وتلك المركزية.

وإذا كان ليس ثمة تيار سيادي في قضية انفتاح أو انعزال المسلمين عن المجتمع، في أوساط المسلمين، فالأمر -كما يؤكد رمضان- يختلف تماما في الاتجاه الآخر. ففي أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر كان هناك تيارا سياديا مجتمعيا يتشكل من حوالي 70 % يعتقدون أن هذه الأحداث لا تمثل الإسلام، وإنما هي محض عمليات إرهابية أقدمت عليها مجموعة من الراديكاليين المتطرفين الذين لا يخلو منهم دين أو تبرأ مهم  ثقافة.

أما بعد عشر سنوات، فثمة تغيير جذري في قراءة المجتمع الأمريكي لهذه الأحداث، حيث تحول التيار السيادي إلى الاتجاه المعاكس من خلال نسبة موازية تصل إلى 70% تعتقد أن الإسلام دين يحض على العنف والتطرف ورفض الآخر!

ويخلص رمضان أن زيادة الكراهية ضد الإسلام في المجتمع الأمريكي لا بد أن يقابلها مزيدا من الانفتاح من قبل المسلمين الأمريكيين على هذا المجتمع.  

وفي هذا السياق تضطلع الروابط والجمعيات والمدارس الإسلامية والمساجد بأدوار هامة وتحتاج إلى قدرات خاصة  لاستيعاب ثنائية العقيدة الإسلامية من جانب والتاريخ الأمريكي من الجانب الآخر.

ومن ثم يرى رمضان ضرورة دعوة الهنود الحمر والزنوج وغيرهم إلى موائد الحوار الإسلامي وعدم قصرها على أبناء الجالية الإسلامية أو غيرهم من المهاجرين.

ويحتاج المسلمون -وفقا لرمضان- إلى مأسسة وجودهم في المجتمع الأمريكي وذلك من خلال مؤسسات لتدريب أئمة المساجد والعلماء والمفكرين وصولا إلى الطلاب لتعريفهم بكليات العقيدة الإسلامية والتاريخ الأمريكي، فضلا عن تثقيفهم قانونيا ولغويا إلى غير ذلك من نواحي البناء المعرفي والتكوين العقلي الضروريين لشراكة مجتمعية سوية لا تتنازل عن الذات لحساب الآخر ولا تنكر الآخر تأكيدا للذات.

ويتم هذا التكوين من خلال استراتيجية تقوم على ضرورة تحديد الأولويات وأهمية المرحلية لأن المسلمون في الغرب عامة، وفي الولايات المتحدة خاصة، يعملون دائما تحت ضغوط خارجية، مما يحولهم عن استراتيجية الفعل التي يتسم بها الأقوياء إلى استرتيجية رد الفعل، وهذا هو -بحسب رمضان- مكمن الضعف.

ومن ثم لا بد في إطار مأسسة التواجد والعمل الإسلامي من تفعيل استراتيجية ذات رؤية يمكن من خلالها الخروج بالعمل الإسلامي من دائرة ردود الأفعال إلى آفاق العمل المجتمعي المرحلي والمنظم.

—————-

*مفكر إسلامي

**************

إسلام أون لاين – إسلام لاتينا: 

-- *طارق رمضان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*