السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » السياسة الشرعية للأقليات المسلمة » مقالات وأخبار » حقائق جديدة..مسلمون متخفون في قرى إسبانيا النائية

حقائق جديدة..مسلمون متخفون في قرى إسبانيا النائية

هشام زليم المغربي,إسلام لاتينا/ كان خوان لوبيز غونزاليث Juan Lopez Gonzalez ينحني على ركبتيه في اتجاه الشرق و رأسه يلامس الأرض بصفة متكررة. أحيانا ينادي في اتجاه الشمس “محمد”. و غالبا ما يتلو دعوات غير مفهومة حاملا كتابا قديما بين يديه, يُخفيه داخل كيس خشبي أسود  بإحدى عوارض المنزل العلوية. خلال “الأسبوع المقدس” Semana Santa (1),حيث  تمر المواكب الكنسية من البلدة, لم يكن خوانJuan يأكل شيئا ما إن تشرق الشمس. كان يضع, خلال هذه الأيام,  صحنا مقلوبا أمام عتبة باب مزرعته (2)؛ و ذات يوم سأله أحد جيرانه عن السبب, فأجابه مٌحمرّا أن ذلك من أجل تجفيف الصحن. لقد احمرّ لأنه “كاد يموت من الخوف, كان دائما يتخفى و يطلب مني ألا أحكي شيئا عمّا أراه يفعله” تروي اليوم ابنته فينيرادا Venerada, “كان يخرج بمعية شقيقه للصلاة في الحقل حتى لا يراهما أحد”. “كان يحني رأسه قبل الأكل متمتما دعاءا يٌكثر فيه ذكر الله “Alà”. كما كانت له عبارات خاصة به, كقوله أروا خمينا “Arua Jimena” (تعال هنا), Jarria(براز), quém (كلب)…., و كان يقول لابنته: “هذه عادتنا, لكن عليك ألا تذكري هذا خارج المنزل”.

توفي خوان لوبيز سنة 1986 و سن ابنته فينيرادا31  سنة, و كانت قد ذهبت أنذاك للعمل في فرنسا. لقد قضوا في بلدتهم ريوبار Riopar الواقعة في قلب منطقة سييرا ديل سيغورا  Sierra del Seguraظروفا معيشية صعبة. كانت تنتظر هذه المرأة بمقرعملها مفاجأة من العيار الثقيل, حيث سمعت عاملا مغربيا يناديها كوالدها: “أروا خمينا “Arua Jimena. و لما عرض  عليها المغربي القرآن قارنته مع الكتاب الذي كان والدها ينزله من السقف باستعمال عصا طويلة, و بروح الفضول تأكدت, في نسخة للقرآن بالإسبانية, من وجود كلمة كان والدها يرددها. كانت فينرادا تشك في فهم والدها شيئا كثيرا:”كان يضع النظارات و يفتحه, لكن لمّا أسأله عن أشياء فيه لا يعرف كيف يجيب عنها.”

تعيش فينرادا اليوم في مزرعة والدها المسمّاة Martinez Campos, لأنه يقال أنها كانت لهذا الجنرال. لقد وُلد خوان بهذه المزرعة, أمّا جدها فكان من بلدة بوجرة القريبة Bogarra, بينما ينحدر والد جدها من بلدة لاس كاسيكاس ديل سيغورا Las Casicas del Segura القريبة أيضا. رغم هذا التجدر النسبي بالمنطقة, فوالدها و جدها كانا يرددان باستمرار أن عائلتهم غرناطية الأصل, و بالتحديد من البشرات Alpujarras و متريل Motril. لكن هذه ليست سوى ذكريات عائلية موروثة لأنه لا أحد منهما يعلم الجد الذي هاجر إلى سييرا ديل سيغورا Sierra del Segura, ومتى كانت هجرته. هذه الذاكرة العائلية توارثت على مدى قرون ذكرى محمد بن أمية(3)” الذي كان ملكنا , كان شخصا صالحا, و رجلا عظيما” كما كان يردد خوان.

ربما كان خوان الأخير, لكنه لم يكن الوحيد, ف أوريليو أمورس Aurelio Amores الذي وُلد سنة 1918م يتذكر فترة شبابه لمّا كان كبار السن ب ريوبار القديمة Riopar Viejo (نواة البلدة الحالية) يعبدون الشمس عند وقت الفجر: “كانوا يخرجون إلى المنحدرات الواقعة بالشرق, يركعون و يتعبدون”. يقول أوريليو :”لم يكن عددهم قليلا, كانوا على الأقل اثني عشر شخصا”, و يرددون خاتي مالي Jati mali (؟). يعلم أورليو جيدا لماذا كان هؤلاء الشيوخ يقومون بهذه الطقوس :”كان ذلك دينهم, يعبدون الشمس كما نفعل نحن مع يسوع”. لم يحاول أبدا أن يربط هذه الطقوس بالإسلام, لأنه لا يعلم عنه أي شيء. قبل جيلين كانت هذه الطقوس منتشرة بالمنطقة كما أكد أوريليو:”حكى لي أجدادي أنه في فترة شبابهم كان هناك العديد من الشيوخ يسجدون في اتجاه الشرق عدة مرات في اليوم” .

موقع ريوبار

تقع ريوبار Riopar جنوب إقليم البسيطAlbacete, و هي ملاصقة لجيان و تقع في واد مغلق لا يمكن الوصول إليه إلا عبر 3 أبواب توجد على ارتفاع 1100 و 1400 متر, و تكسو المنطقة الثلوج في فصل الشتاء, “حتى وقت قريب كانت هذه البلدة مفقودة من يد الرب” (4) على حد تعبير خوان فاليرو فالديلفيرا Juan Valero Valdelvira, المقاول ذو الخمسون سنة و الذي يملك مقاولة لإنتاج الخشب, و تابع قائلا:”لمّا كنت صغيرا لم تكن هناك طرق بعد, و كانت الساكنة تعيش في مزارع موزّعة في الجبل, أكيد لم تصل هنا محاكم التفتيش, و عند طرد سنة 1609 لم يتم إزعاج المسلمين الأصليين” .

ريوبار القديمة

كان والد خوان فاليرو جزارا, و كان يصطحبه إلى مزارع البلدة للقيام بعمله. و قد لاحظ خوان أن مائدة المذبح بالمنازل “توضع في اتجاه الشرق, مع انحراف 5 درجات في اتجاه الجنوب, و تحديدا اتجاه مكة. انتبهتُ لهذا الأمر منذ عشر سنوات, و استفسرت لدى العديد من المزارعين عن سبب وضع المائدة في هذا الاتجاه, و كان جوابهم الوحيد هو : كانت دائما هكذا”.

يذكر خوان فاليرو أن عادات جده كانت إسلامية, ببساطته, بنظرته للحياة…و إن كان هو نفسه لا يعلم ذلك. كان يناديه أخ “hermano”, و هو اسم يٌقال للشخص الكبير في السن و الشخص المحترم, كما يفعل العرب . لم يغادر جده البلدة أبدا, رغم ذلك يتحدث دائما بحنين إلى غرناطة, بل و يصف الطريق التي تؤدي إلى المملكة النصرية القديمة. كان أيضا يُحيي العادة المورسكية القديمة المتمثلة في إطعام الحيوانات بنفسه و إطعام الناس يوما في السنة, و لما يريد قتل حيوان كان يستأذن من السلطات السماوية (Alturas). كان يعتقد, كشأن كبار السن بالوادي, أن المرأة الحائض لا تستطيع تسلق الشجرة, لأن هذه الأخيرة ستذبل. (5)

المورسكيون الأسبان

3 أبواب على علو ألف متر و غياب الطرق, عوامل منعت وصول محاكم التفتيش إلى وادي ريوبار Riópar, في جنوب إقليم البسيط المرتبط بجيان. كثير من المسلمين بقوا في شبه الجزيرة بعد سقوط المدن الأندلسية و أطلق عليهم المدجنون. غرناطة, آخر الممالك الإسلامية, سُلّمت للملكين الكاثوليكيين سنة .1492 . لم يكن احتلالا و إنما تسليم متفق عليه, بموجب الاتفاق يبقى المسلمون بمن فيهم الأمير أبو عبد الله بأرض أجدادهم و  يحفظوا دينهم و تقاليدهم. لكن المنتصرين سرعان ما توقفوا عن تنفيد كل بنود معاهدة التسليم.

سنة 1499, أمر الكاردينال ثيثنيروس Cisneros بتنصير كل المدجنين مما أدى إلى اندلاع ثورة أولى عمّت حي البيازين بغرناطة ثم جبال ألمرية, رندة, الشرقية و البشرات. هذه الثورة شكلت ذريعة للملكين الكاثوليكيين اللذين أصدرا قرارا بتنصير كل مسلمي قشتالة. فتحوّل اسمهم من مدجنين إلى مورسكيين, أي نصارى رسميا بثقافة عربية إسلامية, و استمروا في التخاطب باللغة العربية. سنة 1516م, أصدر الكاردينال ثيثنيروس قرارا آخر بمنع كل العادات الإسلامية, بما فيها اللباس و اللغة. تصاعد ضغط النصارى على المورسكيين ليصبحوا “قشتاليين صالحين” بين عشية و ضحاها, مما أدى إلى اندلاع ثورة البشرات بزعامة محمد بن أمية (الذي كان له تقدير كبير في عائلة فينيرادا لوبيث). لقد تحوّلت العمليات العسكرية إلى حرب حقيقية استمرّت سنتين, لم يسيطر خلالها النصارى على الأوضاع إلا بعد تجميع ثلاث جيوش بقيادة خوان النمساوي شقيق الملك فليب الثاني. لازالت بلدة بالور Valor تحفظ إلى اليوم منزل محمد ابن أمية. أمّا المورسكيون الذين نجوا من المقتلة بعد قمع الثورة فقد شُتتوا في جميع أرجاء المملكة القشتالية. يتحدّث المؤرخون عن 50 ألف مهجّر. هذا التهجير المكثف شكل مقدمة للطرد العام للمسلمين من كل الأراضي الإسبانية سنة 1609م.

خصائص اللباس

لازالت العائلات ذات التقاليد الإسلامية تحتفظ بذكريات حول خصائص الملابس الأندلسية. سمعَت فينيرادا في المنزل أن جدّ جدها كان دائم الارتداء لجلابة Chilaba تُدعى Bata فوق السروال و القميص.  ذكر لها جدها أنه كان يذهب للعمل بها. آخِر من ارتدى هذا الزي ب ريوبار Riopar هو العم سياس Tio Sayas (6) الذي توفي سنة 1971 و لازالت ذكراه حية بين الناس, حيث “يذكرون أنه كان يرتدي ثيابا على شكل تنورة بسبب معاناته من سلس بولي. لكن من الواضح أنه لم يرتجلها”, كما قال خوان فاليرو معلقا, والد جده هو نفسه – خوان فاليرو- كان يضع دائما قلنسوة على رأسه على الطراز المورسكي. ولازالت والدة خوان , أورورا فالديلفيرا Aurora Valdelvera تتقن كيفية إبرام القلنسوة على هذه الطريقة, كما حفظت ذاكرتها صورة شخص كان يركع و يتعبد: “قبل 60 سنة,كنت أرى فلاحا يقوم بهذا, يدعى  Lorenzo Castillo Peinado. كان يضع آلة المحراث جانبا ثم ينحني و ينهض في اتجاه “ربوة الرملة” Collado de -la Rambla الموافقة لاتجاه مكة- و كنت أتساءل: ماذا يفعل هذا؟”. لقد اتفقت أورورا و ابنها خوان فاليرو على أن حماها كانت له العديد من الأشياء المسلمة.

تتذكر أورورا يوم خطبتها و زفافها, حيث جاءت عائلة الزوج إلى مزرعة والدها في موكب من عربات تجرها الخيول و مؤثثة بفراش سرير النوم, و أقيمت هناك حفلة بهيجة بالمشروبات و الحلويات. أما هي فقد و ضعوا لها مئزرا Delantal يرمون فيه النقود. و لمّا توفيت عمّتها كفّنوها في ثوب أبيض و وضعوا في يديها باقة زهور, و أخفوها طيلة الليل.

خوان فاليرو اعتبر أن معظم هذه العادات و غيرها كثير بريوبار, و قد ذُكرت في كتاب لخيرالد برينان Gerald Brenan يدعى “في جنوب غرناطة”. هذا الكاتب الإنجليزي عاش في عقد العشرينات (1920) بقرية بالبشرات تدعى Yegen, و وصف طباع و عادات أهلها.

المطبخ

يشكل المطبخ ميدانا متميزا آخر لدى العائلات التقليدية بريوبار. كان والد فينرادا Venerada يطبخ الكسكس “Cuscus” (7) (هكذا كان يسميه) بلحم الحمل, البطاطس, الحمص, دقيق القمح أو الذرة, صلصة البصل (8), الطماطم و البقدونس. لكن ما تذكره فينرادا جيدا هي المُجَبِّنات “Almujabenas” التي هي عبارة عن حلويات تُحضّر بأماكن متعددة , و قد علّم أبوها والدتها كيفية تحضيرها – لم تكن زوجته تشاطره تقاليده -, و كانوا يأكلونها خلال “الأسبوع المقدس”. و تُحضّر هذه الحلوى بالدقيق, البيض, الماء و السكر. من جهتها كانت فالديلفيرا أورورا تُحضِّر حلوى تُسمّى nuégadas, و هي عبارة عن حلوى على شكل كرات مطهية تتكون من الجوز (الكركاع) و السكر.

كان والد فينيرادا يعمل بأشجار الصنوبر بالجبل, و نادرا ما غادر ريوبار, و رغم ذلك كان يقول لابنته أن العرب يحبون الحلويات كثيرا و أنهم يحضّرونها بالعسل. بعد عدة سنوات عادت فينيرادا لتحضير المجبنات و حلويات أخرى, كانت تُطهى بالمنزل, و تقدمها لزبناء فنادقها البسيطة التي تخدم السياحة القروية.

عندما كان خوان لوبيز و شقيقه يصومان خلال الأسبوع المقدس, كانا يُحضّران طعاما بالدقيق, يأكلانه قبل الفجر و عند المساء, لكن فينيرادا لا تعلم شيئا عن هذا الطعام. و كانا لا يدخنان خلال هذه الأيام, و لا يشربان الخمر. كان خوان يأكل لحم الخنزير و غالبا ما يعلّق أنه لا يجب عليه فعل ذلك. حسب خوان, لحم الخنزير أساسي في غداء الوادي “لكن يضيفون إليه العديد من التوابل و يطهونه حتى يتغير طعمه كليا؛ أما نقانقه فتُحفظ في زيت الزيتون و تُمزج بالأرز و طحين حبات البنيونش Piñones”

كان والد خوان يذبح الخنازير ليأكلها الناس, لكنه لا يأكل لحمها في المنزل أبدا, لأن ذلك حرام. تشرح فينيرادا أن الطبق الذي يُحضَّر تقليديا بشحم الخنزير يُحضَّر في منزلهم دائما بشحم البقر.

“محمد سيكون سعيدا”.

على غرار أبناء القرية, كان على فينيرادا أن تحضر القداس في الكنيسة و قد أبدى والدها امتعاضا من ذلك: “لم تطأ قدمه الكنيسة أبدا. والدتي أصرّت على أن نفعل ذلك و إلا فسيبلغون عنّا. لكني كنت الوحيدة التي لم تحضر القداس” كما أخبرت ابنته. بعد زواج فينيرادا و وفاة فرانكو لم يعد هناك اعتراض على ذلك: “لم أتزوج في الكنيسة لأن والدي لم يشأ ذلك”. لكن أقمنا حفلة زفاف بسيطة. والدها قام لها بإشارات بيده قائلا: “اخرجي من المنزل مُقدِّمة رجلك اليمنى إلى الأمام, و ها أنتِ له مدى الحياة”. و كان يقول لها قبل ذلك: “لا يجب أن تتزوجي في يوم ممطر أو غائم, يجب أن يكون الجو صحوا, فمحمد يجب أن يكون سعيدا”.

كان لوبيز يشرح لابنته أن هويتهم الحالية مزيفة, “نحن ننحدر من جنس Caravavantes و Navalón (9), فقدنا اسمنا و وضعوا لنا آخر”. في هذا السياق, كان خوان فاليرو يعلم جيدا من أين جاءت عدة ألقاب بالوادي و المسار الذي اتبعته, يقول خوان:”لقبي الثاني بالدلبيرا Valdelvira يعني “باب البيرة”- باب شهير في غرناطة-و حملة هذا الاسم لم يتم تعميدهم أبدا, نفس الشيء بالنسبة لآل بنيغش Los banegas ب Alarcon(10), أي لم يتحوّلوا إلى النصرانية رسميا أبدا, و هذا معلوم عند العائلات”. لقد احتُفِظ في ريوبار ببعض التعابير العربية  الخاصة – جمع منها فاليرو حوالي المئتين – مثلا “الخُمَ” Al juma(ورق الصنوبر) و “فرفراس”  (  (بلا حيوية).Farfaras

لكنة مميزة

قد تكون بلدة البديت Albudeite بمرسية هي البلدة الوحيدة في الأندلس القديمة التي حافظت على اللكنة العربية. فقد حافظ سكانها على أنشودة خاصة يسمونها tonillo (الأزيز), كما أنهم لا يستعملون الصرف المركّب (prétérito indefinido)- مثلا يقولون estuve بدل he estado), و هذا التركيب في صرف الأفعال لا يوجد في لغة أجدادهم العربية. عمدة البلدة خواكين مارتينث أكّد أن التقليد المحلي احتفظ بالتعبير “جاؤوا من المورو”, و القرى المجاورة كانت تكني أهل البلدة بألقاب و كنى  تجد فيها دائمة عبارة: مورو moro. هذه الذاكرة الشعبية عزّزها المؤرخ خوان غونزاليث كاستانو Juan Gonzalez Castano الذي بيّن أن بلدة البديت Albudeite لم يطلها الطرد العام للمورسكيين, “لا يُعرف لماذا, لكن المسألة أن الساكنة كلها بقيت” كما يشرح الباحث, الذي أكّد أن هذا لم يحصل في أي مكان آخر من شبه الجزيرة.

كانت مورسية آخر منطقة إسبانية تطرد مورسيكييها. احتُلّت المدينة سنة 1252 و تمّ استيعاب ذرية المسلمين. و في عهد فليب الثاني (1556-1598) أُرسلت طلبات, حتى من جهات نافذة في المملكة, للملك بأن يبقيهم لأن غالبيتهم كاثوليك ملتزمين و لهم علاقات حسن جوار مع النصارى القدامى. لهذا تمّ إعفاءهم من قرار الطرد ما بين 1609-1614م, لكن الملك تحت ضغط المتشددين في المجلس الملكي من جهة, و ضغط المدافعين عن المورسكيين من جهة أخرى, أمر سنة 1612 أحد رجال الكنيسة و عضو في محكمة التفتيش يدعى خوان دي بيردا Juan de pereda بالاستعلام حول سلوك أحفاد المسلمين.قضى هذا الراهب حوالي الشهرين متجولا بين العديد من القرى التي يقطن بها مدجنون, و تحاور مع المئات من الأشخاص. انطلق من وادي ريكوتي Valle de Ricote الذي تقطنه غالبية ساحقة من المسلمين (الأديب ثيرفنتس أطلق اسم ريكوتي على إحدى شخصيات روايته الشهيرة دون كيخوتي) ثمّ مرّ عبر سيغورا نحو مورسية. دوّن خوان دي بيريدا بأنه في بلدة البديت Albudeite يوجد 312 مدجنا و  6 نصارى قدامى فقط. و انتبه الراهب أيضا للأنشودة المورسكية Tonillo على ألسن سكان برييغو Priego – التي يقطنها 935 مدجنا و 59 نصرانيا – و ألسن سكان فورتونا Fortuna –ذات 684 مدجنا و 54 نصرانيا-, “في هذه الناحية تنتشر أنشودة المورسكيين, كما حافظوا على طريقة البكاء على الموتى” (علامة إسلامية أخرى حسب المفتش). أما بوادي ريكوتي فقد وجد اللكنة العربية في كل القرى. و يُقال عن سكان ريكوتي و أوخوس Ojos (11) “أن لهم لكنة أكثر من الآخرين, و أنه عند أكل لحم الخنزير يعتذرون أكثر من أي منطقة أخرى”. رغم ذلك استنتج المفتش خوان دي بيردا :” حسب ما ظهر لي, هناك ما يكفي من الشهادات لاعتبارهم نصارى صالحين و خدما أوفياء لصاحب الجلالة”.

مع ذلك طُرد مورسكيو مورسية في بداية 1614. المؤرخ خوان غونزاليث كاستانيو, الذي نشر تقرير المفتش خوان دي بيريدا, بيّن أن “العديد بقي متخفيا, و آخرون احتموا بأسيادهم و جيرانهم, و غيرهم سارعوا للاعتراف بالكنائس…و آخرون عادوا بعد مدة و طالبوا بأراضيهم و ممتلكاتهم”. لقد لجأ عدد كبير لمملكة بلنسية ثم عادوا إلى مرسية, حيث أظهر تقرير في غشت 1615أن الوضع عاد إلى ما كان عليه قبل الطرد: “يوجد منهم عدد كبير كما لو لم يكن هناك طرد”.ساد هذا الامر في جميع ممالك إسبانيا, و كان عدد الذين بقوا أكثر من عدد الذين رحلوا, و انضافوا إلى المتحولين القدامى. في مناطق مثل البشرات, أكد خيرالد برينان Gerald Brenan أن القرى حافظت على العديدة من عاداتها القديمة حتى بداية القرن العشرين. 

————————-

المرجع:

مقال نشرته جريدة LA VANGUARDIA

-- *طارق رمضان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*