السبت , 10 ديسمبر 2016

مشاكل الأقليات

يتساءل المحللون السياسيون عن عجز الفكر السياسي في إيجاد حلول دائمة لمشاكل الأقليات. ويرى هؤلاء أن شرعية هذا التساؤل تستند إلى ما يحدث في كثير من البلدان من نزاعات داخلية، غالباً ما تكون عنيفة ودموية، بين مكونات المجتمعات على قاعدة أكثرية وأقلية. 

وإذا كان من أهم خصائص هذه النزاعات أنها عابرة للأنظمة السياسية المعروفة: ملكية مطلقة ودستورية، جمهورية، ديموقراطية وشمولية، أوتوقراطية وعلمانية وغير ذلك، فإن من أهم أسبابها: الإختلاف الديني، العرقي، اللغوي وأيضاً الاقتصادي؛ ففي بريطانيا كانت أسباب النزاع بين الطائفتين الكبيرتين: الكاثوليك والبروتستانت في إيرلندا الشمالية، مذهبية – دينية. 

والحرب التي نشبت، في تلك المنطقة، أطلق عليها المحللون “الحرب القذرة”، لإستمراريتها المديدة ولشراستها، حيث أوقعت مئات القتلى وآلاف الجرحى، ولم تتوقف إلا بتدخل الولايات المتحدة الأميركية وتقاسم الطرفين الحكم؛ أما في إسبانيا، فإن النزاع المسلح، الذي ما زالت تقوده المنظمة الإنفصالية في اقليم الباسك (أيتا) ضد الحكومة المركزية في مدريد، فإن الطابع الغالب فيه: العرق والإقتصاد. 

وإلى جانب مطالبة هذه المنظمة بالانفصال والاستقلال عن اسبانيا لأن وجود الباسك في المنطقة متقدم على وجود الدولة الاسبانية، ولأن هذه الأخيرة، حسب ما تدعيه المنظمة، تقوم بنهب ثروات منطقة الباسك ومقدراتها وتوزعها على أقاليم أخرى؛ وهذا ما تُطالب به الأقلية الإيطالية في الشمال بقيادة “رابطة الشمال”، التي تدعي أن حكومة روما تجبي الضرائب والرسوم من الشمال الغني ليتم توزيعها على الجنوب الكسول؛ والصراع السلمي في بلجيكا بين الأكثرية الفلامنكية والأقلية الفرانكوفونية أسبابه: لغوية اقتصادية… وهكذا يمكننا مشاهدة هذا النزاع في أمكنة عديدة: في أميركا الشمالية كندا بين الناطقين بالفرنسية واولئك الناطقين بالإنكليزية، وهو صراع سلمي يحتكم إلى صناديق الاقتراع، وفي افريقيا اشهر أنواع هذا الصراع كان دموياً مذابح رواندا، وفي منطقة الشرق الاوسط نلاحظ تحرك الأقليات للمطالبة بإعتراف الاكثريات بحقوقها، وما زال حراكها خجولاً وخامداً.

يُشير المراقبون إلى أن أبرز من تصدى لدراسة ظاهرة الصراع بين الاقلية والاكثرية، كان المؤتمر الذي عُقد في باريس في أيار 1994 بناءً لدعوة رئيس الحكومة الفرنسية، في تلك الفترة، الديغولي ادوارد بالادور في عهد الرئيس الفرنسي الاشتراكي فرانسوا ميتران، وكان تحت عنوان” مناقشة الاستقرار والامن في أوروبا”. 

حضر المؤتمر أربعون وزير خارجية من بلدان الاتحاد الاوروبي، وأيضاً وزير خارجية روسيا الاتحادية اندريه كوزيريف، وبصفة مراقب وزير خارجية الولايات المتحدة وارنر كريستوفر، الذي قدم بحثاً تحليلياً كان قد أصدره بالتعاون مع مركز الأبحاث التابع للكونغرس الأميركي، يلقي الضوء على القضايا المثارة في المؤتمر، ومما جاء في هذا البحث: “لقد غزا هتلر الدول المجاورة بحجة حماية الحقوق الجماعية للأقليات الالمانية في هذه الدول…”. من أهم النتائج التي اسفرت عنها المناقشات في هذا المؤتمر هو صدور وثيقة تضمنت الدعوة إلى إقامة علاقات حسن جوار بين الدول المعنية، واعتماد اسلوب الحوار لحل النزاعات بين الأكثريات والأقليات…

بعد هذا العرض العام لبعض أوضاع الأقليات في بلدان مختلفة، كيف يبدو وضع الأقلية المسلمة (الروهينجيا) في بورما؟

تشهد ميانمار مرحلة انتقالية نحو الديموقراطية، بعد أن حكمتها المجالس العسكرية مدة خمسة عقود، إلا أن النزاعات الدينية بين الأكثرية البوذية والأقلية المسلمة، تؤكد أن عملية الانتقال الجارية منذ سنتين، بعد تولي الجنرال ثين سين السلطة وتعهده بالتحول نحو النظام الديموقراطي منذ عام 2011، لن تكون سهلة. 

وفي هذا الاطار يقول الرئيس أنه سيبذل كل جهد قانوني للتصدي لتحركات الانتهازيين السياسيين والمتطرفين الدينيين، الذين يسعون إلى زرع الكراهية بين الأديان، مضيفاً أنه “يتوقع ظهور النزاعات والصعوبات خلال فترة التحول الديموقراطي”. 

لكن تقرير الممثل الخاص للأمم المتحدة لحقوق الانسان في بورما فيجاي نامبيير يعرض ما لم يقله الرئيس في تحذيراته؛ فقد أكد الممثل في 29 آذار الماضي ان الدولة والقوى الأمنية كانت مشتركة في الأحداث التي وقعت ضد المسلمين، ويُضيف: “انه وفي العشرة أيام الماضية أوقعت هذه الاحداث حسب التقارير الرسمية، 40 قتيلاً وأكثر من 12 ألف مهجر”، وفي تقرير آخر يقول نامبيار إن “أفراد الأقلية المسلمة في ميانمار هم الأكثر تعرضاً للقمع في العالم”. تبلغ نسبة الاقلية المسلمة 4 في المئة من 60 مليون مواطن يتوزعون على 135 إثنية، حسب الجداول الرسمية، وتبلغ نسبة الأكثرية البوذية حوالى 89 في المئة. 

لا يعترف النظام البورمي بالأقلية المسلمة ويعتبر أفرادها مهاجرين لاشرعيين قدموا من البنغال والهند والصين، مع أنهم كانوا يتواجدون في هذا البلد منذ الاستعمار البريطاني أي قبل الاستقلال عام 1948؛ يعيش كثير من هؤلاء في مخيمات ويعتمدون على المساعدات الدولية.

يتصف الحكم في هذا البلد بالهشاشة، وحسب احد الخبراء المحليين ليس فقط الاضطرابات الدينية أو الإثنية هي التي يعانيها هذا البلد “لكن أيضاً تحريض منظم تقوم به عناصر مقربة من العسكريين الناقمين على الرئيس”، وفي تصريح لأحد المحامين اونغ ثين لإذاعة آسيا الحرة، في 20 آذار الماضي قال إن شجاراً عادياً وقع بين تاجر صاغة مسلم وزبائنه من البوذيين، في مدينة ميكتيلا، وسط البلاد، فتجمع عدد من المسلحين، بينهم كهنة بوذيين يحملون سكاكين وعصي وانتشروا في المدينة مستهدفين المدارس الاسلامية وهم يصرخون “علينا قتل الجيل الجديد”، والنتيجة هدم كل المتاجروالمنازل و13 جامعاً للمسلمين في الاحياء القريبة، وقد قُتل بسبب هذا الشجار 50 مسلماً وبات 10 آلاف مواطن من دون مأوى. يُعلق رينولد ايغريتو، أستاذ العلوم السياسية في جامعة هونغ كونغ، على تصاعد اعمال العنف العرقي والديني الذي يجتاح ميانمار، في جميع أنحائها في المرحلة الراهنة، بالقول: “تبقى الاضطرابات الإثنية والدينية النقطة السوداء في سجل النظام، وهي العنصر المركزي لتأمين استقرار البلد”؛ ويُضيف المحلل السياسي مايل رايماند أن لبورما ماضياً عريقاً وطويلاً مع الأحداث العرقية مع المسلمين، الهنود والصينيين، ويطرح التساؤل التالي “هل انفتاح النظام حرر العرقية النائمة؟”، والتي تشمل المجتمع البورمي بكافة طبقاته. ويردف موضحا ان القيادة هي للكهنة البوذيين الذين يعتبرون من أشد المتطرفين على اللوائح القومية المتشددة في آسيا، ويعتبرون أيضاً: كي تكون بورميا عليك أن تكون، قبلاً، بوذياً.

 ويستنتج الاستاذ الجامعي في هونغ كونغ من الاحداث الجارية، أن الجهاز العسكري – السياسي يعتنق “المفهوم العرقي للأمة”، وبالتالي تصبح الأمة – الدولة في طور التكوين، وتصبح الأقليات خارج هذه الدولة؟!

-- عفيف رزق

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*