الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » السياسة الشرعية للأقليات المسلمة » مقالات وأخبار » مَنْ خير أمّة أخرجت للنّاس في أمّة محمد صلى الله عليه وسلم

مَنْ خير أمّة أخرجت للنّاس في أمّة محمد صلى الله عليه وسلم

 

أ – قال الله تعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ.. ، وقال تعالى: الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ.. ؛ فأيّ قرن تحقّقت له هذه الشروط تحقّقت له الخيريّة على جميع القرون في هذه الأمّة: 

1 – الإيمان، وهو: الموصوف بالاعتقاد والعقيدة والتّوحيد، وهو: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت للحساب والجزاء، والإيمان بأنّ كلَ شيء بقدر الله تعالى وإرادته. 

و أهمّ وأعظم الإيمان أو الاعتقاد أو العقيدة أو التّوحيد: إفراد الله بالعبادة ونفيها عن غيره، فهو غاية خلق الله الثّقلين كما قال الله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ، وهو ما أرسل الله به كلّ رسله في كلّ زمان ومكان وحال، قال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ.. . 

2 – إقامة الصّلاة وإيتاء الزّكاة وصوم رمضان وحجّ بيت الله الحرام. 

3 – الأمر بالمعروف عامّة والنهي عن المنكر عامّة وفق شرع الله. 

ب – وكانت الأمّة في عهد النّبي صلى الله عليه وسلم خير أمّة أخرجت للنّاس مطلقا، وفيها نزلت الآية الكريمة أعلاه، ثم تلتها الأمّة في عهود الخلفاء الراشدين المهديّين الأربعة رضي الله عنهم وأرضاهم، وقد أمرنا باتّباع سنّتهم، وهي خلافة النّبوّة (30 سنة) فهي خير أمّة أخرجت للنّاس بعد عهد النّبوّة، وكانت الأمّة في عهد معاوية رضي الله عنه (صاحب رسول الله وكاتب الوحي) خير أمّة أخرجت للنّاس بعد الخلفاء الرّاشدين باتفاق فقهاء الأمّة الأوّل، واستمرت الخيريّة في عهود الأمويّين السّبعة رحمهم الله، بعد معاوية، بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم: «لا يزال هذا الدّين قائما حتى يكون عليكم اثنا عشرة خليفة كلهم من قريش» كما في مسند الإمام أحمد وفي صحيحي البخاري ومسلم بألفاظ مختلفة، رحمهم الله جميعا. 

ج – ثم انصرف أكثر العبّاسيّين رحمهم الله إلى إرضاء الشهوات والشبهات، والقتال من أجل الأرض والخراج فيما يظهر منهم، وكانوا أول من أدخل فكر الأعاجم (اليونانيّين) واستعمل الأعاجم (الفرس)، ونشر الفكر المسمّى (علم الكلام)، وأيّد فكر المعتزلة وفرضه على الأمّة، ويقرّر ابن تيمية رحم الله أن بعض المشاهد ظهر أثناء الخلافة العباسيّة، وفي دولة بُوَيْه ظهر المشهد المنسوب لعليّ بن أبي طالب رضي الله عنه في النّجف بالعراق، (مجمع ابن قاسم ج27ص465- 466). 

د – ولعلّ الفاطميّين بين القرن الرّابع والسّادس هم الأكثر نشراً للوثنيّة (المقامات والمزارات والمشاهد والأضرحة وما دونها من البدع في بلاد المغرب والمشرق العربي)، ولعل أشهر أوثانهم في مصر وأولها: وثن سُمّي باسم الحسين رضي الله عنه في القاهرة شُيِّد في النّصف الثّاني من القرن السّادس، أي: بعد موت الحسين رضي الله عنه بأكثر من (500) سنة، كما أنّ الوثن المبني في إمارة البويهيين باسم علي رضي الله عنه في العراق بُنِيَ بعد موته بنحو (300) سنة، (ج27ص446). 

هـ – ولم يتميّز من الأمّة قبل ابن تيميّة رحمه الله أحد بتركيز دعوته على تغيير هذا المنكر البشع والموبقة الكبرى غير ما ذكره ابن تيمية من مبالغة المتوكّل العباسي رحمه الله في إنكاره، (ج27ص465) وذكر رحمه الله من الأوثان في عهده: مشهد العبّاس رضي الله عنه في البقيع بالمدينة، وعلي رضي الله عنه بالعراق، والحسين ونفيسة رضي الله عنهما في مصر، ونوح عليه الصلاة والسلام بلبنان، وهود عليه السلام ومعاويّة رضي الله عنه بدمشق، وأبي بن كعب وأويس القرني وعبد الرّحمن بن عوف وعبد الله بن عمر وخالد بن الوليد رضي الله عنه في بلاد الشام، ولم يَذْكُر آلافاً من الأوثان في الشام والعراق والمغرب والسّودان ومكّة والمدينة، ومن أشهرها: وثن باسم ابن عربي في دمشق وآخر باسم الحسين ويحيى بن زكريا وصلاح الدّين في جامع دمشق وعدد لا يحصيه إلاّ الله باسم الخضر عليه وعليهم السلام، قد تكون أُحْدِثتْ بعده، ولم يكن قصده الحصر بل المثال. وكان أكثر طلاب العلم الشرعي وعلمائه ودعاته قَدْ مَرَدُوا على رؤية هذه الأوثان وما دونها من البدع وعلى السّكوت عن إنكارها بل تقبّلها، وأقرب مثال على ذلك ما ذكره المنفلوطي رحمه الله في نظراته عن تنافس علماء الأزهر على كناسة وثن باسم الشافعي رحمه الله، وما ذكرتُه عن مشاهدتي طواف الأزهريّين على الوثنيّين باسم الحسين والشافعي رضي الله عنهما في مصر، في كلّ مرة وقفت على أحدهما، وهذا السّيّوطي رحمه الله الذي ألّف 600 مؤلّف – فيما يذكر – وكان يطمح إلى رتبة (المجتهد) يذكر عن صلاح الدّين الأيّوبي رحمه الله أنه بنى وثن الشافعي (تاريخ الخلفاء ص385)، ولا أشكّ في صحّة روايته بدليل أن صلاح الدّين رحمه الله لم يُنْكِر (فضلاً عن أن يُغَيِّر) الوثن باسم الحسين في مصر، وكان تحت ولايته عشرات السّنين في ظلّ الفاطميّين وبعد استقلاله بالولاية. بل يقرّ السّيوطيُّ شَيْخَه المحلّيَّ رحمه الله في تفسيرهما الفريد (الجلالين) بأنّ الذين قالوا: ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَاناً رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ هم الكفّار، وأنّ الذين قالوا: لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِداً هم المؤمنون. 

و – وبعد ابن تيمية وتلامذته قليلي العدد (ابن القيّم بخاصّة) لا أعرف من العلماء من جعل أكبر همّه الدعوة إلى ما دعا إليه الرّسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين (الأمر بإفراد الله بالعبادة والنّهي عن الشّرك بالله في عبادته) مثل محمد بن عبد الوهّاب رحمه الله، ونصر الله دعوته بولاية آل سعود منذ عام 1158 هـ إلى هذا اليوم عام 1434، أي: بعد (275) سنة ولله الحمد والمنّة، 

ز – فالجزء الأكبر من جزيرة العرب المباركة التي ولّى الله عليها آل سعود هي في القرون الثلاثة الأخيرة خير أمّة أخرجت للنّاس بعد القرون المفضّلة (في ما أرى) لأنها في كلّ مرحلة من مراحل حكمها الثلاث تميّزت بما يلي: 

1 – هدم أوثان المقامات والمزارات والمشاهد والأضرحة التي أقرّتها كلّ دول المسلمين منذ وُجِدَتْ في عهد العبّاسيّين والبويهيّين والفاطميّين حتى آخر العثمانيّين لا ردّهم الله. 

2 – إزالة البدع التي أُلْحِقَتْ بالدّين في المساجد وخارجها وفي ذكرى الأحداث الدّينيّة (المولد والإسراء والمعراج والهجرة وليلة القدر ونحوها). 

3 – الحكم بما أنزل الله في كلّ مسائل الإعتقاد والعبادة، وفي جلّ مسائل المعاملات، 

4 – الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر من أهمّ مؤسّسات الدّولة. 

5- رايتها تحمل أهمّ ما ميّزها الله بحمله: الشهادتين منذ القرن 12. 

6 – لا تمنح جنسيّتها إلا لمسلم. 

7 – فرض الحجاب على النّساء في التّعليم والعمل. 

8 – الآذان لكلّ صلاة إيذان شرعيّ ونظاميّ بترك البيع واللهو حتى تُقْضى الصلاة. 

9 – خلوُّ أرضها ومساجدها من الأوثان والنُّصُب والتّماثيل. 

10 – لا يُبْنَى مسجد على قبر، ولا يُرْفع قبْرُ كائنٍ من كان عن شِبْر، ولا يشيد ولا يُوضع فوقه إلا التّراب أو الحصباء، ولا يُكتب عليه، ولا يميّز قير عن قبر. 

ح – وإلى القارئ شهادة ثلاثة من المحقّقين (من خارج جزيرة العرب) في التّاريخ وفي الفقه وفي اللغة عمّا عرفوا من الحقّ: 

1) مؤرّخ مصر ومدوّن وقائعها الشيخ عبد الرّحمن الجبرتي رحمه الله (ت1237هـ)، وقال عن جيش المرتزقة بقيادة أحمد طوسون الذي أعدّه والي مصر محمد علي بأمر من السّلطان العثماني محمود بن عبد الحميد للقضاء على دولة ودعوة التّوحيد السّعوديّة: (أين لنا النّصر وأكثر عساكرنا على غير ملّة، وفيهم من لا يتديّن بدين، وصحبتنا صناديق المسكرات، ولا يسمع في عرضينا آذان ولا تقام فيه فريضة ولا يخطر في بالهم شعائر الدّين، والقوم [أي الجيش السّعودي] إذا دخل الوقت أذّن المؤذّن وينتظمون صفوفاً خلف إمام واحد بخشوع وخضوع، وإذا حان وقت الصّلاة والحرب قائمة أذّن المؤذّن وصلّوا صلاة الخوف، فتتقدّم طائفة للحرب وتتأخّر أخرى للصّلاة، وعسكرنا يتعجّبون من ذلك لأنهم لم يسمعوا به فضلاً عن رؤيته) تاريخ الجبرتي ص149 ط. حسين شرف الكتبي. 

2 – الشيخ محمد أبو زهرة (أكبر علماء مصر في النّصف الأخير من القرن 14 هـ): (إذا كان المذهب الجليل (الحنبلي) قد فقد الأتباع في الماضي فإن الله سبحانه وتعالى قد عوّضه في الحاضر، وذلك أنّ (المملكة العربيّة السّعوديّة) تسير حكومتها وأقضيتها وعبادتها (وعقيدتها)، على مقتضى أحكامه. من ذلك تعويضاً كريماً وإخلافاً حسناً، لأنّ (السّعوديّة) تُطَبّق الشريعة الإسلاميّة في كلّ أقضيتها، بل إنّها تطبّق أحكام الحدود والقصاص تطبيقاً صحيحاً كاملاً، فالحدود فيها قائمة ومعالم الشريعة فيها معلنة.. وبذلك قامت دولة الشريعة محكمة البنيان ثابتة الأركان، تعلن للنّاس في كلّ البقاع والأصقاع أنها خير شريعة أخرجت للنّاس وإنّما كان آل سعود حنابلة اعتنقوا في العقائد والفقه مذهب محمد بن عبد الوهّاب وهو يعتنق مذهب ابن تيمية في العقائد والفقه ومذهب ابن تيمية هو مذهب جمهور المسلمين، وهو يمنع التّوسّل والتّقرّب بالموتى ولو كانوا من أهل الصّلاح والتّقوى في حياتهم، ومذهبه في الفقه هو مذهب الإمام أحمد [بن حنبل] مع بعض مسائل أفتى بها ولم يكن مقلّداً لأحد، بل كان متّبعاً لكتاب الله وسنّة رسوله) ابن حنبل، ص308و309ط.دار الفكر العربي – مصر، عام 2008. 

3 – الشيخ محمد بهجت الأثري علاّمة العراق وعضو في مجامع اللغة العربية بدمشق والقاهرة وعمّان والعراق والمغرب، شاعر، أديب، لغويّ، مؤرّخ، وجغرافيّ، ولكن خير ما ميّزه الله به أنّه مُوَحِّد، وكان تلميذاً للألوسي رحمه الله. وقد قرأت للأثري مقالاً يدعو فيه إلى التّوحيد ويبيّن فضل الله على دعوة ابن عبد الوهّاب وآل سعود رحمهم الله وفضله بهم على الأمّة، ونشرها في مجلّة الفكر العربي وعمره نحو 90 سنة، (ولم يكن في مؤسّسة الفكر العربي ولا مجلّتها من يهتمّ بهذا الأمر غيره وغير الأمير خالد الفيصل) يقول رحمه الله عن عرض محمد بن عبد الوهّاب رحمه الله دعوته على أمراء المنطقة في نجد لحمايتها (كما أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم عَرّض نفسه على عبد ياليل فصدّه، وعلى المطعم بن عدي فأجاره، وهما مشركان). (وكأنّ الله ادّخر الخير كلّه لمن هو أهله من أمراء الجزيرة لأمر أراد الله كونه ودوامه، فساقه التّوفيق إلى (الدّرعية) وكم لله من إرادات يكتُبُها لِأَنَاسِيّ ويحرمها أناسيّ آخرين، وكان أمير الدّرعية (محمد بن سعود) غافلاً فاحتضنته السّعادة بقدوم هذا الرّجل العظيم عليه، وكان ذلك قدراً من الله مقدوراً. قذف الله في قلب هذا الأمير الموفّق الإستجابة لما دعاه إليه من دعوته، فبايعه على أن ينصره ويعزّ الإسلام ويحميه، ويعيد إليه رونقه وجلاله وقوّته الفاعلة تحت راية القرآن والسّنّة. وأنشأ الله على يده الدّولة العربيّة السّعوديّة التوحيدية في جزيرة العرب بعد غياب عنها دام أكثر من ألف عام، لتعود جزيرة العرب كما بدأت مركز إشعاع للعالم) داعية التوحيد والتجديد ص 42. 

ط – وإلى القارئ شهادة مؤرّخَيْن للمرحلة الأولى والثّانية من دولة التجديد والتّوحيد والسّنّة: 

1 – الشيخ حسين بن غنّام العلاّمة اللغوي المؤرّخ، من مؤلّفاته: (العقد الثمين في شرح أصول الدّين) و(روضة الأفكار والأفهام) الذي ننقل منه ما يلي، وعاصر الدّولة السّعودية في عهد الإمام عبد العزيز بن محمد آل سعود، وكتب تاريخها إلى عام 1213هـ بما يجمع بين العلم الشّرعي والسّيرة، مثل زاد المعاد لأبن القيّم رحمهما الله. ذكر رحمه الله خروج ابن عبد الوهّاب هارباً من البصرة في العراق، ثم من قريته حريملاء بسبب تهديده بالقتل انتقاماً لما وَجَدَ الناس عليه آباءهم من الضّلال (الوثنيّة فما دونها من معاصي الشهوات والشبهات) ثم ذكر إخراج ابن معمر الشيخ من العيينة خوفاً من رئيس بني خالد فلجأ إلى الدّرعيّة (فلمّا سمع به أميرها محمد بن سعود زاره ومعه أخواه: ثنيّان ومشّاري آل سعود، فعرض عليه الشيخ ما كان عليه الرّسول صلى الله عليه وسلّم وصحبه من الدّين والدّعوة، فقال الأمير يا شيخ إنّ هذا دين الله ورسوله لا شكّ فيه، فابشر بالنّصرة لك ولما أمّرْت به والجهاد لمن خالف التّوحيد) تاريخ نجد لابن غنّام، تحرير وتحقيق ناصر الدّين الأسد، دار الشروق،، ص83-87، (وبقي الشيخ بيده الحل والعقد إلى أن فتح الله عليهم الرياض (عام 1187هـ) فجعل الشيخ الأمر لتلميذه الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود وفوّض أمور المسلمين إليه وانسلخ منها، ولزم العبادة والتعليم، ولكنّ عبد العزيز لم يكن ليقطع أمراً دونه، ولا ينفّذه إلا بأمره) ص89و90. 

3- الشيخ عثمان بن بشر، مؤرّخ معاصر للدعوة والدولة السّعوديّة في آخر المرحلة الأولى في عهد الإمام سعود وابنه عبد الله، والمرحلة الثانية في عهد الإمام تركي بن عبد الله وابنه الإمام فيصل رحمهم الله، من مؤلّفاته، عنوان المجد في تاريخ نجد (مجلّدين) و: سهيل في ذكر الخيل، و: الإشارة في الفلك، و: بغية الحاسب في الحساب، و: فهرس طبقات الحنابلة لابن رجب، (ت1290) قال رحمه الله عن تعاقد الإمام محمد بن سعود والإمام محمد بن عبد الوهاب لتجديد الدّين والدّعوة: (أّخْبرَتْ زوجة الأمير محمد بن سعود وأخوه ثنيّان بوصول ابن عبد الوهّاب رحمه الله الدّرعيّة وصفة ما يأمر به وينهى عنه فوقر في قلوبهم محبّته، فأشارا على الأمير بالذهاب إليه وإظهار توقيره ليسلم من أذى النّاس، فسار إليه الأمير محمد بن سعود رحمه الله في بيت ابن سويلم ورحّب به، وقال: أبْشِر ببلاد خير من بلادك وبالعزّ والمنعة، فقال الشيخ رحمه الله: فأنا أبشرك بالعزّ والتمكين والنصر المبين، فهذه كلمة التوحيد التي دعا إليها الرّسل كلّهم، فمن تمسّك بها وعمل بها ونصرها، مَلك بها البلاد والعباد.. فطلب الأمير من الشيخ المبايعة على ذلك فبايعه) عنوان المجد ص42ط. الدارة. 

ووفى الشيخ والأمير بهذه البيعة على التجديد والتوحيد والسّنّة حتى توفى الله الإمام محمد بن سعود رحمه الله عام 1179 هـ وخلفه ابنه الإمام عبد العزيز بن محمد فسار على نهج أبيه ولما كان من أكبر تلاميذ ابن عبد الوهاب تخلى له عن الولاية عام 1187، ووحد اللهُ به وبابنه الإمام سعود أكثر جزيرة العرب، وهَدَم بهما أوثان المقامات من البصرة والنجف والزبير في العراق إلى عُمان، ومن الخليج إلى البحر، وطهّر بهما مكة والمدينة وما حولهما للطائفين والعاكفين والركع السّجود في عهد عبد العزيز وسعود في أوّل القرن الثالث عشر ثم طهّرها أحفادهما عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود وأبناؤه إلى هذا اليوم. 

ي – وهذه شهادة أكبر هيئة كبار العلماء في المملكة المباركة: 

1- الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله: 

(آل سعود جزاهم الله خيراً كان لهم اليد الطّولى في نصر هذه الدّعوة، فالواجب محبّتهم في الله والدّعاء لهم بالمغفرة والرّحمة ولحاضرهم بالهداية والتّوفيق. والعداء لهذه الدّولة عداء للحقّ، عداء للتّوحيد، أيّ دولة تقوم بالتوحيد الآن من حولنا؟ مصر (السّودان) الشام العراق؟ من يدعو إلى التوحيد الآن ويُحَكِّم شريعة الله ويَهْدِم القبور التي تعبد من دون الله غير هذه الدّولة)؟ (فتاوى علماء الحرمين في الجماعات). وقال رحمه الله، (دعوة محمد بن عبد الوهّاب تستحقّ المزيد من الدّراسة وتبصير النّاس بها، فلا يزال أكثر الناس يجهلون حقيقتها، وقد أثمرت ثمرات لم تحصل على يد مصلح قبله منذ القرون المفضّلة، وترتب عليها مجتمع يحكمه الإسلام ودولة تؤمن بهذه الدّعوة وتنفّذ أحكامها تنفيذاً صافياً نقيّاً في العقائد والأحكام والحدود (والعبادات)، مما جعل بعض المؤرّخين يقرّر: أنّ تاريخ المسلمين بعد عهد الرّسالة (والصّحابة) لم يشهد التزاماً بأحكام الإسلام كما شهدته جزيرة العرب في ظلّ الدّولة السّعودية. ولا تزال هذه البلاد – والحمد لله – تَنْعُم بثمرات هذه الدّعوة أمناً واستقراراً ورغداً في العيش وبُعْداً عن البدع والخرافات التي أضرّت ببلاد المسلمين) مجموع فتاوى ومقالات ابن باز ج 1 ص380- 381. 

2 – الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله: 

(أُشْهد الله تعالى على ما أقول وأُشْهدكم أنّني لا أعلم أنّ في الأرض اليوم من ينفّذ شريعة الله ما تنفّذه المملكة العربية السّعودية.. إنّنا في هذه البلاد نعيش نعمة بعد فقر، وأمناً بعد خوف، وعلماً بعد جهل، وعزّاً بعد ذلّ، بفضل التّمسّك بهذا الدّين، مما أوغر صدور الحاقدين، يتمنّون زوال ما نحن فيه، ويجدون من بيننا للأسف من يستعملونه لهدم الكيان الشامخ بنشر أباطيلهم { يخربون بيوتهم بأيديهم }. (وجوب طاعة السّلطان للعريني ص49). 

3 – الشيخ د. صالح الفوزان أثابه الله: 

(نحن -ولله الحمد- في هذه البلاد (السعوديّة) جماعة واحدة وعقيدة واحدة.. نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، ونحكم بشريعة الله، فالمحاكم مفتوحة للحكم بين النّاس في كلّ المنازعات لا في (ما يُسَمَّى) الأحوال الشخصيّة فقط كما في بلاد (المسلمين) الأخرى، ونحن ولله الحمد ندرّس العلوم الشرعيّة في مدارسنا ومساجدنا (لا ما يُسَمَّى الثقافة الإسلاميّة فقط كما في البلاد الأخرى).. بلادنا ولله الحمد تختلف عن (كلّ بلاد المسلمين الأخرى) بما حباها الله من الخير، من الدّعوة إلى التوحيد وزوال الشرك (والبدع الأخرى) ومن قيام حكومة مسلمة تحكّم الشريعة (منذ أُسّست عام 1158 هـ) إلى وقتنا هذا لا نقول إنّها كاملة من كلّ وجه، لكن هي -والحمدلله- لا تزال قائمة على (الشرع)، فيها أمر بمعروف ونهي عن المنكر وإقامة للحدود، وحُكْمٌ بما أنزل الله. (محاضرات في العقيدة ص81و111).

4 – الشيخ صالح اللحيدان أثابه الله (هذه البلاد (السّعوديّة) قلب الإسلام وحِرْزُهُ تَنْعَمُ بأمور كثيرة لا يوجد لها نظير في العالم، ولا يعني هذا أنّها كاملة بل لها أخطاء ولنا أخطاء، ولكن الحكومة السّعودية خير حكومة على وجه الأرض، ولهذا يجب على كلّ مسلم أن يدعو الله لها بالثبات على الحقّ، والسّبب: أنها باقية (وحدَها) على عقيدة التوحيد الصافية وأنها تقيم حدود الله، حكّام هذه البلاد (السّعودية) لا يشكّ منصف أنهم خير الولاة اليوم، إلاّ من كان ذا هوى أو كان جاهلاً أحوال النّاس). (مفهوم الحكم بالشريعة الإسلاميّة، والعلاقة بين الحاكم والمحكوم، وتطبيق الشريعة الإسلامية، وجريدة المدينة – ملحق الرّسالة 12-2-1425). 

ك – قدّمت فيما سبق شهادة مؤرّخ مصري وعالم مصري لا يُعْرَفان باتباع منهاج السّلف، وقدّمت شهادة أديب عراقي سلفي المعتقد، وقدّمت شهادة أقدم وأكبر مؤرّخي النّجد السّعودي في القرن الثاني عشر والثالث عشر، وشهادة عدد من علماء الأمة المعروفين اليوم. وإلى القارئ الكريم شهادة عدوّ وصديق للدّولة والدعوة المباركة: 

1 – شهادة مخالف للدّولة والدعوة السّعودية: رئيس الجامعة الأزهرية سابقاّ ا.د. محمد البهيّ، وكان أستاذاً للفلسفة (الموصوفة زوراً بالإسلاميّة) في كلّية أصول الدّين بالأزهر، قال في الفصل الرابع من كتابه: (الفكر الإسلامي في تطوّره)، (إنّها تدعو إلى توكيد التّوحيد ونفي الشرك بحيث تقصر العبادة على الله وحده.. ويُفْهَم من معنى العبادة كلّ معنى يقوم على الإحترام، ولو كان بحكم الإلف والعادة)، ولعلّه ظنّ أن إلف وتعوّد دعاء غير الله أو النذر له أو الاستغاثة به تقرّباً إليه واستشفاعاً إليه يَعْذُرُ مقترفي هذا الشرك الأكبر ويُبَرِّئهم منه، وهكذا كان كلّ مشرك منذ قوم نوح: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ . وقال: (تتميّز بأنّها صانت آراء ابن تيمية وعُنِيَتْ بها في القرن الثامن عشر بعد أربعة قرون لم تتلقّ فيها تلك الآراء العناية الكبرى التي لقيتها منها)، وفاته تجاوز الله عنه التنويه بما فعلته الدعوة والدّولة السّعودية من جمع وطبع وتوزيع فتاوى ورسائل ابن تيمية لأوّل مرّة بأمر ونفقة الملك سعود رحمه الله في القرن العشرين (الرابع عشر).. (وهي (دعوة التجديد) تعتبر قنطرة لآراء ابن تيمية مرّت عليها إلى الأجيال القادمة، وتعضيد السّلطة الرّسميّة السّعودية أعطاها قوّة البقاء والاستمرار) بل هي القائمة عليها والمحافظة عليها منذ عام 1187 هـ. ود. محمد البهيّ تجاوز الله عنه- يذمّ الدّعوة والدّولة السّعودية بما هو في الحقيقة أعظم مدح لها فيقول مثلاً: (إنّ دعوتها إلى القرآن والسّنة صاحبها تطبيق عملي يشير إلى أنّها الدّعوة الصّحراويّة على عهد الجماعة الإسلامية الأولى.. لا إلى الإسلام الذي يساوق إلى التّقدّمية في بناء الجماعة)، و(الدّعوة الصّحراويّة على عهد الجماعة المسلمة الأولى هي التي قام عليها النبيّ صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه ومعاوية رضي الله عنهم وإرضاهم ثم التابعون ومن تبعهم في القرون الخيّرة، وليس الإسلام الصحيح (سواء وُصِف بالتقدّمي أو بالرجعي) إلا ما كانوا عليه، وأعظم ما ميّز الله به الدّعوة والدّولة السّعودية تجديد الدّين والدّعوة على ما كان عليه النبيّ وأصحابه والذين اتّبعوهم بإحسان في القرون المفضّلة التي مدحها النّبيّ صلى الله عليه وسلم. وقد ردّ على د. محمد البهيّ تلميذه: د.محمد خليل الهرّاس رئيس قسم العقيدة بالدّراسات العليا بكلّية الشريعة سبقاً بمكّة المباركة. وجزاه الله خيراً على محاولته تصحيح فكر أستاذه ولكن ردّه لم يوفّق كلّ التوفيق وهو في حاجة إلى التّهذيب. 

2 – ولعلّ خير من شهد للدّولة والدّعوة السّعودية: مجدّد الدّين في مصر الشيخ محمد حامد الفقّي (رحمه الله ورفع درجاته في الفردوس من جنّته، وهو مؤسّس جماعة أنصار السّنّة المحمدية عام 1345 وأوّل رئيس لها، وكان سيفاً من سيوف الحقّ على رؤوس المتصوّفة والقبوريّين والخرافيّين) في كتلبه: (أثر الدّعوة الوهّابيّة في الإصلاح الدّيني) بيّن فيه أثر آل سعود في خدمة الإسلام وإحياء السّنّة، رحمهم الله جميعاً. 

————–

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

 

-- سعد بن عبدالرحمن الحصين

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*