الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » السياسة الشرعية للأقليات المسلمة » مقالات وأخبار » العمل الإسلامي في جنوب إفريقيا

العمل الإسلامي في جنوب إفريقيا

علينا جميعًا مسؤولية دعم العمل الإسلامي في جنوب إفريقيا؛ لأن هذه الدولة لا تزال بكرًا

دولة جنوب إفريقيا: الدولة المتقدمة، الأكثر تحضرًا في قارة إفريقيا كلها، والتي تحررت قبل سنوات قليلة من عمر الزمن من التمييز العنصري، هذه الدولة تعتبر أرضًا خصبة للدعوة الإسلامية والعمل الإسلامي بشكل عام، وعلى الرغم من أن المسلمين يمثلون أقلية صغيرة جدًا من مجموع عدد السكان البالغ خمسة وأربعين مليونًا، إذ لا تزيد نسبة المسلمين عن 2%، إلا أن هذه الأقلية المسلمة فاعلة جدًا في مجتمع جنوب إفريقيا وتحظى باحترام الحكومة.

وتلقى كل دعم منها، وتسهل الحكومة الحالية أعمال الجمعيات الإسلامية التي تفتتح بشكل مستمر المعاهد الإسلامية، ومعاهد تحفيظ القرآن وتقيم المؤتمرات الإسلامية القائمة على الحوار بين المسلمين وأصحاب الديانات والمعتقدات الأخرى كالنصرانية والهندوسية، فتجد كل عون ومؤازرة من الجهات الرسمية وغير الرسمية، حتى أن الحكومة تمنح مساحات واسعة من الأراضي الحكومية للجمعيات الخيرية الاسلامية؛ لتقيم عليها معاهدها ومدارسها. 

وقد زرنا عددًا كبيرًا من هذه المعاهد والمدارس منها “المدرسة الإنعامية” في ضواحي مدينة “دربن الساحرة”، وهي مدرسة إسلامية تدرس العلوم الشرعية لأبناء المسلمين في جنوب إفريقيا، كما يفد إليها الدارسون من جميع أنحاء العالم الإسلامي حتى أننا وجدنا طلابًا من المملكة العربية السعودية. 

ويدرس طلابها العلوم الشرعية كلها وعلوم العربية بالطريقة الإسلامية التراثية، إذ تشبه الفصول في هذه المدرسة الحلقات الدراسية القديمة في العالم الإسلامي، ولكنها طورت وحدثت لتوائم متطلبات العصر، ومن المعاهد الإسلامية التي زرناها أيضًا “معهد أبي الدرداء” لتحفيظ القرآن الكريم في ضواحي دربن أيضا، ويدرس فيه أكثر من سبعين طالبًا، وهو تابع للهيئة العالمية لتحفيظ القرآن الكريم التابعة لرابطة العالم الإسلامي بالتعاون مع (هيئة إغاثة جنوب إفريقيا)، ويوفر المعهد لطلابه السكن، كما يوفر الوجبات الغذائية، ويعمل فيه خمسة أساتذة إضافة إلى مدير المعهد.

وقد اجتمعنا بطلاب المعهد من الكبار والصغار، واستمعنا إلى قراءاتهم الجيدة. وما أثار إعجابنا حقًّا أن الأهالي يسجلون أبناءهم في هذا المعهد من المسلمين وغير المسلمين، إذ يحرص كثير من أولياء الطلاب من النصارى أن يسجلوا أبناءهم في هذا المعهد وسواه من المعاهد الإسلامية في جنوب إفريقيا؛ كي يشبوا على أخلاق الإسلام الفاضلة، ويفتخرون بأنهم يحفظون القرآن. 

ومن إنجازات العمل الإسلامي في جنوب إفريقيا التي بهرتنا حقًّا ما قامت به (هيئة إغاثة جنوب إفريقيا) من تسيير قافلة من عشر سيارات مختلفة معبأة بالمؤن والمساعدات الغذائية والطبية من مدينة (دربن) في جنوب إفريقيا إلى غزة، قاطعة مسافة تزيد عن عشرة آلاف كيلو متر، ومتجاوزة تسع دول من جنوب إفريقيا إلى شمالها، ومتحدية كل الصعوبات والمخاطر والتعقيدات في هذا الطريق الطويل، ويذكر أن هذه الرحلة قد استمرت لمدة شهرين كاملين، وتخللها توزيع لمساعدات كثيرة للمسلمين في كل الدول التي مرت بها القافلة حتى وصلت القافلة بسلام إلى غزة، وسلّمت أهل غزة السيارات بحمولتها كاملة، علمًا بأن قيمة السيارات وحدها تصل إلى ثلاثمائة ألف دولار، أي ما يزيد عن مليون ريال، أما حمولاتها فتصل قيمتها إضافة إلى المساعدات النقدية إلى ستمائة ألف يورو، أي ثلاثة ملايين ريال، بمعنى أن قيمة المساعدات زادت عن مليون دولار، وقامت على جهود فردية في رحلة شاقة طويلة، وكان ذلك عام 2011م.

ولعل أبرز الهيئات الإسلامية العاملة في جنوب إفريقيا حاليًا هي هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية التي افتتحت مؤخرًا مكتبًا لها في جنوب إفريقيا؛ ليكون مكتبًا إقليميًا للجنوب الإفريقي كله الذي يضم عشر دول، ويرأس المكتب اليوم واحد من أبرز رجال العمل الإسلامي في جنوب إفريقيا هو الشيخ وليد السعدي وهو نفسه الذي قاد الحملة التي ذكرتها إلى غزة. 

وهو صاحب خبرة طويلة في العمل الإسلامي في جنوب إفريقيا وتربطه بكبار المسؤولين روابط الاحترام والتقدير، إضافة إلى علاقاته المتميزة في كل الدول الإفريقية. وقد نظم برنامج القرآن الكريم والدعوة بالهيئة بالتعاون مع مكتب الهيئة في جنوب إفريقيا مؤتمرًا بعنوان “نبيّ المحبة والألفة” خصص لعرض سيرة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم بأسلوب عصري متقدم، وشارك في المؤتمر علماء بارزون من العالم الإسلامي يتقدمهم فضيلة الدكتور محمد المختار آل نوح مدير برنامج القرآن الكريم والدعوة بهيئة الإغاثة، والدكتور فاضل سليمان صاحب الخبرة الطويلة والمؤلفات في مقارنة الأديان. 

وتخلل المؤتمر حوار مع مجموعة كبيرة من القساوسة ورجال الدين من أديان مختلفة. وعلينا جميعًا مسؤولية دعم العمل الإسلامي في جنوب إفريقيا؛ لأن هذه الدولة لا تزال بكرًا، ويمكن أن يحقق الإسلام فيها مزيدًا من الانتشار والنجاح.

Moraif@kau.edu.sa

—————–

نقلاً عن المدينة 

-- أ. د. محمد خضر عريف

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*