الأحد , 4 ديسمبر 2016

لمسلمي ميانمار ربٌ يحميهم

بورما هي دولة تسمى أيضا ميانمار وهي إحدى دول شرق آسيا وتقع على امتداد خليج البنغال . يحدّها من الشمال الصين، ومن الجنوب خليج البنغال، ومن الشرق الصين وجمهورية تايلاند، ومن الغرب خليج البنغال وبنجلاديش، ويسكن أغلبية المسلمين في إقليم أراكان الجنوب الغربي لبورما، ويفصله عن باقي أجزاء بورما حد طبيعي هو سلسلة جبال “أراكان يوما” الممتدة من جبال الهملايا ،

وتقدر مساحتها بأكثر من 261.000 ميل مرّبع، وتقدر مساحة إقليم أراكان قرابة 20.000 ميل مربع 

يبلغ عدد السكان ببورما حوالي (55) مليون نسمة، يمثل  المسلمين منهم نسبة  لا تقل عن 15% من مجموع السكان نصفُهم في إقليم أراكان – ذي الأغلبية المسلمة .

ويختلف سكان بورما من حيث التركيب العرقي واللغوي بسبب تعدد العناصر المكونة للبلاد، ويتحدث أغلب سكانها اللغة البورمانية ويطلق على هؤلاء “البورمان” وأصلهم من التبّت الصينية وهم قبائل شرسة، وعقيدتهم هي البوذية، هاجروا إلى المنطقة “بورما” في القرن السادس عشر الميلادي ثم استولوا على البلاد في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي وهم الطائفة الحاكمة، وباقي السكان يتحدثون لغات متعددة، ومن بين الجماعات المتعددة جماعات أراكان، ويعيشون في القسم الجنوبي من مرتفعات أراكان بورما وجماعات الكاشين.

يعيش حوالي 75 % من سكان بورما على الزراعة ويعمل بها 43% من القوة العاملة، وأبرز حاصلاتها الأرز، وهو الغذاء الأساسي لمعظم سكانها، ويفيض عن حاجتها وتصدر منه كميات كبيرة، وتحتل المكانة الرابعة في تصدير الأرز بين دول العالم إلى جانبه يزرع الذرة والبذور الزيتية، ثم المطاط وقصب السكر والشاي، وتشغل الغابات مساحة واسعة تزيد على نصف مساحة، البلاد ولهذا يعدّ الخشب الجيد من أهم صادراتها، هذا إلى جانب بعض المعادن مثل الرصاص والأنتيمون والبترول، حيث دخلت البلاد في سلك الدول التي بها مخزون نفطي .

الإسلام في بورما

وصل الإسلام إلى أراكان في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد “رحمه الله” في القرن السابع الميلادي عن طريق الرحالة العرب حتى أصبحت دولة مستقلة . وحكمها  48 ملكاً مسلماً على التوالي، وذلك لأكثر من ثلاثة قرون ونصف القرن، أي ما بين عامي (834 هـ – 1198، 1430م – 1784م)، وانتشر الإسلام في كافة بقاع بورما وتوجد بها آثار إسلامية رائعة، من المساجد والمدارس والأربطة منها: مسجد “بدر المقام” في أراكان وهو مشهور، ويوجد عدد من المساجد بهذا الاسم في المناطق الساحلية في كل من الهند وبنغلاديش وبورما وتايلاند وماليزيا وغيرها، وأيضا مسجد “سندي خان” الذي بني في عام 1430م وغيرها.

الاحتلال البوذي لأراكان 

في عام 1784م احتل أراكان الملك البوذي البورمي”بوداباي”، وضم الإقليم إلى بورما خوفاً من انتشار الإسلام في المنطقة، فأخذ يخرب ممتلكات المسلمين، ويتعسف في معاملتهم؛ فامتلأت السجون بهم وقتل من قتل، ورحل الكثيرون، لقد دمّر “بوداباي” كثيراً من الآثار الإسلامية من المساجد والمدارس، وقتل الكثير من العلماء والدعاة، واستمر البوذيون البورميون في اضطهاد المسلمين ونهب خيراتهم وتشجيع البوذيين  على ذلك خلال فترة احتلالهم التي ظلت لأربعين سنة انتهت بمجيء الاستعمار البريطاني، في العام 1824م، فقد احتلت بريطانيا بورما، وضمتها إلى حكومة الهند البريطانية الاستعمارية.

وفي عام (1937م) جعلت بريطانيا ميانمار مع أراكان مستعمرة مستقلة عن حكومة الهند البريطانية الاستعمارية كباقي مستعمراتها في الإمبراطورية آنذاك، وعُرفت بحكومة ميانمار البريطانية.

واجه المسلمون الاستعمار الإنجليزي بقوة مما جعل بريطانيا تخشاهم، فبدأت حملتها للتخلّص من نفوذ المسلمين باعتماد سياساتها المعروفة (فرِّق تَسُد)  فعَمَدَتْ على تحريض البوذيين ضد المسلمين، وأمدّتهم بالسلاح حتى أوقعوا بالمسلمين مذبحةً عام 1942م فتكوا خلالها بحوالي مائة ألف مسلم في أراكان !

وفي عام 1948م منحت بريطانيا الاستقلال لميانمار شريطة أن تمنح لكل العرقيات الاستقلال عنها بعد عشر سنوات إذا رغبت في ذلك، ولكن ما أن حصلوا على الاستقلال حتى نقضوا عهودهم، ونكثوا وعودهم، واستمروا في احتلال أراكان بدون رغبة سكانها من المسلمين (الروهنجيا) والبوذيين (الماغ) أيضاً، وقاموا بأبشع الممارسات ضد المسلمين.

ولم تتغير أحوال المسلمين الروهنجيا، بعد الانتخابات التي جرت في نوفمبر 2010م، حيث مازال مخطط إخراج المسلمين من أراكان موجوداً، وقد نجحت هذه الممارسات في تهجير 3ـ 4 مليون مسلم حتى الآن ومئات آلاف القتلى .

أحوال المسلمين في بورما 

يتعرض المسلمون في “أراكان” للطرد الجماعي المتكرر خارج الوطن مثلما حصل عقب الانقلاب العسكري الفاشي حيث طرد أكثر من 300.000 مسلم إلى بنغلاديش. وفي العام 1978م طرد أكثر من 500.000 أي نصف مليون مسلم، الآن يعيشون في أوضاع قاسية جداً، مات منهم قرابة 40.000 من الشيوخ والنساء والأطفال حسب إحصائية وكالة غوث اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، وبالطبع حياتهم محاطة بالمشكلات مع البنغاليين الفقراء وسط موارد محدودة، وفقر بلا حدود، وكل هذا لا يعلم عنه المسلمون في العالم شيئا، وإن علموا وقفوا مكتوفي الأيدي .

وفي العام 1988م تم طرد أكثر من 150.000 مسلم، بسبب بناء القرى النموذجية للبوذيين في محاولة للتغيير الديموغرافي، وأيضا في العام 1991م تم طرد قرابة 500.000 أي نصف مليون مسلم، وذلك عقب إلغاء نتائج الانتخابات العامة التي فازت فيها المعارضة بأغلبية ساحقة انتقاماً من المسلمين، لأنهم صوتوا مع عامة أهل البلاد لصالح الحزب الوطني الديمقراطي NLD المعارض، ومن الإجراءات القاسية للنظام القائم كذلك إلغاء حقّ المواطنة للمسلمين؛ حيث تم استبدال بطاقتهم الرسمية القديمة ببطاقات تفيد أنهم ليسوا مواطنين، ومن يرفض فمصيره الموت في المعتقلات وتحت التعذيب أو الهروب خارج البلاد، وهو المطلوب أصلاً.

أشكال مفجعة لاضطهاد المسلمين :

يحرم أبناء المسلمين من مواصلة التعلم في الكليات والجامعات، إمعانا في نشر الأمية، وتحجيمهم وإفقار مجتمعاتهم ومن يذهب للخارج يُطوى قيده من سجلات القرية، ومن ثم يعتقل عند عودته، ويرمى به في غياهب السجون، إضافة لحرمانهم من الوظائف الحكومية مهما كان تأهيلهم، حتى الذين كانوا يعملون منذ حقبة الاستعمار أو القدماء في الوظائف أجبروا على الاستقالة أو الفصل التعسفي، إلا عمداء القرى وبعض الوظائف التي يحتاجها العسكر فإنهم يعيِّنون فيها المسلمين بدون رواتب، بل على نفقتهم ويدفعون تكاليف المواصلات للعسكر واستضافتهم عند قيامهم بالجولات التفتيشية للقرى، ويضاف لذلك منعهم من السفر إلى الخارج حتى لأداء فريضة الحج إلا إلى بنغلاديش ولمدة يسيرة، ويعتبر السفر إلى عاصمة الدولة “رانغون” أو أية مدينة أخرى جريمة يعاقب عليها، وكذا عاصمة الإقليم والميناء الوحيد فيه مدينة “أكياب”، بل يمنع التنقل من قرية إلى أخرى إلا بعد الحصول على تصريح.

ولا يسمح للمسلمين باستضافة أحد في بيوتهم ولو كانوا أشقاء أو أقارب إلا بإذن مسبق، وأما المبيت فيمنع منعاً باتاً، ويعتبر جريمة كبرى ربما يعاقب بهدم منزله أو اعتقاله أو طرده من البلاد هو وأسرته، كما تفرض عقوبات اقتصادية مثل: الضرائب الباهظة في كل شيء، والغرامات المالية، ومنع بيع المحاصيل إلا للعسكر أو من يمثلهم بسعر زهيد لإبقائهم في فقرهم المدقع، أو لإجبارهم على ترك أراضيهم وممتلكاتهم.

وفي الآونة الأخيرة تُكثّف الدولة برامج تحديد النسل فيما بين المسلمين، حيث أصدرت قرارات تنص على أنّ “المرأة المسلمة لا يُمكن زواجها إلا بعد أن تبلغ 25 سنة من عمرها، بينما لا يُسمح للرجل بالزواج إلا بعد مرور 30 سنة من عمره، ولا يُمكن الزواج إلا بعد الحصول على التصريح المكتوب من إدارة قوّات الأمن الحدودية ” ناساكا ” والذي لا يُعطي إلا إذا توافرت الشروط وهي : تقديم الطلب مع الصّورة الفوتوغرافية لكلّ من العريس والعروس إلى ” ناساكا” للفحص والتأكّد على عمرهما، وأنّهما هل راضيان ومـؤهلان للزواج أم لا؟ وعلى الرغم من الانتهاء من جميع هذه الإجراءات فإنّ ” ناساكا ” لا تسمح بالزواج إلا بعد تقديم الرشوة بمبلغ كبير يرضيها، والذي لا يَقْدر الجميع على تسديده، كما أنّها لا تسمح في سنة كاملة لأكثر من عشرين أسرة بالزواج في القرية التي تتكوّن من ألفي أسرة على أقلّ التقدير، فإذا خالف أحد هذا القرار المرير فعقوبته تفكيك الزواج والاعتقال لمدّة ستّة أشهر وغرامة (50.000) “كيات” بورمي.

وهناك  قرار يَهزّ مشاعر المسلمين وانطباعاتهم، ويُهدّد كيانهم ووجودهم؛ والذي لا يوجد له نظير في تاريخ الإنسانية، فهذا القرار الشنيع ينصّ على إحضار المرأة المسلمة الحامل إلى قاعدة إدارة قوّات الأمن الحدودية “ناساكا ” لأخذ صورتها الملوّنة كاشفة بطنها بعد مرور كلّ شهر حتّى تضع حملها، وفي كلّ مرّة لا بدّ من دفع الرسوم بمبلغ كبير، وذلك للتأكّد ـ كما تقول السلطة ـ على سلامة الجنين، ولتسهيل إحصائية المولود بعد الولادة، ولكنّ لسان الواقع يُلحّ بأنّ الهدف من إصدار هذا القرار المرير هو الاستهتار بمشاعر المسلمين، وتأكيدهم على أنّه ليس لهم أيّ حقّ للعيش في أراكان بأمن وسلام.

وفي ظلّ أجواء من عدم الاستقرار الأمني والديني والاجتماعي للمسلمين في بورما بيد السلطة البوذية العسكرية التي تتخذ وتّطبّق قرارات وخطوات شنيعة ومفجعة تهدف إلى القضاء على مشاعر المسلمين وطَمْس شعائرهم ومسخ ثقافتهم وتراثهم، فإنّ السلطة تقدّمت على إصدار قرار يمسّ مشاعر المسلمين وهو : حظر تأسيس مسجد جديد، وعدم إصلاح وترميم المساجد القديمة، وتدمير المساجد التي تمّ بناؤها أو إصلاحها في خلال عشر سنوات المنصرمة في إقليم أراكان، وبموجب هذا القرار فإنّ السلطة هدمت إلى الآن أكثر من 72 مسجداً .

وكذلك قام المشاغبون البوذيون بشنّ الهجوم على المسلمين في مدينة تونجو على مقربة من عاصمة رانغون، بإثارة وتعاون السلطة العسكرية، ممّا أدّى إلى استشهاد عشرات من المسلمين، ودمّرت أربعة مساجد.

كما أصدرت السلطة قراراً بأنّ العاملين والموظفين في الحكومة لا يُسْمح لهم بإطلاق لحاهم وارتداء الزى الإسلامي في الدوائر الرسمية وكلّ من لا يمتثل لهذا الأمر يُفْصل من الوظيفة، وفعلاً تمّ العمل بهذا القرار، وأُعفي المسلمون من الوظيفة لاقترافهم جريمة عدم الامتثال لأمر السلطة بحلق الّلحى وعدم ارتداء الزى الإسلامي.

هل من مستجيب ؟!

إنّ قضيّة مسلمي بورما تُشكّل محنة كبيرة، وهي كارثة إنسانية بكاملها، وجريمة عظيمة في حقّ المجتمع الدولي وضدّ القانون الدولي، وإنّ إبادة جنس بشري أو فئة معيّنة داخل بورما لا يُعتبر شأناً داخليّاً يخصّ بورما وحدها ؛ بل هو يستدعي اهتمام وعناية الجميع في العالم، لأنّه يتعلّق بحقوق الإنسان التي لحمايتها أعلنت هيئة الأمم المتحدة وثيقة دولية قبل نصف قرن من الزمان .

فهؤلاء المستضعفون في بورما من الرجال والنساء والولدان يَصْرخون ويستنصرون بالأمّة الإسلامية حكومات وشعوباً، الذين قال فيهم الرسول صلى الله عليه وسلّم : “مثل المسلمين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم كجسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسّهر والحمّى”، ويُناشدون المسلمين في العالم أن يقفوا بجانب مسلمي بورما، وأن يقوموا بأخذ الإجراءات الّلازمة لوقف العمليّات العُدوانية التي تمارسها بورما ضدّ مسلمي بورما. وأنْ يُمارسوا كافّة الأساليب السياسية والدبلوماسية والاقتصادية لحماية مسلمي بورما من بطش السلطة العسكرية البوذية.

———— 

المصدر: “موقع برق”

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*