الخميس , 8 ديسمبر 2016

محنة المسلمين في المجر

يعيش في المجر اليوم أكثر من عشرين ألف مسلم، معظمهم من الوافدين من العالم العربي، وبشكل خاص من اليمن وبلاد الشام ومصر والعراق، ويكثر من بينهم التجار والطلبة والأكاديميون. ويأتي هذا الوجود المحدود، الذي لا يمثِّل أكثر من اثنين في الألف من سكان البلاد، امتداداً عسيراً لألف عام من الوجود الإسلامي في المجر. فثمة دلائل على أنّها ضمت ثلاثين بلدة مسلمة قبل ألف سنة، دخولها في نطاق الدولة العثمانية أواسط الألفية الثانية للميلاد إيذاناً بتحولها إلى واجهة متقدمة للعالم الإسلامي في قلب أوروبا. وقد تحدث ياقوت الحموي في “معجم البلدان” عن مسلمي المجر – الباشغرد – الذين تعرّف إليهم في العام 626 للهجرة، وروى قصة اعتناقهم للإسلام بعد أن أُعجبوا به، وكيف أنهم يتوزعون على ثلاثين قرية، ويبلغ عددهم مائة ألف نسمة. وترى الباحثة المجرية المسلمة أندريا نوار في تعليق لوكالة “قدس برس” أنّ هذه المؤشرات تنطوي على أهمية بالغة، بما تكشف عنه من الامتداد العريق لمسلمي المجر الذي يعود إلى أكثر من ألف سنة. وتشير من جانبها إلى أنّ الباشغرد الذين جاءوا إلى المجر من بلغاريا الواقعة إلى الشرق لم يكونوا وحدهم الذين اتصلوا بالمجر من المسلمين، فقد توافد إليها في القرن السادس الهجري مسلمون من الأندلس والمغرب، سعياً لنشر الإسلام فيها، وهو ما أكده أبو حامد الغرناطي في كتابه “تحفة الألباب ونخبة الآداب”، فيما تشير إلى اندماج أعداد من المجريين المسلمين في العالم الإسلامي، واتخاذ قرية لهم في النوبة بعد أن شاركوا بفعالية ضمن القوات العثمانية. وجاء التحوّل الأهم في أوج صعود الدولة العثمانية التي امتدت رقعتها بالتدريج في البلقان وصولاً إلى المجر التي تمثل قنطرة العبور من شرق أوروبا إلى وسطها وغربها. وشهد القرن السادس عشر التحول الأهم، عندما تمكّن السلطان سليمان القانوني من الانتصار على المجر، ليدخل عاصمتها بودابست. وبذلك لم تصبح المجر ولاية عثمانية وحسب، وإنما باتت بلداً حافلاً بالمعالم الإسلامية ومنشآت العلوم والصناعة والحضارة أيضاً. وتزايد تعداد المسلمين في هنغاريا خلال ذلك ليبلغ نحو ربع المليون نسمة مع نهاية العهد العثماني. لكنّ مصير هؤلاء المسلمين لم يكن وردياً، فنحو مائة ألف مسلم في المجر وفق تقديرات العام 627 للهجرة، أي في عهد ياقوت الحموي، قد أُجبروا على اعتناق النصرانية في النصف الأول من القرن الثامن للهجرة. وأما ربع المليون مسلم الذين كانوا يعيشون في أكناف هذه الديار في أواخر العهد العثماني فقد طالتهم سكين الإبادة وطاردهم سوط التهجير القسري لتتبقى منهم مئات قليلة وحسب، سرعان ما ذابت في حوامض المجتمع الرافض للآخر المسلم. ومن المؤسف أن تفقد هذه البلاد التي تجمع بين بهاء الطبيعة وعراقة التاريخ معالمها الحضارية الكبرى التي تشير إلى العهد الإسلامي. ففي محاولة لشطب صفحة الوجود الإسلامي بالكامل من الذاكرة الجمعية؛ طالت معاول التدمير مساجد بودابست التي بلغ عددها في أواخر القرن السابع عشر 83 مسجداً، منها 22 مسجداً جامعاً، ولم يكن مصير عشر مدارس إسلامية كانت تحتضنها العاصمة المجرية مع نهاية العهد العثماني بأفضل حالاً. وإذا كانت المجر تحفل في الأصل بالمعالم الإسلامية والشواهد على التعايش الحضاري مع الإسلام، فإنها آلت إلى حالة مروعة من التدمير والطمس، بما يجعل التعرف اليوم ممكناً على القليل منها فقط. وتثير جولة على ما تبقى من المساجد في ربوع البلاد إلى إثارة تداعيات محزنة، فقد آل مسجد في بودابست إلى مأوى للفيلة، ومرتع للسائحين. فالمسجد ذو القباب الزرقاء والمئذنة البديعة، والذي يقع حالياً في نطاق حديقة حيوانات العاصمة المجرية، حولته إدارة الحديقة إلى دار للفيلة، فيما جعلت من المئذنة برجاً للاستطلاع السياحي. وأما في مدينة بيتش، الواقعة في أقصى جنوب البلاد، فإنّ مسجداً مهيباً فيها ما زال يعاني من الانتهاك لحرمته، وفرض الرموز المسيحية عليه. إذ أضيف صليب بارز فوق الهلال الذي يعلو القبة الخضراء للمسجد التاريخي، فيما عُلِّق صليب ضخم فوق محرابه الذي يضم نقوشاً عربية هي عبارة عن كلمة التوحيد. وتم تحويل هذا المسجد إلى متحف يتضمن صوراً مزعومة للرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم. وفي العصر الحديث، اضطلع المستشرقون بدور هام وحساس في تقديم صورة عن الإسلام والشرق الإسلامي للنخبة المجرية، فيما تشكل الوجود الإسلامي الجديد في المجر عن طريق البعثات الطالبية من الدول العربية وتبعاً لتزايد اعتناق الإسلام. ولكن هامش الحريات الدينية المتاح حتى العام 1989 لم يكن ليفسح المجال أمام نمو بوادر للحضور الديني الإسلامي، الذي اقتصر خلال ذلك العهد على بعض النشاطات الثقافية والاجتماعية في الأطر الطالبية العربية. وإثر الانفتاح الديمقراطي افتتحت عدد من المصليات في مدن المجر، فيما تم تسجيل جمعيات إسلامية، وأصبح بالإمكان القيام بالفعاليات العامة بلا ملاحقة من جانب الشرطة السرية. وانطلاقاً من مدينة بودابست، التي كانت مدينة إسلامية قبل قرون، تعمل حالياً عدد من الجمعيات والمؤسسات الإسلامية الصغيرة، مثل “جمعية القلم المجرية”، و”جمعية التبادل الثقافي في المجر”، و”جمعية دار السلام الخيرية”، علاوة على “الجمعية الإسلامية المجرية”. وتأسست هذه الجمعيات في غضون السنوات العشر الماضية، وفي العام 2000 تأسست في مدينة بيتش الواقعة جنوب البلاد “جمعية المنارة”. وتُقام الصلوات في مساجد قليلة لا تغطي أراضي البلاد التي تتوزع على 19 مقاطعة تفترش 93 ألف كيلومتراً مربعاً. ففي بودابست يوجد مسجدان صغيران، وهناك مسجد في كل من مدينة سجد، ومدينة ميشكولت، فيما تقام صلاة الجمعة وحدها في مسجد تاريخي بمدينة بيتش جرى تحويله إلى مزار سياحي ومتحف ونشرت الصلبان قسراً في أروقته. كان من الظواهر التي شهدتها المجر في أعقاب الانفتاح الديمقراطي انتعاش الإقبال على اعتناق الدين الإسلامي. وكان من المستغرب بالنسبة للمراقبين أن يعتنق المئات من الفتيات والشبان الدين الإسلامي دون جُهد يُذكر من جانب المسلمين. وبذلك تحول الزي الإسلامي إلى مشهد مألوف في أروقة الجامعات المجرية، في إشارة على إقبال الشريحة الطالبية على الدين الإسلامي. ولا ينفي ذلك وجود إرث ثقيل من التحامل على الإسلام، مستقر في الذاكرة التاريخية للأمة المجرية، لكنّ المؤثرات الإسلامية تبدو حاضرة في التراث والآثار والقطع النادرة التي تشير إلى اتصال ملوك المجر مع العالم الإسلامي. أما أبرز التحديات التي تواجه مسلمي المجر فيتمثل في إحياء اعتراف الدولة بالإسلام وبالمجموعة الدينية المسلمة. ويعود الاعتراف المجري بالدين الإسلامي إلى بدايات القرن العشرين، لكن العقود التي تلت ذلك أهالت التراب على هذا الاعتراف عملياً. ويقول السيد فتح الله نوار، الذي يدير جمعية القلم المجرية، معلقاً على ذلك “الأصل أنّ المجر تعترف بالدين الإسلامي، إلاّ أنّ هناك غموضاً في كيفية إنزال هذه المسألة على أرض الواقع”، ويُبدي عشرون ألف مسلم في المجر حزناً على عشرات المساجد والمدارس والمعالم الإسلامية في البلاد، بعد أن تم إحراقها وهدمها أو طمسها بعد العام 1686؛ ولكنّّ مكسباً هاماً تحقق في السنوات الأخيرة بضم القليل المتبقي منها إلى قائمة المنشآت التاريخية المُصانة من العبث بموجب القانون، لكنّ المسلمين يأملون في عودتها إلى وضعها الطبيعي الذي تقتضيه الحياة في رحاب الحرية الدينية والأجواء الديمقراطية. المجر .. ولاية إسلامية شهد القرن السادس عشر التحول الأهم، عندما تمكّن السلطان سليمان القانوني من الانتصار على المجر، ليدخل عاصمتها بودابست. وبذلك لم تصبح المجر ولاية عثمانية وحسب، وإنما باتت بلداً حافلاً بالمعالم الإسلامية ومنشآت العلوم والصناعة والحضارة أيضاً. وتزايد تعداد المسلمين في هنغاريا خلال ذلك ليبلغ نحو ربع المليون نسمة مع نهاية العهد العثماني. ولكن السؤال الكبير الذي سرعان ما يتردد في الأذهان يتعلق بالمصير الذي آل إليه هذا الوجود الإسلامي العريض في المجر. بدورها لا تفضل المطبوعات السياحية التي تقدم لمحة عن المجر لزائريها أن تتطرق إلى هذا المفصل الحساس في تاريخ البلاد، بينما تؤكد المصادر التاريخية أنّ مسلمي المجر قد سُفكت دماؤهم وأنزلت بهم ألوان العذاب. فنحو مائة ألف مسلم في المجر، وفق تقديرات العام 627 للهجرة، أي في عهد ياقوت الحموي، قد أُجبروا على اعتناق النصرانية في النصف الأول من القرن الثامن للهجرة. وأما ربع المليون مسلم الذين كانوا يعيشون في أكناف هذه الديار في أواخر العهد العثماني فقد طالتهم سكين الإبادة وطاردهم سوط التهجير القسري لتتبقى منهم مئات قليلة وحسب، سرعان ما ذابت في حوامض المجتمع الرافض للآخر المسلم

-- خاص بالسكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*