الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016

المسلمون في ساحل العاج

ظلم مسلموا ساحل العاج ثلاث مرات، الأولى عندما استقلت البلاد عام 1960م وتم حرمان الأغلبية الإسلامية من كافة المناصب والوظائف رغم أنهم يسيطرون على الاقتصاد العاجي، ويشكلون غالبية السكان (60%)، ويصل تعدادهم إلى 10 مليون نسمة من إجمالي عدد السكان البالغ تعدادهم 17 مليون نسمة، بينما يشكل الكاثوليك 20% والبروتستانت (5%)، والوثنيين 15%.وجرى ظلمهم مرة ثانية في السنوات الأخيرة عندما طالبوا بحقوقهم في إدارة البلاد، والاشتراك في الانتخابات، فكان جزاؤهم الإضطهاد وسفك دماءهم، وحرق مساجدهم، ونهب منازلهم، وعندما قاوم المسلمون وحملوا السلاح للدفاع عن أنفسهم في وجه حكومة مسيحية، ظلمهم الإعلام للمرة الثالثة واصفًا إياهم بالمتمردين والإرهابيين.

وكأن القدر قد أراد للإسلام منذ دخوله ساحل العاج أن يظل في حروب مع غير المسلمين، فتارة تدور الحروب مع الوثنيين، وتارة أخرى مع الاستعمار، وتارة ثالثة مع أذناب الاستعمار الحاليين؛ وذلك لأن المسلمين كانوا وما زالوا يسكنون على ثغور المسلمين في غرب أفريقيا، يحيط بهم المسيحيون والوثنيون من الجنوب مما جعلهم في خط المواجهة الأول، وجعل ديارهم موطنًا للحرب والقتال.

يعود تاريخ دخول الإسلام إلى ساحل العاج إلى ارتحال التجار المسلمين للتجارة في المنطقة غرب أفريقيا التي تشمل حاليًا: السنغال وناميبيا وغينيا ومالي والنيجر، وما أن حل القرن السابع الهجري (الحادي عشر الميلادي) حتى أسلم زعماء القبائل في البلاد الواقعة الآن في السنغال ومالي والنيجر ، حيث يذكر المؤرخ البكرى أن حكام مملكة غاو (شمال مالي) كانوا من المسلمين، رغم أن أغلبية الشعب يعتنق الوثنية.

وشيئا فشيئا توغل التجار المسلمون جنوبا في مملكة غانة الوثنية للحصول على العاج المستخرج من سن الفيل من ساحل العاج، حيث شاهدت القبائل الوثنية المسلمون وهم يؤدون الصلاة، مما أثار دهشتهم، ودفعهم للتعرف على الإسلام، وأرجعوا السر في ثراء التجار المسلمين إلى الكتاب الذي يصطحبه التجار معهم في كل مكان، ويقرءونه كثيرا، وهو القرآن الكريم، فأقبلت القبائل على اعتناق الإسلام، وأصبحت ملكة غانة تضم جالية إسلامية كبيرة.

ولعبت أخلاق المسلمين وما عرف عنهم من أمانة وصدق إلى اعتماد الملوك الوثنيين عليهم في إدارة الشؤون المالية والإدارية للمملكة، حتى أصبح في عاصمة المملكة شطرًا يخص المسلمين وحدهم، تقام فيه الصلاة والشعائر الإسلامية.

وبعد فترة تمكنت قبائل الماندينجو في شمال ساحل العاج من الإستقلال عن مملكة غانة، ثم القضاء عليها نهائيا عام 125م، وسرعان ما توسعت وشكلت مملكة مالي (بوركينافاسو ومالي حاليًا) مدينة نيناني في شمال شرق دولة غينيا الحالية المجاورة لساحل العاج.وأصبح الإسلام دينًا رسميًا لدولة مالي منذ عام 1050 ميلادية حسب رواية ابن خلدون. وأول من دخل الإسلام من ملوكها هو الملك “برمندانة”.

الماندنيجو يعلنون الجهاد :

جاء اعتناق قبائل الماندنيجو للإسلام ليمثل انقلابا تاريخيا في تاريخ منطقة غرب أفريقيا، حيث بذل رجال القبائل الكثير في سبيل نشر الدعوة الإسلامية، إذ عُرفت قبائل الماندنيجو، بحماسها الشديد للإسلام، وخرج منها الدعاة والمتصوفون للدعوة للإسلام في وسط الوثنيين في ساحل العاج والبلاد المجاورة، وتمكنت مملكة مالي الإسلامية بقيادتهم من السيطرة على شمال ساحل العاج حاليًا، وبلغت سيطرة قبائل الماندنيجو المسلمة على الغرب الأفريقي في عهد السلطان منسا موسى 1337م والذي أغدق العطاء للفقهاء والعلماء. كما اشتهر عن ملوك مملكة مالي الإسلامية الحج إلى الكعبة المشرفة.

أخذت مملكة مالي في الضعف عقب انشقاق مملكة صنغاي في الشرق عام 1350م، ثم تعرضت جنوب مالي للغزو على أيدي قبائل الموسى الوثنية، وبحلول عام 1670م لم يعد لدولة مالي أي وجود، ولم تعد هناك دولة قوية تحافظ على الإسلام وترعاه؛ لذلك خلط المسلمون العادات الوثنية بشعائر الإسلام، في حين ابتعد مركز دولة صنغاي الإسلامية عن ساحل العاج نهائيا.

إعادة البناء وقدوم الاستعمار :

لم يستطع الإسلام الإنتشار في جنوب ساحل العاج بسبب وجود الغابات الكثيفة التي تفصل بين الشمال المسلم والجنوب الوثني، كذلك بعد عواصم الممالك الإسلامية عن ساحل العاج.

وفي الوقت الذي ظهرت السفن الأوروبية على سواحل ساحل العاج، كانت القبائل الوثنية في الداخل مشغولة بصراعاتها الداخلية، ظهر في الداخل عام 1835م أحد المرابطين يدعى موري يولي سيس في مرتفعات فوتاجالون بجمهورية غينيا المجاورة، وكون مملكة صغيرة، ودعا قبائل الماندنيجو المسلمة إلى إعلان الجهاد المقدس على القبائل الوثنية.

وبينما الحرب مشتعلة بين الأوربيين وقبائل الساحل، ولد الفتى الوثني ساموري توري، وعندما بلغ 18 عامًا أرسله والده إلى ساحل العاج ليجلب السلاح، وهناك اعتنق الإسلام، وعندما عاد إلى قريته وجد الملك الوثني سوري بيراما ملك بيساندوجو أغار على بلدته ساننسكورو وأسر والدته، فعرض خدماته على الملك مقابل فك أسر والدته، لكنه سرعان ما فر من الجيش عام 1861م، وتحصن بالجبال وجمع حوله العديد من الرجال المسلمين ليتمكن من تأسيس أكبر إمبراطورية إسلامية في غرب أفريقيا وتمكن من السيطرة على أجزاء شاسعة من بلاد ساحل العاج الحالية.

ساحل العاج مركز الإمبراطورية :

جعل ساموري عاصمته مملكته مدينة كانكان الواقعة في شرق دولة غينيا الحالية، وأخذ يوسع مملكته حتى سيطر على شمال ساحل العاج، وأخذ ينشر الإسلام بين القبائل الوثنية التي تخضع لسيطرته، وظل ساموري يوسع دائرة دولته حتى بلغت مساحتها مليون كم مربع، وبذلك تصبح أكبر إمبراطورية عرفها شعب الماندنجو المنتشر في ساحل العاج وغينيا وليبيريا ومالي.

وسرعان ما اتخذ ساموري عام 1884م، لقب الإمام أو أمير المؤمنين، وألغي شرب الخمر، وطبق الشريعة الإسلامية، ومنع كل العادات الوثنية.

وبينما الإمام ساموري يوسع مملكته ناحية الشرق مستهدفا السيطرة على دولة غانا الحالية، كانت القوات الفرنسية تزحف إلى مملكته من الغرب للقضاء عليها في إطار خطة فرنسا بالسيطرة على غرب أفريقيا.

وأدى ذلك إلى نشوب صراع طويل استمر لمدة 17 عاما بين الإمام ساموري والفرنسيين، وتمكن فيها من تكبيد الفرنسيين خسائر عالية.

حروب نابليون الأفريقي :

بدأت الحرب بين فرنسا وساموري عام 1881م عندما رفض الاستجابة لطلبات الفرنسيين الانسحاب من منطقة كيني ران، مما أدى إلى اندلاع العديد من المعارك التي انتصر فيها ساموري، غير أن قيام القبائل الوثنية بالهجوم على الجيش المسلم من الشرق ، أدى إلى تشتيت قوات المسلمين، فاضطر ساموري إلى عقد هدنة مع الفرنسيين عام 1887م، تخلى بموجبها عن بعض المناطق للفرنسيين.

لكن الفرنسيين سرعان ما عادوا إلى إعلان الحرب على ساموري وتمكنوا من الاستيلاء على عاصمته كانان، فأسس عاصمة جديدة في مدينة داباقالا في ساحل العاج1891م لتكون بعيدة على الفرنسيين.

وأخذ ساموري يستورد الأسلحة الحديثة من ليبيريا وسيراليون، ويؤسس المصانع لتصنيع البنادق محليًا، لكنه ظل يدرك أن قواته بحاجة شديدة للمدافع لصد الفرنسيين.

وأمام امتلاك القوات الفرنسية للمدافع التي تضر تحصينات جيش الإمام ساموري، قرر ساموري تقسيم جيشه إلى ثلاث فرق، الأولى تتوسع شرقا وتضم أراضي جديدة للدولة تعويضًا عن الأراضي التي تفقدها في الغرب أمام الفرنسيين، والفرقة الثانية من القوات تتمركز في ساحل العاج، والفرقة الثالثة تقاتل الفرنسيين وتعمل على تكبيدهم أعلى خسائر ممكنة مع الانسحاب إذا رأت المعركة تدور في غير صالحها، وبالفعل كان الإمام ساموري، يقوم بالانسحاب محافظًا على جيشه، وأثناء الانسحاب يقوم بحرق جميع الأراضي التي يتركها، فإذا وصلها الفرنسيون لا يجدون المئون التي يحتاجونها، فلا يستطيعون مواصلة تقدمهم انتظارًا لوصول الإمدادات، الأمر الذي أنهك القوات الفرنسية.

نهاية مشرفة :

غير أن قوات ساموري سرعان ما تمت محاصرتها في غابات ساحل العاج، بعد أن منعته بريطانيا من التقدم شرقًا ناحية غانًا، ومنعته القبائل الوثنية من المرور عبر أراضيها، وكذلك إعلان العديد من القبائل الوثنية الحرب عليه، بينما ساءت أوضاع المسلمين أصابهم الإنهاك من طول فترة الحرب، فتعرض جيش ساموري للجوع، وأصبح ساموري غير قادر على السيطرة على جنوده الذين يتضورون جوعًا، ويبحثون عن أي شيء يأكلونه، وفي إحدى الليالي استيقظ ساموري ليجد جيشه المكون من عشرة آلاف مقاتل لم يعد معه سوى ألفى بينما تفرق الباقون في الغابات، وحاصرته القوات الفرنسية من كل جانب، حتى وقع في الأسر بمنطقة جويلمو، وتم سجنه في 29 سبتمبر 1898م، وترحيله إلى الجابون حيث لقي ربه عام 1900م.

التنصير يغزو البلاد :

سرعان ما سيطرت فرنسا على كامل أراضي ساحل العاج بما فيها أراضي المسلمين في الشمال والوسط، ليبدأ مسلسل التنصير. انتشرت البعثات الكاثوليكية في البلاد. أنشأت العديد من المدارس، بينما دخلت البروتستانتية على يد واعظ ليبيري عام 1913م، يسمى وليام هاريس.

فيما قامت فرنسا بإتباع سياسة فرنسة البلاد، فأسست المدارس وجعلت الفرنسية لغة أساسية، وسمحت للعديد من أبناء القبائل الوثنية والمسيحية بإكمال تعليمهم في فرنسا، وحرمت المسلمين من شغل الوظائف الحساسة في البلاد، ثم أصدرت قانونًا عام 1939م، بموجبه تم وضع أنصار كل ديانة تحت إشراف وزارة الداخلية، وكافأت كل من يرتد عن الإسلام بالحصول على الجنسية الفرنسية، ومكنت الكاثوليك من السيطرة على الجهاز الإداري للدولة التي تتكون من أغلبية إسلامية واضحة، ومنعت تدريس الإسلام في المدارس، وشمل الحظر لغة الماندي الخاصة بقبائل المانديجو المسلمة التي أصبحت لغة الإسلام في غرب أفريقيا.

بعد الإستقلال الأقلية تحكم :

نالت ساحل العاج استقلالها عام 1960، وتمكن “هو في بوانيه” رئيس الحزب الديمقراطي ذو الغالبية الكاثوليكية من السيطرة على الساحة السياسية وأصبح الحزب الشرعي الوحيد في البلاد، وبذلك سيطرت الأقلية الكاثوليكية على الحكم في البلاد، وتم استبعاد المسلمين نهائيا عن الحكم.

تركت نشأة الرئيس “هوفي بوانيه” في المدارس التبشيرية بصماتها الواضحة على سياسته، إذ واصل سياسة الفرنسة، وأبقى على القوات الفرنسية في البلاد، وغير اسم ساحل العاج إلى الاسم الفرنسي ” كوت دي فوار”، وجعل الدولة تساهم في بناء الكنائس، والمدارس الكاثوليكية، ورفض بوانيه وضع مدارس المسلمين تحت إشراف وزارة التربية والتعليم، ووضعها تحت الإشراف المباشر لوزارة الداخلية، ورفض اعتبار العيدين مناسبة وطنية، وأخضع التلفزيون والإذاعة للسيطرة الكاثوليكية، اللذان يقدمان الموسيقي والبرامج المسيحية بصفة يومية منذ نشأتهما عام 1963، 1964 وحتى الآن

المسلمون يقاومون :

على الرغم من مضايقات الحكومة للمسلمين، فإنهم قاموا بإنشاء العديد من المدارس الإسلامية، واستعانوا بعلماء من غينيا المجاورة لتدريس العلوم الإسلامية، حتى بلغت نسبة المدرسين المسلمين 55% في المدارس الابتدائية، و50% في المدارس الثانوية، و30% من أساتذة الجامعات، بينما يشكل الطلاب المسلمون 40% من طلبة جامعة أبيدجان، ويقرأ المسلمون معاني القرآن على لغة الماندنيجو حيث قام بالترجمة الشيخ سليمان كانتي من غنيا، وأسسوا الجمعية الإسلامية لتنظيم الحج والعمرة، كما تأسست منظمة المجلس الإسلامي الأعلى لساحل العاج، الذي أنشأ المعهد العلمي العربي لتدريس اللغة العربية.

ومكنت سيطرة المسلمين على التجارة، على التمتع بدرجة عالية من الغني والثراء، يشاركهم في ذلك 60 ألف لبناني بينهم مسلمون يسهمون بدرجة عالية في التجارة داخل البلاد، بينما يسيطر الفرنسيون والأمريكيون على الصناعة.

بوادر العاصفة

تمكن الرئيس بوانيه طوال فترة حكمه (1960- 1993) من السيطرة على مقاليد الحكم في البلاد، يدعمه في ذلك 10 آلاف جندي وألفين من القوات الفرنسية، ورغم بعض الاضطرابات الطلابية التي شهدتها البلاد، فإن الغنى والثراء الذي تمتعت به البلاد في عهده، بالإضافة إلى حكمته في إدارة أمور الدولة مكنته من بسط الاستقرار في ساحل العاج.

وعلى الرغم من انحياز الرئيس بوانيه للكاثوليك، فإنه لم يرتكب مجازر في حق المسلمين، ,شجع هجرة الأجانب إلى البلاد للعمل في مزارع الكاكاو، وسمح لهم بثنائية الجنسية، حتى بلغ تعداد الأجانب الغربيين المقيمين في ساحل العاج 60 ألفًا، منهم 45 ألف فرنسي يسيطرون على 41% من رؤوس الأموال، و55% من القطاع التجاري.

في حين وصل تعداد الأجانب الأفارقة من الدول المجاورة أكثر من 5 مليون نسمة بنسبة 30% من سكان البلاد، أغلبهم من مسلمي دول بوركينا فاسو ومالي وغينيا وساحل العاج.

وفي عام 1990 ارتخت قبضة الرئيس العجوز عن الحكم (85 عامًا) وسمح بالتعددية الحزبية، وظهر الشاب الكاثوليكي المتعصب لوران جباجيو وتحدى الرئيس في انتخابات الرئاسة لكن الشاب جباجبو خسر المعركة.

ولاسترضاء المسلمين لتحسين الوضع الاقتصادي استدعى بوانيه الزعيم المسلم الشمالي الحسن وتارًا مدير البنك الدولي ، ليعمل رئيسيًا للوزراء (1990-1993) وليصبح للمسلمين وجود على الساحة السياسية.

لكن وفاة هوفيت بوانيه في ديسمبر 1993م، أدت إلى تصعيد رئيس الجمعية الوطنية الكاثوليكي المتعصب هنري كونان بيديه إلى منصب الرئيس طبقًا للدستور لحين إجراء انتخابات الرئاسة، وقام بإبعاد الحسن وتارًا من رئاسة الوزراء بسبب دينه و لتمتعه بشعبية واسعة. وسرعان ما ادعى الرئيس الجديد أن وتارًا ليس عاجيًا، وأنه تلقى تعليمه بإحدى مدارس بوركينافاسو ، ويحمل جواز سفر دبلوماسي بوركينافاسي، وأن أبوه من بوركينا فاسو.

وأدخل الرئيس بيديه تعديلا في الدستور مكنه من استبعاد الزعيم المسلم وتارا من الترشيح في الانتخابات، حيث نص التعديل الجديد على أن المرشح لمنصب الرئيس ينبغي أن يكون أحد والديه عاجيًا مولود في ساحل العاج،وأن يقدم الأوراق الرسمية الدالة على ذلك، وهو ما يستحيل إثباته لأن العديد من العاجيين ليس لهم شهادات ميلاد، فضلا عن أبائهم الذين ولدوا قبل استقلال ساحل العاج نفسها!! وبناء على ذلك تم استبعاد الرجل القوى الحسن وتارًا، وبذلك تمكن بيديه من النجاح في انتخابات الرئاسة عام 1995م

المزيد من التعصب :

اتبع بيديه سياسة متعصبة تجاه المسلمين، وأصدر قوانين جديدة، بمقتضاها سحب هويات مئات الآلاف من المسلمين، بحجة أنهم ليسوا عاجيين، ولم يقدموا ما يثبت ميلادهم في ساحل العاج.

وأعلن بيديه سياسة “العاجية” والتي تشترط في من يحصل على جنسية ساحل العاج أن يكون من أب عاجي، وبموجب ذلك تم سحب العديد من الهويات الشخصية لمئات الآلاف المسلمين لحين إثبات أن آباءهم ولدوا في ساحل العاج، كما تم فصلهم من وظائفهم وسحب جوازات سفرهم، ومصادرة ما بحوزتهم من وثائق تثبت هوياتهم عند الحواجز التي تقيمها الشرطة على الطرق، ولم تكتفي الحكومة بذلك، بل أخذت في اضطهاد المسلمين المهاجرين من الدول المجاورة، والسعي لطردهم.

اعتبر المراقبون إجراءات حكومة الرئيس بيديه موجه بالأساس إلى المسلمين عامة وعرقية الديولا التي ينتمي إليها أغلب المسلمين.

اندلاع الحرب :

مع استمرار التمييز العرقي والديني ضد المسلمين، وبعض العرقيات الأخرى، وتفشي الفساد في أجهزة الدولة وتدهور الوضع الاقتصادي بشكل مخيف، تحالف القادة العسكريون المسلمون في الجيش مع الجنرال المسيحي روبرت جي لتنفيذ انقلاب في ديسمبر عام 1999م، ليتولي جي الحكم، فهرب الرئيس بيديه إلى الخارج.

لكن جي سرعان ما تآمر على من نصبوه حاكما، وعاد إلى النغمة الطائفية ضد المسلمين، وقام بتعديل الدستور ليمنع الحسن وتارًا من خوض انتخابات الرئاسة فنص التعديل الجديد على أن يكون المرشح لمنصب الرئيس من أبوين وجدين عاجيين، وألا يكون قد قبل جنسية دولة أخرى وبذلك تمكن الحاكم العسكري جي من إبعاد الوتارا من منافسته، ولم يتبق أمامه في حلبة الصراع سوى الشاب الطموح لوران جباجبو رئيس حزب الجبهة الشعبية العاجية لخوض انتخابات الرئاسة عام 2000م.

وفي الانتخابات لم ينتظر جباجبو نتيجة الانتخابات وأعلن فوزه بنسبة 60% من الأصوات، ونصب نفسه رئيسا للبلاد ، وقاد المليشيات المسلحة من قبيلته بيتي، يدعمه الجيش في السيطرة على أجهزة الدولة، وأخذت ميليشيات جباجيو في ذبح المسلمين وحرق المساجد، وكادت تظفر بالحسن وتارا نفسه، إلا أنه فر قبيل وصولها إلى منزله، ولجأ إلى السفارة الألمانية المجاورة لمنزله، ومنها إلى السفارة الفرنسية ليهرب من البلاد، بينما تم قتل كل الموجودين داخل المنزل وتدميره بالمدافع، وأعلن عدم اعترافه بالرئيس جباجبو.

واصل جباجبو (58 عامًا) وهو الكاثوليكي الذي تلقى تعلميه المدارس الكاثوليكية، واصل سياسة اضطهاد المسلمين في كل أنحاء ساحل العاج.

وهو ما دفع الجنود المسلمين في الجيش إلى شن انقلاب عسكري في سبتمبر 2002 سيطروا خلاله على النصف الشمالي للبلاد، ولكن القوات الحكومية استطاعت بعد طول قتال من السيطرة على المدن الرئيسية للمسلمين في الشمال، خاصة مدينة بواكي التي تعد العاصمة الثانية للبلاد، إلا أنها عجزت عن إحكام السيطرة التامة على الشمال حيث يتركز المسلمون.

نزيف المسلمين لا يزال مستمرا :

ولا تزال الحرب مشتعلة على الرغم من العديد من الوساطات التي تقوم بها فرنسا، ومجموعة دول غرب أفريقيا لإنهاء القتال الذي يخمد فترة ثم يعود ليتجدد.

في حين يسعي لوران جباجيو لتشويه سمعة الزعيم المسلم الحسن وتارا واتهامه بالأصولية، كما ينشر بين المسيحيين والوثنين أن المسلمين يرغبون في إقامة حكومة إسلامية أو على الأقل الاستقلال بشمال البلاد.

-- خاص بالسكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*